التعددية في الإسلام من منظور الليبرالية السياسية المعاصرة

23

تقع فكرة الإجماع المتشابك في بؤرة المفاهيم التي استخدمها راولز في نظرته عن العدالة، والتي استخدمت على أنها استجابة لواقع التعددية المعقولة الذي يسم المجتمعات الحديثة؛ لأن هذا الواقع ينطوي على وجود عقائد شاملة مختلفة، ولكل منها أتباعه ومؤيدوه ولذلك فإن الإجماع المتشابك يعني تأييد هذه العقائد الشاملة لمفهوم سياسي واحد.

وتنبع صفة الضرورة التي تتصف بها فكرة الإجماع المتشابك من كون مفهوم العدالة يتطلب قبولاً من عقائد شاملة ومختلفة غير قابلة بحكم ماهيتها وشموليتها للتصالح مما يهدد بتدمير النظام السياسي وتمزيقه شذر مذر بسبب النزاعات العقائدية ما لم يوضع أساس عام للتسويغ في نظام دستوري.
والمهم في هذه الفكرة انها ليست استجابة لواقع التعددية المعقولة، بمعنى أنها ترسم مفهوماً سياسياً يقيم توازناً بين العقائد الشاملة لكسب ولائها، أي أنها ليست صيغة توفيقية بين هذه العقائد، وإنما هي تسأل عن كيفية رسم مفهوم للعدالة لنظام دستوري يكون ذا دفاع ذاتي ويمكن المصادقة عليه من قبل الذين يؤيدونه، أو من قبل من يمكن تحويلهم الى مؤيدين.
بينما تتطلب الليبرالية عمى لغوياً وإثنياً وعرقياً لا يمتد مفهوم التعارف “جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” المنصوص عليه في النص الديني بالضرورة إلى عقائد أخلاقية ودينية.
حتمية الخلاف الديني
بينما تنص آيات عديدة في القرآن على تحريم موالاة غير المسلمين من مثل:
“لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء الا ان تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير”(سورة 3 آية 49)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (سورة 5 آية 51).
فإن آيات أخرى تعتبر أن الخلاف سنة كونية.
“ولو شاء ربك لآمن في الأرض جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون”(سورة يونس آية 99).
ورغم التضارب الظاهر بين نوعي الآيات فإن ثمة نقاطاً ثلاث تتكرر في أدبيات العقيدة الإسلامية لكي تثبت انطواء العقيدة الإسلامية على مفهوم الاعتراف بالآخر أو التعددية، لكنها غير كافية لمتطلبات المواطنة في الديمقراطية الليبرالية.
النقطة الأولى: هي ما تنص عليه الآية “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خبير”(سورة الحجرات آية 13)
المشكلة أن هذا لا يمنع عقيدة عدم المساواة مع غير المسلمين فواجب التعارف لا يمتد بالضرورة الى عقائد أخلاقية ودينية؛ لأنه من الواضح كيف يمكن للسورة أن تستخدم لتبرير عدم المساواة الراديكالية بين المؤمنين وغير المؤمنين عبر التقسيمات الإثنية بينما تتطلب المواطنة الليبرالية عمى لغوياً وإثنياً وعرقياً كما نوهنا آنفاً.
النقطة الثانية: هي وجود أدبيات اعتذارية إسلامية عن اعتراف الإسلام بالأنبياء السابقين والوحي السابق له في التقليد الابراهيمي، وتسامحه مع أهل الكتاب.
عدد من سور القرآن تتحدث عن واجب الاعتراف بحقوق الكتابي، ومثل هذه السور تستخدم بكثرة لتشير الى تقليد إسلامي بالتعددية الدينية والتسامح.
“وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ولكن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ سورة ( 5 آية 48(
سياق هذه السورة وسور أخرى تتحدث عن حتمية التنوع ضمن العائلة الابراهيمية.
”إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ“(سورة 2 آية 62)
”كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ“(سورة 2 آية 213)
وهذا السياق استجابة من المسلم لتنافس دعاوى الحقيقة للديانات التوحيدية الثلاث وصولاً إلى تسيد نبوءة محمد.
