مصالح إسرائيل وخياراتها في سورية

62

لاري هانوير

ترجمة: خليل الحاج صالح

لقد غمر الصراعُ في سورية المنطقةَ وما يليها، رغم الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة والاتّحاد الأوربي وتركيا والعراق لإبقاء الحرب الأهليّة السوريّة محصورة داخل حدود هذا البلد. فقد تدفّق اللاجئون السوريون نحو أوروبا ليخلقوا أزمة سياسية تهدّد بتحويل أُسس الوحدة الأوربّية، وفي مقدّمتها معاهدة شينغن[1] القاضية بإلغاء الحدود الداخلية بين البلدان الأوربية أمام المسافرين. وقد دفع احتمال تشكيل منطقة كرديّة متّصلة ذاتية الحكم على الحدود السورية التركية بتركيا إلى إعادة تقييم مقاربتها إزاء سكّانها الأكراد، مقاربة كانت بدت-في منتصف العام 2015- توشك على تطبيع المشاركة الكرديّة في السياسة التركية. وأخيراً، فقد استولت ما تُسمّى الدولة الإسلامية في العراق والشام على أراضٍ في كلّ من سورية والعراق واستخدمت معاقلها فيهما (والموارد التي تحصل عليها من حكم أجزاء في هاتين الدولتين) لدعم منتسبيها في كلّ الشرق الأوسط ولتشجيع هجمات إرهابية درامية في أوربا والولايات المتحدة.

لإسرائيل مصالح في سورية مختلفة جدّاً عمّا للبلدان الغربية الأخرى، رغم أنها في موقع ملاصق للصراع. فبينما تنشغل الولايات المتحدة وأوروبا مبدئيّاً بالتأثير الإقليميّ المُزعزِع للمتطرّفين السنِّيّين، مثل الدولة الإسلامية في العراق والشام والقاعدة، واحتمال أن تستحثّ هذه المجموعات هجمات على أراض أمريكية وأوربية، تنشغل إسرائيل أولاً بالنفوذ الذي تمارسه إيران قريباً جدّاً من حدودها[2].

لقد انصرف جُلُّ اهتمام المتطرفين السنييّن العنفيّين في سورية إلى توسيع نفوذهم في العالم العربي بمقاتلة بعضهم البعض وتقويض الأنظمة العربية التي يرونها غير شرعيّة، وقتل واستعباد غير السنييِّن (مثل الشيعة والأزيديين) ومقاومة النظام الشيعيّ في إيران وحلفائه (بمن فيهم حكومة بشار الأسد)، ومع ذلك يمكن أن يحوّلوا اهتمامهم نحو إسرائيل في لحظة ما. إنّ الحرب الأهليّة متعدّدة الفصائل في سورية تهدّد استقرار حلفاء الولايات المتحدة في تركيا والأردن والعراق- وقد كانت دفعت مئات الآلاف من اللاجئين للفرار نحو أوروبا، لكنها لا تفرض، في ذاتها وبذاتها، تهديداً مباشراً على الأمن الإسرائيلي (باستثناء قصف مدفعي عشوائي طال من حين لآخر ودون قصد الأراضي الإسرائيلية).

حقيقة الأمر، إنّ استمرار هذا الاستعصاء يمكن أن يخدم مصالح إسرائيل قريبة الأمد أكثر من ظهور منتصر واضح يمكن أن يسعى وقتها إلى صراع مع إسرائيل لبناء مشروعيّته. فما رَدَعَ إسرائيل عن الانحياز لأي طرف في الحرب الأهلية في سورية، هو عدم استساغتها أية حصيلة محتملة، سواء كانت انتصارًا حاسماً لنظام الأسد بسند من الإيرانيين، أم تفتت سورية إلى إقطاعات متفرّقة يديرها المتطرّفون السنيّون والميليشيات المدعومة من الإيرانيين والعلويّون والفاعلون الآخرون. صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون مُلخِّصاً نقاشات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: “نحن غير معنيين بمَن سيُسيطر على سورية. الأسد أو غيره، لن ندخل في هذا النقاش أبداً”.

كان مدى النفوذ الإيراني في سورية واحدًا من المشاغل الرئيسة لإسرائيل، سواء عبر نشر قوات إيرانية، أم عبر الدعم الشامل من طهران لحزب الله. وما فاقم قلق إسرائيل أكثر أن إيران نشرت عدداً معتبراً من الجنود وأن حزب الله حشد آلاف المقاتلين لدعم نظام الأسد[3]. كما تعزّز موقف إيران في سورية بفعل التدخل العسكري الروسي لصالح نظام الأسد، التدخل الذي منح إيران وشركاءها ميداناً أوسع للمناورة باستهدافه الميليشيات السنيّة، ومن المحتمل أنه قيَّد قدرة إسرائيل على العمل عسكرياً. وكانت إسرائيل قد شنَّتْ هجمات على التراب السوري، شملتْ ضرب قوافل عسكرية للقوات الإيرانية ومقاتلي حزب الله، لكنها فعلت ذلك بطرق محدودة استبَقَتْ هجمات على إسرائيل، فيما تقلّصت، في الآن ذاته وإلى الحدّ الأدنى، فرص حدوث مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران.

وإذ تملك إسرائيل قدرات ضئيلة على التأثير في حصيلة الحرب[4] الأهليّة السوريّة ومصالح محدودة في التدخّل في النزاع- لا تزيد عن استباق أو ردّ هجمات على أراضيها- فقد بدَتْ فاعلاً سلبياً فيما يجري مؤخّراً من أحداث مُشكِّلة للشرق الأدنى. إلّا أنَّ لإسرائيل بالفعل مصالح أمنيّة كبيرة على المحكّ كانت قد التزمت حمايتها بقوة. وما لم يغيِّر الصراع السوري مساره بطريقة دراماتيكية، وإلى أن يحدث ذلك، فمن المرجَّح أن تستمرّ استراتيجية إسرائيل في مراقبة الأحداث بدقّة، والعمل مع موسكو لتقليص فرص حدوث صراع غير مقصود مع روسيا إلى حدّها الأدنى والقيام بأعمال مباشرة قليلة تكون ضرورية لحماية أراضي إسرائيل ومواطنيها.

 

أهداف إسرائيل في سورية

لإسرائيل أهداف رئيسة عديدة في النزاع السوري، وهذه تشمل تقليص النفوذين الإيراني والروسي في سورية إلى حدّهما الأدنى، وإيقاف نقل أسلحة متطوّرة إلى حزب الله، ومنع سورية من تشكيل تهديد عسكري جدّي لإسرائيل، أو السماح لإيران بفعل ذلك، وتقويض شرعيّة المطالب السورية في مرتفعات الجولان، ومنع الميليشيات السنّيّة من إنشاء بنية تحتيّة أو قواعد عملياتيّة على طول حدود إسرائيل. لكن لإسرائيل قدرة محدودة على التأثير في الأحداث على الأرض في سورية ممّا يضعف قدرتها على تطوير أهدافها بشكل مباشر.

في المدى البعيد، تود إسرائيل أن ترى سورية تحت قيادة حكومة مركزية معتدلة تفرض سيطرتها على ترابها وتقاوم التدخل الإيراني، لكنها أضعف من أن تهدّد إسرائيل عسكرياً. إلّا أن ما تحبّذه إسرائيل من حصائل يخضع لدرجة عالية من الشكّ بالنظر إلى تعدّد الفاعلين في الصراع السوري. تعويل نظام الأسد على إيران واحتمال أن تبقى البلاد مُقسّمة إلى مناطق نفوذ متعدّدة مع سلطة مركزية ضعيفة، حتى إن تمّ التوصل إلى اتّفاق سلام. إسرائيل ستجد أن “حَلّي” الصراع الأكثر احتمالاً غير مستساغين بالنسبة إليها: فإمّا أن تعيد حكومة الأسد بسط سيطرتها على التراب السوري حيث لإيران الآن هيمنة ودين أكبر عليها، أو تفكّك البلاد إلى إقطاعات تُسيطر عليها مجموعات متطرفة سنيِّة أو وكلاء لإيران.

إذن، إن استمرار الصراع في سورية-وهو وضع يُواصل فيه المتطرفون السنيِّون ووكلاء إيران تصويب نيران بعضهم على البعض الآخر-يمكن أن يكون الحصيلة المفضّلة على غيرها بالنسبة إلى إسرائيل.

