كَثُر الحديث مؤخراً عن وجود تطورات محتملة في الموقف الروسي من الأزمة السورية، وعن نية موسكو تقديم تنازلات وازنة استجابةً لمتطلبات الحل السياسي الدولي. يأتي هذا الحديث على خلفية تعمق المأزق الروسي والاستعصاءات التي تواجهها موسكو في تمرير أجندتها الخاصة، وبالتزامن مع حملة التصعيد السياسي والإعلامي التي أطلقها المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي ضد نظام الأسد وحلفائه بمناسبة الذكرى العاشرة للثورة السورية.   

  حتى اللحظة، لم تطلق روسيا فعلياً أية إشارة للتخلي عن حماية نظام الأسد؛ فالتصعيد العسكري على مناطق المعارضة والتحرك الدبلوماسي والسياسي في كل اتجاه سعياً لإعادة تأهيل النظام وإنقاذه من أزمته يعكس حجم الرهانات وتعددها في مواصلة نهجها المعتاد، وسعيها لإنجاح مخططها في سورية والمنطقة عموماً. فعلى مدى أكثر من خمس سنوات، نجح الروس – بسبب عدم توفر الإرادة الدولية – في عرقلة تنفيذ القرار الدولي \2254\، كما تمكّنوا من العبث بأوراق الملف السوري وإعادة ترتيب أولوياته وفقاً لمصالحهم، وما زالوا يمارسون لعبة التعطيل وشراء الوقت والمراهنة على تغيرات سياسية محتملة في مواقف الأطراف الأخرى.

  منذ تدخلها العسكري المباشر في سورية لم تستطع موسكو أن تتصور أن حماية مصالحها يمكن أن تتم دون تثبيت نظام الأسد بعد أن أصبح أحد مرتكزات حضورها في المنطقة، والأداة لتلبية طموحاتها الاستراتيجية في دفع الغرب للتفاوض معها حول الملفات الأكثر إلحاحاً وحيوية، لكن عجزها عن اختراق الموقفين الأمريكي والأوروبي بخصوص رفع العقوبات عن نظام الأسد طوال السنوات الماضية دفعها إلى البحث عن أية وسيلة لفكِّ الحصار عنه وإنقاذه من الانهيار الاقتصادي والمالي، والبحث عن المنافذ التي تبعد عنه مخاطر العقوبات الغربية وخاصة قانون ” قيصر”، وكان آخرها التوسُّل لدى دول الخليج لإخراجه من عزلته السياسية بتأمين مظلة عربية واستجرار الدعم المالي والسياسي لإنقاذه من أزمته.

   إذا كان من البديهي أن يرفض نظام الأسد الانصياع للحل الدولي الذي يؤدي إلى رحيله، وأن يستميت في طرق الأبواب الموصدة الإسرائيلية منها والأمريكية سعياً وراء ضمانات دولية تؤمن استمرار سلطته ومنع سقوطه. فإن لروسيا مساراً آخر أكثر تعقيداً تفترض أن بإمكانه تأمين مصالحها الاستراتيجية، وهو مسارٌ بدأته بالتعنت والمكابرة حين حملت على ظهرها ملف تعويم الأسد بوصفه الخيار الأكثر ربحاً وفائدة، إلا أن تطورات الشهور الأخيرة حملت إليها العديد من الإخفاقات والفشل، والذي أظهر أن الغرب عموماً والولايات المتحدة على وجه الخصوص لن يسمحا بانفراد الحل الروسي في سورية ونجاحه، طالما بقيت واشنطن تدفع بروسيا نحو مزيد من الغرق في المستنقع السوري حتى أعلى درجات الاستنزاف، وتضعها أمام خيارات ضيقة تتراوح بين التوافق مع الإرادة الدولية أو الاستمرار لسنوات طويلة تحت طائلة المزيد من الغرق والاستنزاف.

وبالرغم من إعلان الرئيس الأمريكي “بايدن” بأن النظام في موسكو يشكل تهديداً لأمريكا وأوروبا معاً، ووصف رئيسه “بوتين” بالقاتل، فإن المكابرة الروسية على تحمّل مأزقها الراهن، تخفي إصراراً على الهروب من تقديم تنازلات، ما تزال موسكو تعتقد أن بالإمكان تجنبها باعتماد أسلوب المراكمة والانتظار، وتحريك ملفات ساخنة في مناطق أخرى بالتصعيد العسكري الحذر للضغط على شركائها وفتح نوافذ لتوافقات جديدة من دون أن تخسرهم، و”التشبيح” على خصومها للحصول على تنازلات جزئية دون افتعال مواجهات غير محسوبة. ويبقى الترقب وانتظار متغيرات طارئة قد يحملها تراجع بعض الأطراف نظراً لتغير مصالحهم، أو وقوع خصومها في أخطاء مفيدة يمكن استغلالها. وتبقى مسألة الرهانات الكبرى بانتظار إجراء مقايضات ومساومات تلبي مصالح الطرفين، لكن الرهان الأكبر يكمن اليوم على ازدحام الأجندة الأمريكية المثقلة بالملفات الداخلية والخارجية، فهو الذي يمهد الطريق إما لملاقاة الموقف الدولي في منطقة وسطى، أو الاستمرار بسياسة الأمر الواقع.

  بقي أن نقول إن عقدة الاستعصاء الروسي مع الغرب على أهميتها لن تكون العقبة الوحيدة حتى لو تمكنت من تجاوزها عبر لقاء المصالح والأهداف، وتبقى العقبة الحقيقية أمامها أن الحل في سورية لن يكون ممكناً دون أن يحقق تطلعات الشعب السوري وعلى رأسها رحيل الأسد وطغمته المجرمة، ومن دون حضور السوريين في معادلة الحل السياسي حتى لو توصلت موسكو لتفاهمات مع واشنطن.