القانون الإسلامي فيما بعد وسع ميزات الحكم الذاتي المحدود لمجتمعات اليهود والمسيحيين على اعتبار أنه مسموح الزواج من امرأة يهودية أو مسيحية من قبل المسلم، ومسموح للكتابيين تجنب الحرب أو التحول من خلال دفع الجزية.
بواسطة معايير العصور الوسطى مثل هذه السياسات تؤسس لتقليد تسامح عابر للطوائف نسبيا
ولكن مشكلتنا أنها ليست كافية لتأسيس عقيدة تعددية دينية؛ فمثل هذا النقاش عن حلف مع أهل الكتاب غير كاف ضمن السياق الليبرالي الذي يبحث عن تأسيس تضامن على أساس مواطنة مشتركة مستقلة عن الاعتقادات الميتافيزيقية الجدلية.
في الحقيقة ليس نادراً بالنسبة للمدارس التي تناقش السور القرآنية أن تعتبر أن الوحدة الدينية الاصلية للجنس البشري قد قطعت لحكمة وإرادة الهية، وأن الدرس المستخلص بالنسبة للمسلمين ليس مجرد التسامح داخل التوحيد، ولكن عقيدة عامة تعتبر أن الحكمة الإلهية خلف الاختلاف هي وضع مهمة للجنس البشري ليتنافسوا بينهم على أفعال الخير؛ لأن الله قد خلقهم ليختلفوا فالاختلاف هو إرادة الهية وهو ما تنص عليه بعض الآيات.
تصر الليبرالية السياسية ليس فقط على مجرد القبول أو التسامح مع الاختلاف ولكن على الاعتراف بمنطقيته.
النقطة الثالثة: أن التشريع الإسلامي باعتباره ميدان الفقهاء وليس الدولة؛ فإن غموض النصوص والتناقض الظاهر بينها – كما أشرنا في البداية – وتفسيراتها المختلفة ينظر إليه كأسباب شرعية للتنوع العقدي.
هذا التقليد الخاص بالاعتراف بحقيقة التعددية داخل الإسلام بدون شك عامل مهم في السماح بخلق عقيدة مواطنة إسلامية في الديمقراطيات الليبرالية غير المسلمة.
هذه التعددية التي تسمح للفقه الكلاسيكي أن ينتج أوضاعا متماسكة أو أحكاماً تؤسس لدعم أوجه معينة من المواطنة الليبرالية.
وفي الواقع فإن وجود تقليد إسلامي للتعامل مع التعددية الأخلاقية يجب ألا يفسر كدليل على قابلية إسلامية للتعددية الأخلاقية كما تفهمها الليبرالية السياسية.
إنها مرتبطة بالتزام بحقيقة الإسلام، وبمعرفة بعض، والتعرف على وضع خاص لليهود والمسيحيين وهي كلها يمكن أن تشكل سبباً إسلامياً لرفض الليبرالية السياسية.
الطريق الأكثر إفضاء إلى تأكيد إمكانية التعاون الاجتماعي مع أشخاص بدون رابطة نسب ديني أو ميتافيزيقي هو مناسبة السور الموحاة قبل الهجرة في الفترة المكية، فهذه السور تتحدث عن تنوع ديني بطريقة لا تفترض اعتقادا دينياً أو وحياً توحيدياً في التقليد الابراهيمي كشرط للاعتراف.
”وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ“(6:35)
”قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ“(6:149)
”وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حتى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ“(10:99)
”وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ“(سورة 11 الآية 118-119). وثمة لفتة في هذه الآية يشير إليها حرف اللام في”ولذلك خلقهم“حيث استنتج منها أحد المفسرين أن الاختلاف هو علة الخلق.