 

الهدف الأول: احتواء إيران ومنع الإيرانيين من نقل أسلحة إلى حزب الله

أولاً: ولأن إسرائيل ترى في إيران التهديد الوجودي[1] الأكبر لها (لا سيّما إذا طوَّرت أو حصلت على أسلحة نووية)، فإن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى إعاقة قدرات طهران على العمل بحرية في سورية، وحرية العمل هذه حاسمة بالنسبة لقدرة إيران على الضغط على إسرائيل. في العام 2003 وصف السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة حينها ميشيل أورين Michael Oren الأهمية الاستراتيجية لسورية بالنسبة لإيران بقوله: “إنّ الخطر الأكبر على إسرائيل هو القوس الاستراتيجي الممتدّ من طهران إلى دمشق وصولاً إلى بيروت. ونحن نرى أن نظام الأسد هو حجر الأساس في هذا القوس”. لكنّ قدرة إسرائيل على إعاقة حرية إيران في العمل في سورية ضئيلة، ولا تتجاوز مهاجمة القوافل التي تنقل أسلحة إلى حزب الله، وتعزيز دفاعاتها على الجانب الإسرائيلي من مرتفعات الجولان.

وفي شهر أيلول من العام 2015، أخبر نتنياهو بوتين أن طهران تستخدم التراب السوري لتهديد أمن إسرائيل بطريقتين هامتين. الأولى: أن إيران تستخدم ما يتوفر لها من حرية المناورة في سورية لتزويد حزب الله بأسلحة ومعدّات متطوّرة؛ والثانية: أن وجود إيران العسكري الواسع بشكل كبير في سورية يمكن أن يسمح لها بخلق جبهة عسكرية جديدة في مرتفعات الجولان. ولحماية مصالح إسرائيل كان اللواء ياكوف أميدرورYaakov Amidror  قد كتب في شهر تشرين الأول من العام 2015 أن على إسرائيل أن تواجه كلا التهديدين عبر منع “حصول حزب الله على أسلحة تغيّر قواعد اللعبة، سواء كانت هذه الأسلحة إيرانية أم روسية، وعبر منع إيران من تشكيل قاعدة عمليات يمكن أن تهاجم إسرائيل منها”.

بالنسبة للتهديد الأول، فقد عاينت إسرائيل بقلق كبير استخدام إيران الأراضي السورية لنقل صواريخ وأسلحة وتمويل إلى حزب الله، مساعدات تُمكِّن حزب الله من تهديد إسرائيل من قاعدته في جنوب لبنان. وكان نتنياهو قد قال في شهر تشرين الأول من العام 2012 وفي شهر نيسان من العام 2013 إن إسرائيل لن تسمح بأن تقع أسلحة متطوّرة-مثل صواريخ روسية مضادة للطائرات وذخائر كيماوية- بيد حزب الله أو المجموعات المتطرّفة المرتبطة بالقاعدة، مثل جبهة النصرة. وقد كرّر نتنياهو هذا التعهّد مؤخّراً في شهر أيلول من العام 2015، عندما قال في مؤتمر صحفي مع بوتين إن “إسرائيل تعمل باستمرار لمنع نقل أسلحة متطورة ومميتة من الأراضي السورية إلى حزب الله”. وقد وضَّح نتنياهو الأمر في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر تشرين الأول من العام 2015 بقوله “إن وكيل إيران، حزب الله، قد هرَّب صواريخ SA-22 إلى لبنان ليُسقط طائراتنا، وصواريخ يا خونت Yakhont [روسية الصنع] لإغراق سفننا. وقد زودت إيران حزب الله بصواريخ أرض-أرض دقيقة التوجيه وطائرات هجومية مسيَّرة عن بعد تُمكِّنه من ضرب أي هدف في إسرائيل بدقّة”.

إن قدرة إيران على صياغة نفوذ لها في الشرق الأدنى وتهديد إسرائيل تستند إلى استمرار مقدرتها على نقل الأموال والأسلحة والمعدات إلى حزب الله عبر سورية. وإن قدرة حزب الله على مهاجمة مدن شمال إسرائيل بصواريخ تقدمها إيران، تُمكّن إيران من الضغط على إسرائيل، وتقوم بدور الرادع لهجوم إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية. فالدعم الإيرانيّ المتواصل يحفظ لحزب الله جهوزيّته، ويُمكِّنه من توفير خدمات اجتماعية، واستبقاء تأييد جمهوره في جنوب لبنان ويحول دون محاصرته من قبل قوى معادية: السنيِّون والمسيحيّون اللبنانيون إلى شماله، والميليشيات السنيِّة في سورية إلى شرقه، وإسرائيل إلى جنوبه. وكما علّق الصحفيّ الإسرائيلي بِن كاسبيت Ben Caspit “إذا سقطت سورية فستُعزَل إيران ويُحيَّد حزب الله”.

أمّا التهديد الثاني، أي جبهة عسكرية جديدة في الجولان، فيمكن أن يدفع إلى نشر أوسع للجيش الإسرائيلي وأن يُعرِّض المدنيين الإسرائيليين القاطنين في المنطقة للخطر؛ فإسرائيل-التي تواجه سلفًا تهديدات تقلقها تصدر عن غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان-لا تريد مواجهة القوات الإيرانية في جبهة عسكرية تمتد بطول الحدود الإسرائيلية السورية. وكانت إيران وحزب الله قد توليا عمليات في جنوب سورية مكنتهما من إنشاء بنية تحتية عسكرية ونشر مقاتلين بالقرب من الحدود. وقد مَكَّنت حرية الوصول إلى الجانب السوري من مرتفعات الجولان إيران وحزب الله من شنّ هجمات في إسرائيل، حسب ما أكَّد نتنياهو في خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2015. وإيران تعمل بحريّة في الجولان السوري؛ فقد جادل الباحث الإسرائيلي إيال زيسرEyal Zisser في أن ” فيالق الحرس الثوريّ الإيراني تتصرّف كما لو أنها تملك سورية”. كما أن إيران كانت قد بذلت جهوداً كبيرةً لدعم نظام الأسد؛ فنشرت الآلاف من مقاتلي فيلق الحرس الثوري الإيراني، وقدّمت أسلحة إلى القوات السورية، وضغطت على حزب الله لزجّ الآلاف من مقاتليه في سورية.

لقد أدّى تورّط حزب الله في الحرب السورية لصالح إيران إلى توسّع قدرات الجماعة ويمكن لهذا أن يعمل لصالح إسرائيل في المدى البعيد. فقد مُني حزب الله بخسائر فادحة في سورية كما أُجبر على إرسال تعزيزات من لبنان لترميم قواته، ويُشاع أنه خفَّض الحد الأدنى لسن التجنيد كي يلبّي الطلب. كما أن مشروعيّة الجماعة-التي ارتكزت دائماً إلى الدفاع عن لبنان في وجه ما يُسمّى الكيان الصهيوني-قد تداعت بشكل كبير عقب قرارها إرسال آلاف اللبنانيين للقتال والموت في سورية، وإنّ تورطها في سورية أدّى إلى حثَّ ميليشيات سنيّة تقاتل في سورية على شنِّ هجمات في حديقتها الخلفية في وادي البقاع اللبناني. فمتى انجلى غبار المعركة في سورية (وحتى قبل ذاك) يمكن أن يظهر حزب الله قوة متضعضعة في لبنان بقدرة واهنة، لا تستطيع تهديد إسرائيل عسكريًا.

 

الهدف الثاني: تقليص النفوذ الروسيّ سياسياً وعسكرياً إلى حدّه الأدنى

هدف إسرائيل الثاني هو إعاقة إرساء روسيا وجودًا عسكريًا دائمًا في سورية (يتخطّى قاعدتها البحرية المُنشأة منذ زمن بعيد في ميناء مدينة طرطوس)، وتفادي صِدام بين القوات الإسرائيلية والروسية العاملة في (أو فوق) سورية، والحدّ من قدرة روسيا على تعزيز موقف إيران من خلال تقديم دعم لنظام الأسد يُمكِّنه من تغيير قواعد اللعبة. أمّا روسيا فتأمل أن تقوّي موقف نظام الأسد؛ لضمان أن تتمكّن موسكو من استمرار الإبقاء على تواجد بحريّتها في الساحل السوري. وبقدر ما تُبقي المساعدات العسكرية الروسية الأسد طافياً، فإنها تساعد في إطالة أمد الصراع، الأمر الذي يُبقي تركيز الإيرانيين وحزب الله منصرفاً إلى اكتساب الأرض في سورية. لكن، إذا مَكَّن الدعمُ الروسي -للأسد- النظامَ من اكتساب أراضٍ، فيمكن لهذا أن يهيّئ للنفوذ الإيرانيّ في سورية، وهو ما يفرض تهديداً استراتيجيّاً لإسرائيل.

إنّ تدخّل روسيا في سورية يواجه إسرائيل بأربع عقبات.

