بيان.. في الذكرى الثانية لرحيل ” ابن العم ” المناضل رياض الترك

0
17

 

   في 1 / 1 / 2024 رحل ” ابن عمّ ” السوريين، وهو مِن أبرز الذين نشّطوا الحياة السياسية السورية، وأهمّ مَن شغلوا أنظمتها وحكّامها منذ خمسينات القرن المنصرم.

   مثّل رياض الترك حالة فريدة في التاريخ السياسي السوري، إذ انتقل بالعمل المعارض من “الأيديولوجيا” إلى “الفضاء السياسي الوطني”، مما جعله محركاً لأبرز التحولات السياسية في سورية. فقد كان من مهندسي “التجمّع الوطني الديمقراطي”، ليسمو مجدّداً في رؤيته للسياسة والصراع في سورية على أساس وطني بين نظام ديكتاتوري استبدادي فاسد، والبديل عنه إقامة نظام وطني ديمقراطي. ويتابع مساره في ربيع دمشق، ليخرج لميدان المنتديات الفكرية والسياسية بعيداً عن الأطر الحزبية، ليكون أكثر جرأة في التحريض بتحدّي استبداد “مملكة الصمت” زمن الأسد الأب، وصولاً للقفزة السياسة النوعية في “إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي”؛ 2005 الذي جمع كافة القوى السياسيّة المعارضة في سورية، من يساريين وليبراليين وإسلاميين وقوميين، إضافة للعديد من الشخصيات المستقلة. كاسراً القالب التقليدي في العمل السياسي، ورائداً بمرونته في التحالفات، وربَط السياسة بالممارسة اليومية والصمود، فغدت عنده فعلاً أخلاقياً.

   ومع اندلاع ثورة 2011، تحوّل الترك إلى “مرجعية وطنية” تتجاوز ضيق الآفاق الحزبية، وكانت سورية أولاً، أساس خطابه السوريين في معركتهم لاستعادة دولتهم المخطوفة، محذّراً من “تطييف” الثورة أو انحراف البوصلة عن إسقاط نظام الاستبداد.

    حلّ في سجون طغاة مرّوا في حياة سورية، ولكن اعتقاله الأطول كان في زمن الأسد الأب الذي دام 18 عاماً من (1980-1998) في زنزانة انفرادية، كان من أقسى التجارب الإنسانية، ولكنه لم ينكسر، ولم يتراجع عن عناده، بل أعاد بناء رؤيته للعالم وللسياسة السورية، فكانت الزنزانة مختبراً للمراجعة الفكرية، إذ خرج من السجن “ديمقراطي وطني”، بينما دخله “شيوعي صلب”.

     فصارت السياسة عنده “فنّ الممكن الوطني”، لا الشعارات الكبرى التي كان يرفعها النظام، و”الوطنية” بناء مؤسسات تحمي المواطن، لا إطلاق خطابات حماسية، والتحالف مع المخالف سياسياً، هو “فعل وطني”. وبذلك كان جسر العبور من الأيديولوجيا إلى السياسة الوطنية. لقد استطاع “ابن عم” أن يحوّل سنوات القهر والظلام إلى طاقة، جعلت منه “مانديلا” عربي، يبرهن أن الاستبداد ليس قدراً حتمياَ، ويجيد الإصغاء للشباب، في الثورة، أنداداً بلا استعراض، ويرفض الانتقام، ويتمسّك ببناء دولة المواطنة.

رحيل “ابن العم” لم ينهِ إرثه، بل ثبّته مرجعية وطنية سورية، له ما له وعليه ما عليه. لكنه ترك “بوصلة وطنية” تشير للحرية. فاعترف منتقدو صلابته وعناده، بصوابية قراءته للواقع السوري في وجه الانكسار الشامل. بفضله تعلّمت المعارضة السورية أن الديمقراطية ليست ترفاً فكرياً، بل “عقد اجتماعي” للنجاة من الطغيان. وأن الاستبداد ليس نظاماً، بل مرض ينخر الكرامة، علاجه “الحرية الكاملة”. أمّا شجاعته عندما قال: “مات الديكتاتور” فأعلنت نهاية زمن “تأليه الحاكم وتصنيمه”.

   إننا في حزب الشعب الديمقراطي السوري على درب رياض الترك في النضال سائرون، وعلى نهجه في الإقدام والصمود والتفاؤل والنزاهة والتجذّر بالأرض واستقلال القرار الوطني والإيمان بقدرة سورية على بناء دولة المؤسسات والحريات والمواطنة والقانون والمساواة والعدالة والكرامة والتنوع الثقافي.

   إنَّ أكبر تكريمٍ لرياض الترك، بعد انتصار الثورة العظيمة، التي شارك فيها، يتحقق باستعادة “بوصلته الوطنية ” التي ترفض الارتهان للخارج أو الانكسار للداخل، وتدعو لغد سوري يبنيه الجميع لأجل الجميع، بوصلته التي تؤمن بالشعب، وتتمسّك بالأرض، وترفض الاستبداد. لقد رحل تاركاً لنا سورية “ملكية عامة”، لا “مزرعة خاصة” لورثة القتل. سورية التي لا تنحني، وتسعنا جميعاً، ولا يسود فيها إلا المواطنة والقانون والعدل.

دمشق 1 / 1/ 2026

                                                                                  اللجنة المركزية 

                                                                 لحزب الشعب الديمقراطي السوري

مشاركة