سور أخرى ليست مكية تشير الى اختلافات بين مسلمين يهود ومسيحيين لكنها تتحدث عن حكم يرجع إلى الله فقط بطريقة يمكن أن تطبق على الخلاف الديني بشكل عام. مثل سورة الشورى اية 15”فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ“
”إِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ“
”اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (سورة الحج:68-69)
القران وبخاصة في السور المكية يصف محمداً كبشير ونذير كما ينص على أن الله سيكون حاكماً بين البشر فيما اختلفوا فيه في العالم الآخر.
“مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا” (سورة4 الآية 80)
علاقة السور المكية بكلية الرسالة الإسلامية هي موضوع جدل أيديولوجي خاص في المناظرات الإسلامية، فالمدرسة الفكرية الحديثة التي استندت على نظرية إعادة تشكيل إسلامية للعصر الحديث بالاستناد إلى طبيعة السور المكية روحياً وميتافيزيقياً، والتي أسسها محمود محمد طه الذي شنقته الحكومة السودانية بتهمة الردة تجعل للسور المكية أهمية خاصة في الدراسة من حيث إنها تعبر عن حياة معاشة من قبل المسلمين في سياق أقلية. علاوة على ذلك بينما تعترف السور المدنية بعلاقات بين مجتمعية حيث الجماعات غير المهيمنة مسيحية ويهودية فإن السور المكية تضع توضيحاً لتعامل المسلمين مع المشركين الذين لا تربطهم بهم رابطة دينية.
لا يحتاج المرء لتبني معتقد طه عن الرسالة الثانية (حيث يقول إن السور المكية توحي بالطبيعة الصحيحة للإسلام) لكي يتبنى فكرة أن الوحي المكي يظهر طريقا لحياة إسلامية موثوقة في ظروف معينة.
فالقرضاوي مثلاً يعتبر أن القرآن المكي هو الذي يحوي العبارة الانقى للطموح الكوني والانفتاح على غير المؤمنين.
في توضيح السؤال عن إقامة المسلم في الغرب يستشهد بالسورة 11 الآية 118
“وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ” ويعلق أن الرغبة في جمع البشر في دين واحد أو طائفة واحدة يعارض الإرادة الإلهية. وبالآيات السابقة من سورة الشورى وسورة الحج ليبرر دعواه أن الإسلام يأخذ حصة في كل الناس بدون اعتبار دينهم أياً كان.
واستناداً إلى هذه السور يعتبر القرضاوي أن كل الأرواح تنتمي الى الله، وهي موضوع اعتبار واحترام، فالمسلم النقي يريد لهذه الأرواح ان تنجو لكنه يعرف أن الكفر أو الإيمان والحكم النهائي هو لإرادة الله.
في فتوى أخرى (موقع إسلام اون لاين) على سؤال فيما إذا كان اليهود والمسيحيون ينظر إليهم ككفار في الإسلام يقترب القرضاوي من توضيح المعضلة المناقشة في الليبرالية السياسية تحت عنوان أعباء الحكم عندما يسأل “كيف يمكن التوفيق بين إيماننا بكفر أهل الكتاب وبين دعوتنا للتسامح معهم”؟
يبحث أولاً عن تفكيك السؤال بالتأكيد على أن تبني اعتقاد هو تبنيه على أنه صحيح، وأن الذين ينكرونه غير مؤمنين بحقيقة الاعتقاد.
ويستنتج أن هذه حالة أي معتقد ديني أو علماني وليس خاصاً بالإسلام.
هل يمكن اعتبار هذا كمناظر لواقع التعددية الأساسي الذي ينظم العقائد غير المتوافقة المتعددة في الراولزية؟
يتقدم القرضاوي بشكل مشابه ليزيل الغموض حول سؤال الكفر بملاحظة أن هذه حقيقة عامة لعدم التوافق بين العقائد تقترح سؤالاً مهماً يتطلب جواباً: كيف حل الإسلام هذا اللغز؟
كيف يتسامح المسلم مع شخص يعتبره غير مؤمن بدينه؟
يعطي القرضاوي عدداً من الأجوبة على هذه المشكلة تتمحور حول “احترام كرامة الاخرين”
لا يشير القرضاوي إلى أي عمومية دينية أساسية فالمسلم يعتبر الاختلاف بين الناس في الدين واقعا وفقا لإرادة الله الذي منح خلقه شكلا من الحرية وخياراً في الفعل.