العقبة الأولى: إسرائيل قلقة من أن تتحوّل روسيا إلى حامٍ سياسي طويل الأجل وراعٍ عسكري لنظام الأسد المنتصر مسنوداً بإيران وحزب الله على حدّ سواء- “محور الشرّ الشيعيّ” الذي ترى إسرائيل فيه خصمها الإقليمي الرئيس. وهكذا، فإن “مساعي بوتين لتعديل كفّة الميزان في ميدان المعركة السوري بالتعاون مع الإيرانيين يأتي على حساب الحاجات الأمنية الإسرائيلية”؛ لأنها تُمكِّن إيران ووكلاءها من استبقاء نفوذهم وحضورهم في المنطقة، نفوذ وحضور سيتّسعان بشكل كبير إذا خرج الأسد من هذا الصراع بموقف مُعزّز على مناطق واسعة من التراب السوري، -بحسب الصحفي الإسرائيلي بِن كاسبت-. إن واحداً من الأمثلة الواضحة على هذا التحول، قرار روسيا الأخير تزويد إيران بمنظومات S-300 للدفاع الجوي-صفقة عُقدت في العام 2007، لكنها عُلقت لاحقاً إبان تصاعد التوتر حول برنامج طهران النووي- يُعطي إيران حريّة أوسع بكثير للعمل في سورية؛ فإذا أصبح النظام الإيراني أكثر ثقة حيال قدرته على صدّ هجوم جويّ إسرائيلي على أرضه، فيمكن أن يتصرّف بوقاحة أشد في الشرق الأدنى من دون خشية من انتقام إسرائيلي ذي شأن.

ليس لدى إسرائيل قدرة فعلية للتأثير في قرار روسيا دعم الأسد وطهران، القرار الذي اتخذته موسكو لزيادة نفوذها، وسعة وصولها في كل من سورية وإيران. فإذا رسَّخ الدعمُ الروسي للحكومة السورية الاستعصاءَ فحسب، بدلاً من نظام أسد مُمكَّن مجدّداً، فسينتهي هذا لأن ينفع إسرائيل؛ وإذا بقيت القوات السورية والإيرانية وحزب الله مرتبطين بصراع طويل الأجل من أجل سورية، فسيكونون أقلّ قدرة على تهديد إسرائيل بشكل مباشر من مواقع محصنّة على التراب السوري.

والعقبة الثانية: وهي عقبة أكثر تعيّناً، فتتمثل في أن إسرائيل لا ترغب في حصول حزب الله على أسلحة روسية ممّا زودّت موسكو بها الجيش السوري. إذ كانت روسيا قد باعت سورية صواريخ ياخونت المضادة للسفن، وصواريخ P-800 وSA-17 أرض جو (التي يمكنها تهديد السفن الإسرائيلية في البحر المتوسط أيضاً)، وأسلحة مضادة للدروع وغيرها من أسلحة تزعم إسرائيل أن الحكومة السورية قد حوّلتها من ثمّ إلى حزب الله. فعندما زار نتنياهو موسكو في شهر أيلول من العام 2015، بُعيد نشر روسيا قوات إضافية في سورية، سعى للحصول من نظرائه الروس على تعهد يمنع بموجبه الجيش السوري من نقل أسلحة روسية إضافية إلى حزب الله.

العقبة الثالثة: تتمثّل في أن وجود القوات الروسية يقيّد حرية عمل إسرائيل في سورية. إذ كانت إسرائيل قد قصفت من وقت لآخر قوافل في الأراضي السورية يُعتقد أنها كانت تنقل أسلحة إلى حزب الله، أو كانت تفرض بشكل أو بآخر تهديدًا مباشرًا على الأمن الإسرائيلي. إلّا أن قدرة إسرائيل على فعل ذلك في المستقبل قد قُيّدت بسبب وجود منظومات الدفاع الجوي والطائرات المقاتلة الروسية التي يمكن أن تهدد الطيارين الإسرائيليين المكلّفين بهذه المهام. وحقيقة الأمر أن هدف نتنياهو الرئيس من اجتماعه بالرئيس بوتين في شهر أيلول، كما نُقل، هو ضمان أن تتمكّن إسرائيل من الحفاظ على قدرتها على مواجهة تهديدات تكتيكيّة قريبة الأمد من الإيرانيين وقوات حزب الله في سورية.

والعقبة الرابعة: أن نشر قوات روسية يخلق الإمكانية لصدام مباشر-إمّا مُدبَّر أو غير مقصود-بين القوات الروسية والقوات الإسرائيلية. فالطائرات المقاتلة الروسية قد تنافس الطائرات الإسرائيلية على مهمّات فوق سورية؛ أو قد تُسقط معداتُ الدفاع الجوي الروسية طائراتٍ إسرائيلية؛ أو قد يتسبّب قصف إسرائيلي دون قصد بوقوع ضحايا من الروس على الأرض. وهذا ليس إمكاناً نظرياً؛ ففي 24 تشرين الثاني من العام 2015 أسقطت طائرات حربية تركية طائرة Su-24 الروسية المقاتلة، التي حلَّقت قرب (أو عَبَرت، حسب زعم تركيا) الحدود التركية. وفي مسعىً منها إلى الحفاظ على خياراتها العسكرية، في وقت تقلّل فيه إلى الحدّ الأدنى احتمالات مثل هذا الحادث المؤسف، فإن إسرائيل تعمل مع روسيا على المستوى التقني لتغيير مسارات العمليات الجويّة والبحريّة. لقد أفضت زيارة نتنياهو إلى روسيا في شهر أيلول إلى اتّفاق “للتنسيق في المجالات الجوية والبحرية والكهرومغناطيسية”، وصفه نتنياهو بـ “الآلية المشتركة للحيلولة دون حدوث سوء فهم بين قواتنا”. ستتكون هذه الآلية، في الاحتمالات كافة، من طرق لتحديد كل من الطرفين هوية طائرات الطرف الآخر، وإخطار كلّ من الطرفين للآخر بعملياته القريبة مكانًا، وتغيير مسارات العمليات البحرية انطلاقًا من الساحل السوري حيث لروسيا قاعدة بحرية في طرطوس. وإذا نفّذت روسيا وإسرائيل بالفعل آلية فعّالة لتغيير مسارات العمليات العسكرية، فقد لا يقيّد نشر روسيا قواتها قدرة إسرائيل على العمل بحرية في المجال الجوي السوري، رغم أن الطيارين الإسرائيليين سيكونون بحاجة إلى أن يبقوا متنبهين إلى إمكان وقوع مواجهة عرضية، أو قصف غير مقصود يؤثّر في القوات الروسية على الأرض.

 

الهدف الثالث: مساندة نظام أسد ضعيف

الهدف الثالث لإسرائيل هو ضمان أن يبقى نظام الأسد ضعيفًا بما يكفي لكيلا يستطيع تهديد إسرائيل بشكل مباشر، أو السماح بأن تعمل القوات الإيرانية أو حزب الله بحرية، وبوجه خاص على طول الحدود الإسرائيلية السورية؛ وهذه تسوية يصعب تحقيقها؛ لأن إسرائيل ترى في النفوذ الإيراني في المنطقة التهديد الأكبر على أمنها؛ ولأن الأسد هو الداعم الرئيس لحرية إيران في العمل، فإن إسرائيل ترى في استمرار حكم الأسد مقوّمًا من مقوّمات التهديد الإيراني. ونصر حاسم للأسد سيُمكِّن إيران وحزب الله من الاستمرار في عملهما في المنطقة من دون خشية من عقاب. فليس مصادفة أن كلّ ضربات إسرائيل الحركية على التراب السوري كانت قد استهدفت منشآت النظام السوري، وحلفاء سورية الإيرانيين وحزب الله.

إلّا أن إسرائيل لا تريد أن تدعم انهيار نظام الأسد ممّا يمكن أن يؤدّي إلى فوضى يمكن لمتطرّفين فيها أن يحوّلوا اهتمامهم-في وقت لا ينشغلون به بقتال بعضهم البعض-نحو إسرائيل، لا سيما إذا استطاعت إحدى الفصائل المتطرفة الاستيلاء على مخزون متبقٍ من الأسلحة الكيماوية السورية. إنّ فراغًا أمنيًا من هذا النوع يمكن أن يؤدّي إلى حدوث مناوشات عبر الحدود أو هجمات على الأراضي الإسرائيلية ستجد إسرائيل نفسها ملزمة بالردّ عليها عسكريًا. فإذا أدّى العنف عبر الحدود إلى انسحاب بعثة حفظ السلام في الجولان (قوة مراقبي فضّ الاشتباك التابعة للأمم المتحدة) -كما كان يفترض أن تفعل وفق بعض التقارير بعد أن قامت مجموعات سورية متمردة باحتجاز 20 فردًا من قوة حفظ السلام في العام 2013-فإن من المرجح أن توجه إسرائيل ضربات استباقية في الأراضي السورية.