النقاش الثاني ثيولوجي وهو أن المسلمين ليسوا مسؤولين عن كفر غير المؤمنين أو عقاب الضال على خطئه لأن وقت ذلك ليس هذا العالم، وإنما يوم القيامة وهذا ما تفصح عنه السور المذكورة آنفاً. استنتاج القرضاوي هذا هو التمييز بين حكم المرء على كفر الآخرين وبين التزامه السياسي والاجتماعي تجاههم؛ ولهذا السبب فإن ضمير المسلم مرتاح، وهو لا يجد صراعاً بين قناعته بكفر الكفار، وطلب أن يكون عادلاً ومتساوياً معهم.
سور مكية أخرى ذكرناها في معرض الاستشهاد بقبول العقيدة الإسلامية للخلاف كظاهرة حتمية تعطي أسباباً قوية لاعتبار الخلاف الديني طبيعياً مقدراً من الله، واعتبار المجتمعات التعددية كحقل لمعظم الفعاليات الدينية المهمة:
حمل الشهادة، دعوة الكفار الى الإسلام، الدفاع عن فضائل الإسلام من خلال العقل بشكل واضح. مثل هذه الاعتقادات قد تم تبنيها لتكون متوافقة مع تنوع الترتيبات السياسية.
معرفة أن الله قدر أن بعض الناس لن يؤمنوا، وأنه سيوجد دائماً مجتمعات كفار في أي مجتمع ليس غير منسجم مع تفضيل نظام سياسي مستند إلى عقائد دينية وإعطاء ميزات اجتماعية للمؤمنين.
ورغم محاولات القرضاوي السابقة فإن الحقيقة أن“التعددية كقضاء إلهي” ليست كافية لاستنتاج عقيدة المساواة الليبرالية بخاصة في مجتمع أكثرية مسلمة.
ففكرة واقع التعددية المعقولة مقصودة لكي تنجز شيئين رئيسين:
– لكي تشرح سبب الاختلاف الأخلاقي وأنه يمكن أن يكون شكلاً دائماً للمجتمعات الحرة أفضل من شيء يختفي عندما تتحقق ظروف مثالية.
– أنه من المفترض أن يعطي سبباً قوياً للتبرير السياسي الذي يجب أن يكون عاماً أي يتبنى من قبل العموم
“التعددية كقضاء إلهي” تخدم مدارس إسلامية لتشرح سبب الاختلاف الأخلاقي، وأنه يمكن أن يكون شكلاً دائماً للمجتمعات البشرية، ويعطي أسباباً قوية لقبول هذا الشكل كسبب لفشل المسلمين في خلق شروط اجتماعية وسياسية، وهو ما يجعل التعددية كقضاء إلهي غير كفيلة بخلق عقيدة حيادية تبريرية كما هو الحال في النظام الفلسفي العلماني؛ فبينما تصرح هذه النصوص بالتعددية كقضاء إلهي تأمر أيضا بترقية الأخلاق وتشير بخصوص الحكم الأخلاقي إلى الله وإلى إمكانية انتشار وحيه.
على الرغم من أن الليبرالية المعاصرة تشتق التزاماتها من قيمها الأصلية للاحترام للأشخاص والاعتراف بشخصياتهم الأخلاقية، فهي لا تستطيع أن تكون متسرعة في اعتبار أن كل عبارات الاعتراف والاحترام والتسامح في التقاليد الأخرى سوف تنتج التزاماً متساويا بالحيادية.
قيم الاعتراف والتسامح والاحترام هي عناصر حاسمة في عقيدة المواطنة لكنّ ملأها بطريقة مرضية من منظور إسلامي يتطلب أكثر من فكرة أساسية عن “التعددية كقضاء إلهي”، إنها تحتاج قيماً أخرى والتزامات أخلاقية أخرى.

 

مشاركة