فإذا سقط الأسد، فقد تتمكن جماعة سورية واحدة أو تحالف جماعات سورية-ربما الدولة الإسلامية في العراق والشام، وربما جماعة مدعومة من قوة خارجية، مثل روسيا أو تركيا أو الولايات المتحدة-من تقوية سيطرتها على قطاع واسع من التراب السوري. بعدها، قد يسعى هذا الكيان-حتى رغم إرادة رعاته الأجانب-بفعالية إلى صدام مع إسرائيل كوسيلة لتوطيد مشروعية أوسع له في العالمين العربي والإسلامي. وفي مثل هذا السيناريو، فإن الإطاحة بالأسد قد تؤدي أيضًا إلى إنشاء جيب ترابي علوي يسيطر عليه الإيرانيون ونظام سوري جديد معادٍ-تهديد مزدوج ممكن قد يتطلب من إسرائيل استمرار قيامها بأعمال ضد نقل الأسلحة إلى حزب الله والدفاع، في الآن ذاته، ضد قواعد صواريخ عبر الحدود، وضد تسلل مقاتلين، وضد هجمات إرهابية في الجولان.

إذن، ثمة، بالنسبة لإسرائيل، منطق ما في تفضيلها بقاء شيطان مُضعضع تعرفه على لايقين ظهور شيطان لا تعرفه. فقوات الأسد المسلحة التقليدية لا تشكل تهديدًا عسكريًا على إسرائيل، حتى مع مساعدة إيران وروسيا لها، كما برهن الأسد أن سلوكه قابل للتنبؤ، وقابل للانضباط على حد سواء، الأمر الذي لا ينطبق على الجماعات الجهادية السنيِّة. إنَّ استبقاء الاستعصاء-وضع يبقى الأسد فيه في دمشق إلّا أن حضوره أو نفوذه في أجزاء البلاد الأخرى يكون محدودًا، لاسيما في الجنوب-يمكن أن يُمكِّن أسدًا ضعيفًا من إبقاء الغطاء على اللااستقرار من دون أن يفرض كثيرًا من التهديد على إسرائيل. وفي مثل هذه الحال، سيكون لإيران موطئ قدم صغير فحسب في الشرق الأدنى، والأرجح أنها ستركّز جهودها على تقوية حليفها السوري بدلًا من تهديد إسرائيل.

 

الهدف الرابع: نزع الشرعية عن مطالب سورية في مرتفعات الجولان

هدف إسرائيل الرابع، هدف يتطلّب منها أن تقوم بالقليل من العمل، إن تطلّب أصلًا، هو تقويض شرعيّة مطالبة سورية بالسيادة على الجزء الإسرائيلي من مرتفعات الجولان. لقد جعلت الحرب الأهلية السورية القائمة مضافةً إلى اعتماد الأسد المتزايد على طهران في سبيل بقائه سياسياً، من إبرام اتفاقية سلام مع سورية أمرًا مستحيلًا بالنسبة إلى إسرائيل. هذه الاتفاقية بدت سانحة بعد لأي في العام 2011، حسب المنسّق الخاص السابق في وزارة الخارجية للشؤون الإقليمية للمبعوث الخاص للسلام في الشرق الأوسط فريدريك سي. هوف Frederic C. Hof. آنذاك، شكَّلت الاحتجاجات الشعبية، التي استلهمت انتفاضات الربيع العربي في المنطقة بأسرها، التحدّي الأكبر أمام نظام الأسد. فلو كان الأسد وقتها استعاد مرتفعات الجولان من إسرائيل-عبر اتّفاق، كانت بنوده تفرضُ على سورية تقديم ضمانات أمنيّة على طول الحدود وإنهاء النفوذ الإيراني وقدرة حزب الله على الوصول- لكان تمكَّن من تقوية موقفه بوجه الدعوات من أجل المزيد من الدمقرطة. لكن قيام الحكومة بإجراءات قمعية صارمة للاحتجاجات-التي دفعت مجموعات المعارضة لأن تتنظَّم وتتسلّح وتثور-أطلقت شرارة بدء الحرب الأهلية وأوقفت المفاوضات فيما يخصّ الجولان. وبعد نكسات عسكرية، أُجبر الأسد على سحب 20.000 جندي سوري من الجولان للدفاع عن دمشق في العام 2013، ممّا أدّى إلى حصول فراغ أمني مُلئ بميليشيات سنِّيَّة محاربة ومقاتلين شيعيٍّين مدعومين من الإيرانيين، ففقد الأسد قدرته على تقديم تعهّد صادق لإسرائيل بحدود آمنة. علاوة على ذلك، فإن اعتماد الأسد على المقاتلين الإيرانيين ومقاتلي حزب الله يحول بينه وبين القدرة على طرد الإيرانيين من البلاد فيما لو طلبت إسرائيل ذلك.

إن عجز النظام السوري عن ممارسة السلطة على أرضه يعني أن ليس ثمّة حكومة فاعلة في دمشق يمكن لإسرائيل أن تتخلّى لها عن أرض الجولان التي احتلّتها في العام 1967. ويرعى رسميّون من مختلف أطراف الطيف السياسي الإسرائيلي-من الأجنحة اليمينية التي تحرّكها النزعة القومية إلى اليساريين الذين يعترفون بأن إسرائيل لا تستطيع أن تُعيد الجولان في المناخ الحالي-خطوات لتوسيع وجود إسرائيل في الجولان عبر بناء المزيد من المساكن وتنشيط السياحة والاستثمار في البنية التحتية والصناعة. وهكذا، فإن مجرّد استمرار الصراع السوري قد قوَّض مطالبة سورية بالجولان وعزّز من قبضة إسرائيل عليها.

 

الهدف الخامس: التضييق على الميليشيات السنِّيّة لكن ليس بالضرورة الدولة الإسلامية في العراق والشام

إسرائيل ليست قلقة بوجه خاص حيال تهديد متوسط الأجل تطرحه تشكيَّلةُ المتطرفين السنييِّن في سورية، مثل الدولة الإسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة المنشغلتين بمقاتلة نظام الأسد وإحداهما الأخرى. فكما كتب اللواء الإسرائيلي المتقاعد ياكوف آميدرور لمركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية: “لا تطرح المجموعات السنِّيَّة المتطرّفة على الحدود الشمالية والجنوبية تهديدًا مباشرًا، وبينما يمكنها إحداث مفاجآت غير سارة، فإن لديها عدوًا أقرب إليها تقاتله”. والمراد إن إسرائيل تودّ منع الميليشيات السنيّة الموجودة في الجولان السوري من إنشاء بنية تحتية، وإيجاد مستقرّ لها في المنطقة، وفي المقام الأول منع المتطرفين العنيفين من بناء قواعد للعمليات على طول حدودها.

وإسرائيل ترى بالفعل إمكانًا لأن تعمل المجموعات الجهادية السنية في سورية على زعزعة استقرار جيران إسرائيل-الأردن ومصر بوجه خاص-بوصفه تهديدًا بعيد المدى. ففي شهر كانون الأول من العام 2016، هاجمت قوات سورية مدعومة بالقوى الجوية الروسية الدولة الإسلامية في العراق والشام، ومقاتلي المعارضة المنحازة إلى الدولة الإسلامية في العراق والشام، إن تقدمًا ناجحًا ومستمرًا كهذا يمكن أن يدفع هؤلاء المقاتلين إلى الفرار عبر الحدود نحو الأردن. وإذا كان بضعة آلاف من الأردنيين قد انضمّوا إلى الدولة الإسلامية في العراق والشام، فإن ثمّ قلقًا شديدًا ينتاب إسرائيل من مخاطر أن يجلب هؤلاء معهم مرانهم العسكري وأيديولوجيتهم المتطرفة إلى بلدهم ليزعزعوا استقرار الأردن. لكن ليس لدى إسرائيل سوى القليل من الأدوات لمواجهة قدرة المتطرفين على تقويض الحكومات في البلدان المجاورة ما خلا مشاركتها المعلومات الاستخبارية حول نشاطات الجهاديين، ومواصلة التعاون القائم في مجالي الأمن وتطبيق القانون.

وما له أهمية، بالنظر إلى القلق الشديد-والمتنامي-في الولايات المتحدة وأوروبا فيما يتعلّق بقوة الدولة الإسلامية في العراق والشام في سورية، أن الحكومة الإسرائيلية لا ترى أن الدولة الإسلامية في العراق والشام تفرض تهديدًا استراتيجيًا على الأمن الإسرائيلي. لدى إسرائيل بعض القلق حيال تعدّيات المجموعة على أراضي جيرانها (في سيناء والجولان السوري بوجه خاص)، وإمكان أن تزعزع استقرار جيرانها، واحتمالات أن تستهدف إسرائيل في المستقبل. لكن، ومع أن الدولة الإسلامية في العراق والشام كانت قد هاجمت مناطق يُسيطر عليها حزب الله في لبنان -مما يزيد في احتمالات حدوث حرب طائفية على الحدود الشمالية لإسرائيل- فإن لتوسع القتال إلى جنوب لبنان منافعه بالنسبة إلى إسرائيل بحيث تشغل حزب الله بقتال الدولة الإسلامية فلا يتمكن تاليًا من شنِّ هجمات على إسرائيل. وحتى إذا سيطرت الدولة الإسلامية في العراق والشام على أراض على طول الحدود الإسرائيلية في سورية ولبنان-سيناريو أسوأ الأحوال-فستكون إسرائيل مطلقة اليدين نسبيًا في اتّخاذ إجراء عسكري ضد هذه الجماعة نظرًا إلى المعارضة الدولية الشاملة لها.

وهدف إسرائيل الرئيس فيما يخصّ الدولة الإسلامية في العراق والشام هو ألّا تقاتل هذه الجماعة، الأحرى أن تضمن ألّا يشارك الغرب إيران (أو حتى أن يتساهل مع طموحات إيران النووية أو نفوذها الإقليمي) في مساعٍ مشتركة لقتال الدولة الإسلامية في العراق والشام. وكما كتب العميد الإسرائيلي المتقاعد ميشيل هيرتزوغ Michael Herzog “يجب على الغرب ألّا يسمح لإيران بالمرور. والحرب ضد الدولة الإسلامية في العراق والشام يجب أن تُخاض برؤية بعيدة الأجل من أجل مستقبل المنطقة، ما يشمل رؤية حصيفة للتهديد الذي تفرضه إيران وأجندة هيمنتها على الإقليم بالاتّكاء إلى قيم معادية للغرب وتسيّد الشيعة والقدرات النووية. ولا يجب أن تطمس الرغبة في صفقة نووية مع إيران، والتعاون في محاربة الدولة الإسلامية في العراق والشام هذه المخاوف”.

 

ما فعلته إسرائيل حتى الآن

ولأن إسرائيل لا ترمي إلى حصيلة مُفضّلة متماسكة بالنسبة لسورية، ولأنها لا تملك أيضاً القدرة على صياغة الأحداث هناك، فقد فعلت القليل للنهوض بأهدافها، إلا إذا استثنينا هجماتها من وقت لآخر على أهداف محددة سورية وإيرانية وأهداف لحزب الله، أهداف تفرض تهديدًا مباشرًا على إسرائيل؛ وتعاملها سرًّا مع جماعات على الجانب السوري من الحدود، والانخراط دبلوماسيًا مع روسيا-واحدة من الكيانات القليلة ذات النفوذ في سورية التي يمكن لإسرائيل التعامل معها-. (إلّا أن إسرائيل تعارض توسيعًا للوجود العسكري الروسي هناك، وتخشى من أن عونًا عسكريًا روسيًا لنظام الأسد مُغيِّرًا لقواعد اللعبة يمكن أن يُمكِّن إيران من توسيع قدرتها على الحركة ونفوذها في الأراضي السوريَّة). وكنتيجة، فإن معظم الإجراءات، التي قامت بها إسرائيل حتى تاريخه، كانت دفاعية (وإن كانت استباقية من حين لآخر) و- في بعض المرات- مُحكمة.

 

الدفاع عن الأرض والردّ على ضربات عبر الحدود

أولًا: كانت إسرائيل قد قامت من حين لآخر بأعمال دفاعًا عن أرضها، وانسجامًا مع خطاب نتنياهو في الدورة العامة لجمعية الأمم المتحدة في العام 2015 “ستواصل إسرائيل الرد بقوة على أي هجوم عليها يأتي من سورية”. وفي شهري آذار ونيسان 2015، على سبيل المثال، قتلت إسرائيل أفرادًا في ميليشيا أثناء زرعهم مفخّخات في الجانب الإسرائيلي من السياج الحدودي في الجولان؛ وفي شهر أيلول من العام 2014، استخدمت إسرائيل صواريخ باتريوت Patriot للدفاع الجوي لإسقاط طائرة تابعة للسلاح الجوي السوري دخلت المجال الجوي الإسرائيلي.

ومنذ أواخر العام 2012، كانت إسرائيل قد ردّت بالمثل على قصف مدفعي عبر الحدود طال أراضيها، حتى عندما لم تكن هذه الحوادث مقصودة، وحتى عندما لم تكن قد أحدثت أضرارًا-سقطت صواريخ عديدة في إسرائيل، على سبيل المثال، يُحتمل أنها صواريخ طائشة أُطلقت أثناء القتال بين وحدات الجيش السوري وقوات المتمردين السنييِّن. وإثر إحدى هذه الحوادث، صرَّح وزير الدفاع موشيه يعالون في شهر تشرين الأول من العام 2015 “ليس لدى دولة إسرائيل نيَّة تجاهل هذه الحوادث”. فبردّها عسكريًا على العنف عبر الحدود تكون إسرائيل قد أوضحت أنها تأخذ على محمل الجدّ أي هجوم على أراضيها، وأن المرتكبين سيتحمّلون النتائج. وكان مسؤول إسرائيلي قد صرّح أن الجيش السوري مسؤول عن هذه الخروقات للسيادة الإسرائيلية سواء عمدًا أو دون عمد. ونتيجة لذلك-وجزئيًا لأنه لا مصلحة لإسرائيل في فتح نزاع مع مجموعات جهادية مفردة يمكن أن تكون قد تورطت أيضاً في تبادل القصف المدفعي الأساس-؛ فإن إسرائيل وجّهت ضرباتها الانتقامية إلى منشآت عسكرية سورية.

 

قصف عناصر في حزب الله وعمليات نقل أسلحة

ثانيًا: لقد قامت إسرائيل بإجراءات فعّالة لمنع إيران من إرسال أسلحة متطوّرة إلى حزب الله في سورية، وتقويض مساعي إيران وحزب الله إنشاء بنية تحتية مادية لهما في سورية-متطلبات “جبهة إرهابية إضافية”، حسب تحذير نتنياهو للكنيست في شهر تشرين الأول من العام 2015-يمكن أن تهدّد إسرائيل. ولهذا فقد شنَّت طائرات إسرائيلية غارات داخل سورية، فقتلت مقاتلين في حزب الله كانوا متورطين في هجمات على إسرائيل، وقصفت شحنات صواريخ روسية وإيرانية الصنع مُرسلة إلى حزب الله في شهور كانون الثاني وأيار وتشرين الثاني من العام 2013. وكانت قائمة الأهداف قد شملت قواعد حكومية وعسكرية سوريّة، منها مطار دمشق، وقاعدة صواريخ سوريّة في اللاذقية، ومنشأة سورية يُفترض أن لها صلة بالأسلحة الكيماوية في دمشق.

إسرائيل غير متحمسة لمجازفة تُصعِّد التوتر مع إيران عبر مهاجمة عاملين إيرانييّن في سورية، على الرغم من أنها كانت قد قصفت مخابئ أسلحة إيرانية مُخصصة لحزب الله. إلّا أن هجوم طائرة مروحية إسرائيلية على قافلة لحزب الله في الجولان السوري في شهر كانون الثاني من العام 2015 قتل ضابطاً إيرانيًا رفيعًا، ويحتمل أن ستة جنود إيرانيين قُتلوا معه، رغم أنه لم يتضح إذا كانت إسرائيل مُدركة لوجود إيرانيين في القافلة.

يُحتمل أن يُحَدّ من قدرة إسرائيل على شنِّ ضربات استباقية على مواقع إيرانية ومواقع للحكومة السورية وأخرى لحزب الله بفعل انتشار القوات الروسية في سورية؛ فروسيا تدعم الحكومة السورية، ولهذا ستعارض إجمالًا هجمات إسرائيلية على القوات السورية وحليفيها: إيران، وحزب الله. واقع الحال أن روسيا عبّرت عن معارضتها هذه ضد غارة 27 أيلول الجوية الإسرائيلية على منشأة عسكرية سورية بعد أسبوع واحد فقط من لقاء بوتين ونتنياهو لمناقشة النزاع، رغم أنه لم يتّضح ما إذا كانت هذه المعارضة من باب الخطابة، أم أن موسكو ستتّخذ بعض الإجراءات لمنع أو الردّ على هجمات إسرائيلية في المستقبل. وما لم تتمكّن إسرائيل وروسيا من تغيير مسارات الأعمال العسكرية في سورية-أو ما لم يقدّم بوتين لنتنياهو تطمينات بأن روسيا ستتسامح مع هجمات إسرائيلية على شحنات الأسلحة إلى حزب الله- فقد تُجبر إسرائيل، رغم تصريحاتها بالضد من ذلك، على العمل بطريقة أكثر تحفّظًا لتجنب استفزاز موسكو، أو ضرب القوات الروسية من دون قصد.

 

 

 

تقديم دعم سرّي لسوريين مناهضين للنظام

ثالثًا: مدت إسرائيل يدها بأسلوب مُحكم إلى مدنيين ومقاتلين معتدلين مناهضين للنظام في سورية في مسعى منها ألّا تتحول المنطقة الحدودية إلى حاضنة لقوات الحكومة السورية أو قوات إيرانية أو قوات حزب الله. وتأمل إسرائيل من خلال إقامة علاقات طيبة مع هؤلاء السكان-عبر تزويد المدنيين السوريين بالمعونات الإنسانية مثلًا، وعبر معالجة بعض الجرحى المدنيين، وبعض المقاتلين المناهضين للأسد في المشافي الإسرائيلية-في إبقاء المقاتلين المساندين للنظام بعيدًا عن المنطقة برمّتها، أو جعل العمل بحرية أشدّ مشقّة عليهم في الحد الأدنى. (ويُحتمل أيضًا أن إسرائيل تستغلّ هذه الخدمات الميدانية الإنسانية في جمع معلومات استخبارية عن الوضع على الجانب السوري من الحدود).

تخشى إسرائيل أيضًا من أن عنفًا ضد الدروز في سورية سيؤدّي إلى أزمة لاجئين مع آلاف الدروز السوريين الباحثين عن ملجأ آمن في المجتمعات الدرزية على الجانب الإسرائيلي من الحدود. وللحيلولة دون تجسّد هذه المأزق واقعًا، زعمت إسرائيل أنها نبَّهت المتمردين السنيّين في سورية ألّا يهاجموا المجتمعات الدرزية و-في تعليقات فُسِّرت على أنها إشارة إلى الدروز السوريين- أدلى رئيس أركان قوات الدفاع الإسرائيلية الفريق غادي ايزينكوت Gadi Eisenkot بشهادة أمام الكنيست في شهر حزيران من العام 2015 تفيد أنه إذا فرَّ عدد كبير من اللاجئين نحو الحدود الإسرائيلية، فإن إسرائيل “ستفعل ما يلزم للحيلولة دون حدوث مجزرة”.

ومن أجل هذه الغاية شجعت إسرائيل الولايات المتحدة على تقديم مساعدات إلى الدروز السوريين، كما يُنقل أنها نظرت في إنشاء ممرّ إنساني أو منطقة آمنة للدروز السوريين على التراب السوري، ربما تحت إشراف الأمم المتحدة أو اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وقد تكون هذه التعليقات والمساعي موجّهة إلى القطاع السكاني الدرزي الكبير في إسرائيل بقدر ما هي موجّهة إلى الآخرين. واقع الحال أن قائد القوى الجوية الإسرائيلية اللواء أمير إيشل Amir Eshel أخبر قادة هذا المجتمع؛ بغية طمأنة الدروز الإسرائيليين أن “التحالف [الإسرائيلي] مع الشعب الدرزي لا يقف عند الحدود”. إذ يُنظر إلى الدروز الإسرائيليين بوصفهم ممرًّا ممكنًا إلى أشقائهم على الجانب السوري من الحدود، والذين يمكن أن يساعدوا في إبقاء منطقة الحدود هادئة، على الرغم من مساندتهم الأسد ومعاداتهم إسرائيل.

وكان الدروز الإسرائيليون قد قاموا باحتجاجات لجذب الانتباه إلى محنة أبناء دينهم السوريين، وما من شكّ في أنهم سيناصرون إدخال اللاجئين الدروز السوريين إلى البلاد. وقد يقلق الكثير من الإسرائيليين من مساعي حكومتهم لتهدئة الدروز، الذين يرى فيهم إسرائيليون كُثر طابورًا خامسًا من خونة مُحتمَلين. وليست هذه مخاوف غير قابلة للتفكير فيها، رغم احتمال أنه قد بُولغ بها؛ ففي شهر آذار من العام 2015، أوقفت الحكومة جنديًا درزيًا إسرائيليًا؛ بسبب تزويده مدنيًا درزيًا إسرائيليًا بمعلومات حسّاسة عن عمليات قوات الدفاع الإسرائيلية في الجولان نقلها بدوره إلى الحكومة السورية.

 

الانخراط مع موسكو

رابعًا: كانت إسرائيل قد فتحت حوارًا مع روسيا لمناقشة مصالح استراتيجية وتكتيكية على حدّ سواء في سورية. فالتدخُّل الروسيّ العسكري في سورية لصالح نظام الأسد كان قد سَنَدَ إلى أقصى حد-وربما كان أساسيًا – قدرة إيران على تحقيق أهدافها في المنطقة. وتأمل إسرائيل في إمكان أن تُشجَّع موسكو على استثمار تأثيرها المُستجدّ على طهران لوقف الأعمال الإيرانية التي تهدّد إسرائيل بشكل مباشر. كما تأمل إسرائيل أيضًا في تغيير مسار عملياتها العسكرية للحيلولة دون حدوث نزاع غير مقصود، وللمحافظة على حرّيتها في العمل، وفق ما ناقشناه أعلاه.

كما أن النشاط التواصلي الإسرائيلي مع روسيا يخدم غاية أخرى بالنسبة للحكومة الإسرائيلية. ففي وقت شهدت فيه العلاقات الأمريكية الإسرائيلية توترًا كبيرًا، فإن هذه المباحثات الثنائية-لاسيما واقعة أنها عُقدت على مستوى رأسي الدولتين-قد أرسلتْ إشارة إلى واشنطن مفادها أن لدى إسرائيل شركاء آخرين يمكنها أن تتحوّل إليهم. وعلى نحو مشابه، برهن هذا الحوار مع إسرائيل حول مسائل ترتبط بإيران وأمن الشرق الأوسط أن روسيا ستبقى ذات نفوذ لدى حلفاء مقرّبين من الولايات المتحدة فيما يتعلق بقضايا ذات أهمية كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة، حسب منظور بوتين.

 

خيارات إسرائيل

إن خيارات إسرائيل للتأثير على الأوضاع في سورية محدودة للغاية. فلدى إسرائيل الحدّ الأدنى من القدرة على تقويض النفوذ الإيراني في المناطق المحاذية لحدودها، ولا تملك أية قدرة للتأثير على أنشطة إيران في ميدان أبعد. فما عدا استهدافها بالقصف عناصر حزب الله، أو مخابئ أسلحته، أو شحنات من المعدات المرسلة إليه-أمور فعلتها حتى تاريخه عندما واجهتها هذه الأعمال بتهديد مباشر فحسب-فإن قدرتها على إضعاف مقدرة حزب الله ضئيلةٌ. وما عدا تدخلًا عسكريًا مباشرًا أو توريدَ دعم فتّاك للمجموعات المتمرّدة السورية-إجراءان لا مؤشرات على أن إسرائيل ترغب في توليهما- فإن إسرائيل لا تستطيع التأثير في قدرة نظام الأسد على البقاء، كما لا تستطيع التأثير في مسألة أيّ جماعات أو أفراد يمكن أن يخلفوا الأسد في السلطة.

قد لا ترى إسرائيل منفعة كبيرة في الانحياز إلى طرف في الحرب الأهلية السورية؛ فإسرائيل ليست -على وجه اليقين- صديقًا للأسد، وليست مغرمة بالمتمردين الذين يمكن أن يحكموا الأرض السورية بعد زواله، وبأهداف غير مؤكدة من جانبهم. وكما كتب الصحفي الإسرائيلي جاكي هوجي Jacky Hugi: “إنها ميليشيات مُرتجلة، وأهدافها غير واضحة، وهي خاضعة لنفوذ أو توظيف من قبل قوى أقدر منها”. كما أن ضابطًا لم يُسمَّ في قوات الدفاع الإسرائيلية وصف مأزق خاسر-خاسر الإسرائيلي هذا بوضوح أشد في تصريح له إلى موقع إخباري على شبكة الانترنت اسمه المونيتور Al-Monitor:

“في أي من الحالين، ستكون النتيجة سيئة. فنصر للمحور المتطرف المدعوم روسيًا والمؤلف من إيران وسورية وحزب الله ليس شيئًا إيجابيًا بالنسبة إلى إسرائيل. لكن تركز كل مجانين الجهاد العالمي في دمشق ومرتفعات الجولان، من جانب ثانٍ، تطور مقلق بدوره أيضًا.

وما يثير الاهتمام أن تدخلًا عسكريًا عدوانيًا لن يضع إسرائيل في موقف أفضل بالضرورة. إذ إن إسرائيل تستطيع القيام بحملة قصف قوية تستهدف حزب الله والقوات الإيرانية في سورية. لكن ما ليس واضحًا كيف ستنتفع إسرائيل من هذا الجهد. فحملة عسكرية منسّقة ضد إيران ووكلائها تُجازف بإشعال حرب مباشرة بين إسرائيل وإيران، حرب لا تريدها قيادتا البلدين-على العكس مما يقوله خطابهما العلني. وغارات من حين لآخر من قوات الدفاع الإسرائيلية يمكن أن تُنهي تهديدات تكتيكية قريبة الأمد، لكنها لن تُضعف بصورة مُعتبرة قدرة إيران أو حزب الله طويلة الأمد على العمل في سورية ما دام العلويون في السلطة. وسيعود غزو أرضي لإنشاء منطقة عازلة ترابية في الجولان السوري-وحتى لإنشاء ممر إنساني للاجئين- بنتائج عكسية؛ فاستيلاء إسرائيل على أراض سورية سيجعل منها ضابط اتصال في النزاع السوري، وإذا حدث هذا الاستيلاء دون تفويض من مجلس الأمن الدولي، فسيكون موضع خلاف كبير دوليًا. والحقيقة أن عملًا عسكريًا مُستدامًا في أية صورة سيضع إسرائيل في نقطة تتقاطع عندها خطوط الكثير من الفاعلين المتقاتلين في سورية، وفاعلين آخرين على امتداد العالمين العربي والإسلامي.

أمّا أن تسهم إسرائيل في الإطاحة بنظام الأسد؛ بغية طرد إيران فسيفتح هذا صندوق باندورا- حسب ما لاحظ ضابط لم يُسمّ من قوات الدفاع الإسرائيلي استشهدنا بكلام له أعلاه- عن مجموعات جهادية لا يمكن التنبّؤ بها، وهذا احتمال يُذكِّر بتعليق المدير السابق للمخابرات المركزية آر. جايمس وولسي R. James Woolsey حول سقوط الاتحاد السوفييتي: “نعم، لقد قتلنا تنينًا ضخمًا، لكننا نعيش اليوم في غابة مليئة بأصناف مُحيرة من الأفاعي السامة. وبطرق شتى، كان العلم بالتنّين أسهل”.

تستطيع قوات الدفاع الإسرائيلية تطوير أهداف إسرائيل بفاعلية أشدّ عبر استخدام القوة بوصفها أداة تكتيكية تقضي على تهديدات فورية محددة، لا بوصفها أداة استراتيجية لتغيير البيئة الإقليمية. وكنتيجة، يُتوقع أن يبقى التدخل العسكري الروسي متقطّعًا ومقتصرًا على ضربات عابرة للحيلولة دون هجمات على الأراضي الإسرائيلية، أو نقل أسلحة إلى حزب الله. وستحول هذه المقاربة دون إسرائيل والغرق في الحرب الأهلية السورية التي تعجز عن التأثير بشكل ذي مغزى في مسارها ومنع صدامات غير مقصودة مع القوات الإيرانية والروسية. وكان بمستطاعها تغيير وسائلها في التعاطي مع أهدافها الحزب إلهية-كأن تنتظر دخول القوافل التي تنقل أسلحة إلى حزب الله الأراضي اللبنانية لتهاجمها-إلّا أن تغيرات في التكتيك كهذه ما كانت لتشير إلى تغيّر في مقاربة إسرائيل الشاملة لمصالحها في سورية.

وبالنظر إلى الوجود العسكري الروسي في سورية-المتضمّن بطاريات لمنظومات الدفاع الجوي المتقدمةS-400 -لا تستطيع إسرائيل الانخراط في ضربات جوية متكررة على أهداف في سورية دون صيغة ما من التنسيق العملياتي أو تغيير مسارات الطيران الحربي مع روسيا. إذ إن سقوط طيار واحد سيشكل أزمة كبيرة لإسرائيل التي تضع إنقاذ أسرى حرب ورهائن إسرائيليين على رأس أولوياتها القومية-وبشكل خاص إذا أُلقي القبض على الطيار، حيًا أو ميتًا، من قبل جماعات جهادية أو قوى منحازة لإيران. لقد أفضت زيارة نتنياهو إلى موسكو إلى اتفاق على مشاركة قدر معين من المعلومات حول العمليات العسكرية، الأمر الذي يُحتمل أن يدرأ وقوع حوادث غير مقصودة، لكن؛ وبغية احتفاظها بحرية فعلية في العمل، ستحتاج إسرائيل إلى التوصل لتفاهم استراتيجي مع موسكو حول ما ستحاول تحقيقه عبر هجمات على قوات منحازة إلى روسيا في سورية، وحول ما ستسمح روسيا لإسرائيل بفعله دون تدخّل منها. وبالنظر إلى أن معظم حلفاء وشركاء إسرائيل قد رأوا علاقاتهم مع موسكو تتردّى خلال السنوات القليلة الأخيرة، فمن المرجّح أن تتوصّل إسرائيل إلى تسوية دبلوماسية مع روسيا بمفردها.

وإضافة إلى التفاوض من أجل حرية أكبر في المناورة بالنسبة لقوات الدفاع الإسرائيلية، يجب على إسرائيل أن تُشجّع روسيا على ممارسة الضغط على زبونها السوري، للحد من النفوذ والأنشطة الإيرانية بالقرب من الحدود الإسرائيلية. فليست لروسيا مصلحة في ضمان حصول حزب الله على مدد مستمرّ من الأسلحة الإيرانية يُهدّد بها إسرائيل، الأحرى أن مصلحتها أن توسّع نفوذها في سورية-هدف يجعل إيران، وسيط القوة الرئيس الآخر في هذه البلاد، منافسًا لموسكو إلى حدّ ما. لكن ليس واضحًا ما إذا كان لدى روسيا القدرة على إقصاء إيران: فالأسد يحتاج إلى المساعدة من موسكو وطهران (وحزب الله) كي يبقى في السلطة.

وفي الوقت الذي تنذر فيه ضربات عابرة على أهداف في سورية بتهديدات وشيكة على إسرائيل، فمن المرجّح أن تواصل الحكومة الإسرائيلية -وربما تتوسّع في- جهودها من أجل “تليين” الجولان السوري؛ لجعله أقلّ قابلية لاحتضان القوات الإيرانية ووكلائها. وسواء تولّته إسرائيل أم منظمات إغاثية دولية، فإن تقديم الغوث الإنساني والرعاية الطبية وغيرهما من الإمدادات الأساسية لقرى في الجولان السوري يمكن أن يشجّع سكانها على مقاومة نفوذ ميليشيات حزب الله والمتطرفين السنييِّن ومعارضة وجودهما هناك. كما يمكن لهذه المساعدات أن تسهم في تفادي أزمة لاجئين من خلال تشجيع سكان الجولان السوري على البقاء حيث هم بدلًا من عبور الحدود نحو إسرائيل.

وما لم تنهَرْ سورية وتقع في فوضى شاملة، تبدو مُرجّحة لأن تقود إلى عنف متمادٍ عابر للحدود يصدر عن جنوب سورية، فليس من المحتمل أن تُنشئ إسرائيل “منطقة آمنة للدروز” في الجانب السوري من الحدود، رغم أن مسعىً يحول دون مجازر بحق دروز سورية البالغ عددهم 700.000 سيُبقي المقاتلين المعادين بعيدًا عن الحدود الإسرائيلية، وسيحول دون تجنيد سكان المنطقة الحدودية من قبل الجماعات المتطرفة ويدرأ أزمة لاجئين، ويُهدّئ غضب سكان إسرائيل الدروز. وسيكون تنفيذ ممرّ إنساني أمرًا صعبًا من دون نشر جنود إسرائيليين على الأرض أو تسليح الدروز السوريين لحماية أنفسهم. وسيجعل أيٌ من هاتين المقاربتين إسرائيل طرفًا واضحًا في النزاع وتاليًا هدفًا للانتقام؛ إضافة إلى ذلك، وبالنظر إلى أن الدروز السوريين كانوا عمومًا موالين لنظام الأسد، لا تودّ إسرائيل تسليح طائفة يمكن أن تنفذ أوامر تأتيها من دمشق لتُحدث اضطرابات عبر الحدود. لكن إن بدا أن ميليشيات سنية تستعد لتوسيع سيطرتها باتجاه الجولان السوري، فيمكن أن تعمل إسرائيل بصورة استباقية-وإن سرًّا-مع الدروز السوريين لجلب الاستقرار إلى الجانب السوري من منطقة الحدود.

قد تُقرّر إسرائيل أن الوقت قد حان للسعي إلى توجيه ضربة ساحقة إلى حزب الله في لبنان متى ضعف حزب الله بشكل ملحوظ بفعل مشاركته في النزاع السوري المتمادي. لكنّ ما يحظى به حزب الله من تأييد شعبي بين الشيعة اللبنانيين لا يزال قائمًا، لذا يُحتمل أن نشهد فورة في تجنيدهم ردًا على هجوم إسرائيلي، على الرغم من أن النزاع السوري استنزف كوادر الجماعة من المقاتلين وقوَّض شرعيّتها الأيديولوجية. ولا يرجَّح أن تقوم إسرائيل بمثل هذه الخطوة ما لم تكن إيران ستخسر قدرتها على النفاذ إلى الأراضي السورية- إضافة إلى ذلك- قابليّتها على تزويد حزب الله بأسلحة للرد على ضربات إسرائيلية. وحينئذ، يجب أن تكون إسرائيل راغبة في مواجهة هجمة كبيرة من ترسانة حزب الله الصاروخية الضخمة، والموجودة بين يديه الآن، والتي يمكن أن تُوقع عددًا كبيرًا من الضحايا بين المدنيين في إسرائيل.

ليس من المحتمل أن يؤثّر الاتفاق النووي الدولي، خطة العمل المشتركة الشاملة Joint Comprehensive Plan of Action JCPOA)) في مقاربة إسرائيل للنزاع المسلّح في سورية. لكن يُحتمل أن تقدّم حافزًا إضافيًا لاستراتيجية إسرائيل لضمان أن تبقى إيران معزولة دوليًا؛ إذ ستعارض أيّ انخراط دبلوماسي غربي مع إيران، أو أيّ تسامح ظاهر مع نزوع إيران المغامر في المنطقة بأسرها، ومن ضمنها سورية، في مسعىً منها لمساندة المعتدلين الإيرانيين، أو حماية الاتفاق من أن يُقوّضه النزوع الإيراني إلى إيقاع الأذى.

وكانت إسرائيل قد صعَّدت حملة دبلوماسية شرسة طوال المفاوضات النووية للنيل من الصفقة، فقد جادلت في أن إيران يمكن أن تطوِّر سرًّا سلاحًا نوويًا، وأن إلغاء تجميد الأصول الإيرانية وعودة إيران للاندماج في الاقتصاد العالمي سيموّلان المساعدات الإيرانية لحزب الله ونظام الأسد، وسيغذّيان بذلك النزاع السوري والهجمات الإرهابية على إسرائيل. كما كانت إسرائيل قلقة من أن الغرب، في غمرة اندفاعه لرؤية خطة العمل المشتركة الشاملة قد نجحت، سيتساهل مع السلوك العدواني الإيراني في المنطقة، ويتغافل عن حالات فشل صغيرة استجابة لمتطلبات الصفقة النووية، ويُعامل إيران بوصفها فاعلًا دوليًا “طبيعيًا” من خلال إشراكها في طيف من القضايا السياسية والاقتصادية. والحقيقة أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي قد اعترفا، منذ وُقّعت خطة العمل المشتركة الشاملة، أن التوصل إلى حلّ للنزاع السوري سيكون صعبًا من دون إيران ووافقا على إدخال إيران في محادثات سورية.

بقيت إسرائيل متشككة بعمق بطموحات إيران النووية، ومتيقظة إلى أن إيران ستستخدم الموارد الناتجة عن تخفيف العقوبات في تمويل الإرهاب، وزيادة تدخلها العسكري في سورية وتوسيع نفوذها في المنطقة. وإذ فشلت في إحباط الاتّفاق؛ فإن إسرائيل تضغط اليوم على الولايات المتحدة وغيرها من الدول الموقعة على خطة العمل المشتركة الشاملة لتنفيذ المعاهدة بأشدّ ما يمكن من عدوانية لدَرْءِ إمكان أن تراوغ إيران. كما ستحاول إسرائيل أن تُبقي إيران معزولة، وأن تعارض مساعيَ دولية لتطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إيران-مثل إشراك إيران في محادثات سلام سورية-بعد أن رُفعت عنها العقوبات.

 

نتائج

تملك إسرائيل قدرة ضئيلة للتأثير في الوضع الاستراتيجي في سورية. فهي لا تستطيع كبح السلوك الإيراني في سورية، أو الحيلولة دون قواتها (أو حلفائها) والعمل على طول الحدود الإسرائيلية، هاجسها الاستراتيجي الرئيس. ولقد يسَّر التدخل الروسي لدعم حكومة الأسد حرية إيران في العمل في المنطقة، وتشمل هذه قدرتها على نقل أسلحة إلى حزب الله؛ بغية مهاجمة إسرائيل.

وأمام إسرائيل خيارات جيدة قليلة للتدخُّل في النزاع السوري، وهذا عائد بشكل رئيس إلى انعدام احتمالات الوصول إلى حصيلة مواتية لإسرائيل أكثر من حالة العنف القائمة. فبقاء الأسد سيضمن استمرار حرية إيران في العمل في سورية؛ ويُحتمل أن يؤدّي انهيار الأسد إلى بلقنة البلاد وتحوّلها إلى إقطاعات متعدّدة يُحتمل أن يكون بعضها معاديًا لإسرائيل، أو يسمح بأنشطة معادية لإسرائيل. وتسليح الدروز السوريين-الجماعة الأشدّ تعاطفًا مع إسرائيل على الرغم من صلاتها مع نظام الأسد-سيجعل من إسرائيل طرفًا في النزاع، ويمكن أن يأتي بنتائج عكسية على إسرائيل في المدى البعيد. وسيُنظر حتى لتدخل مباشر؛ بغية إنشاء منطقة إنسانية آمنة في الجولان السوري بوصفه استيلاءً من إسرائيل على أرض عربية ومسلمة، ممّا سيجعل إسرائيل طرفًا في النزاع وهدفًا للانتقام. يمكن لاستمرار الاستعصاء في سورية أن يطوِّر مصالح إسرائيل أكثر من أية حصيلة قاطعة، وما من فعل لازم من إسرائيل لإطالة عمر النزاع.

فإذن، يُرجّح أن تحافظ إسرائيل على مسلكها الحالي في الدفاع الاستباقي عن الذات. إذ ستواصل شنّ ضربات جوية؛ لمنع نقل أسلحة إلى حزب الله، ومنع هجمات على الأراضي الإسرائيلية، وستواصل الردّ (بوصفه وسيلة للردع أساسًا) على القذائف الصاروخية والمدفعية العشوائية التي تسقط في إسرائيل. لكن، ولكي تفعل ذلك، سيتعيّن عليها التوصّل إلى اتّفاق ديبلوماسي مع موسكو لضمان ألّا تُسقط الطائرات الإسرائيلية وتفادي ضربات إسرائيلية غير مقصودة لمواقع روسية. وإذا لم تتمكّن إسرائيل وروسيا من التوصل إلى اتّفاق كهذا، فقد تُلجَم قدرة إسرائيل على فعل ما ترغب به بشكل حازم ومتكرّر. ويمكن لإسرائيل أن تواصل تقديم خدمات غير قتالية للدروز السوريين والمجتمعات الأخرى في الجولان السوري، وتشجّع في الآن ذاته بلداناً أخرى على فعل الأمر ذاته، في مسعىً منها لجعل هذه المناطق الحدودية غير حاضنة لمقاتلين من إيران وحزب الله أو من الجماعات الجهادية السنيّة ممَنْ قد يرغبون في تسبيب حوادث عبر الحدود.

رغم المذبحة الجارية في سورية، وانصراف الاهتمام الدولي المكثّف إليها، فإن إسرائيل تواجه تهديدات أكبر لأمنها القومي، مثل إمكان استمرار إيران سرًّا ببرنامجها النووي، والمساعدات الإيرانية لحركة حماس في قطاع غزة، والقلاقل الفلسطينية في الضفة الغربية، وداخل إسرائيل ذاتها. وما لم يغمر العنف القادم من سورية حدود إسرائيل بطريقة ذات معنى، أو يهدد بفعل ذلك على نحو وشيك، فليس من المرجّح أن تحتاج إسرائيل أو ترغب في تركيز انتباهها أو مواردها على النزاع السوري.

 

 

 

[1] – اتفاقية شينغن Schengen Agreement هي الاسم المختصر والمُستخدم عموماً لاتفاقية أُبرمت بين دول اتحاد بينيلوكس Benelux الاقتصادي، بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ، وجمهورية ألمانيا الاتحادية والجهورية الفرنسية بشأن الإبطال المتدرج لنقاط الحدودية على حدودها المشتركة.

(Benelux Economic Union, Federal Republic of Germany, and French Republic, 1985).

[2] – تتراوح تقديرات عديد القوات الإيرانية في مطلع شهر تشرين الأول 2015 بين 2.000 جندي، حسب إشارة الجنرال جوزف دَنفورد Joseph Dunford، رئيس هيئة الأركان المشتركة – حيث قال إن لإيران أكثر من 1.000 جندي في العراق في العام 2015- و7.000 جندي وفق ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال WallStreet Journal. (Dagher and Fitch, 2015).

[3] – كان يُعتقد أن لحزب الله بين 6.000 و8.000 مقاتل منتشرين في سورية بشهر تموز/يوليو 2015، أنظر في de Luce، 2015.

[4]– يجادل الكاتب البريطاني بِن جوداه في أن “إسرائيل ترحب بالفوضى على حدودها” لأن التهديد الذي تواجهه من جانب “خليط إثني” في جيوب تسكنها جماعات متجانسة (دروز وأكراد وشيعييّن وسنيِّين) يقل عن التهديد الذي توجهه لها الدول المُعسكرة التي نشأت بموجب اتفاقية سايكس-بيكو في العام 1916. (واتفاقية سايكس-بيكو هي اتفاق سري بين المملكة المتحدة وفرنسا حول السيطرة على الأرض في جنوب غرب آسيا؛ “اتفاقية سايكس-بيكو” 2009). انظر في. Judah, 2016.

 رابط المادة الاصلية:

http://www.rand.org/pubs/perspectives/PE185.html

مشاركة