الكلمة التي القاها الرفيق رياض الترك في احتفالية الذكرى السبعين للإعلان العالمي لحقوق اإنسان‎

538

السيدات والسادة الحضور الكرام! 
اود بداية ان أتوجه بعميق الشكر والامتنان لوزارة الخارجية الفرنسية، ولفرنسا الثورة الفرنسية والجمهورية ومبادئ حقوق الانسان، لدعوتي لإلقاء هذه الكلمة في الذكرى السبعين لتبني الامم المتحدة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان هنا في باريس، وانا أعتبر هذه الدعوة بمثابة تكريم لمئات الوف السوريين والسوريات الذين اعتقلوا وعذبوا وقتلوا وشردوا، لا لشيء الا بسبب مطالبتهم بحقوقهم الأساسية في الحرية والكرامة والعدالة والمساوة التي ضمنتها مبادئ الامم المتحدة والاعلان العالمي لحقوق الانسان. أخجل اليوم، انا الذي، بسبب آرائي السياسية وبسبب مطالبتي بالتغيير الديمقراطي، سجنت وأمضيت وحيدا من دون محاكمة ما يقارب العشرين عاما في سجون الأسد الاب والابن، معزولا عن العالم في قبو معتم، في زنزانة بمساحه مترين بمتر، أخجل أن أتكلم اليوم عن ظروف اعتقالي ومعاناتي، ليس فقط لأنني نجوت من السجن وتركت ورائي رفاقا ومناضلين سجنوا معي وقضوا في سجون الاسدين، ولكنني حقيقة أخجل أمام هول المعاناة والمآسي والتضحيات التي عاشها، ويعيشها، ملايين السوريين منذ ثماني سنوات.لقد ثار السوريّون في آذار 2011 على خطى أشقائهم في تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن، وكسروا حاجز الخوف في مملكة الصمت التي أسسها حافظ الأسد على أنقاض الجمهوريّة السوريّة وورثها لابنه بشّار. فبعد انتظارٍ دام واحداً وأربعين عاماً، نزل مئات الآلاف إلى شوارع المدن والقرى متظاهرين سلميين، مطالبين بالتغيير وبدولة المواطنة والحرية والكرامة. وشكّلت مسألة حقوق الإنسان، حقوق التعبير والاعتقاد والكرامة والاحتجاج والمشاركة في بناء الدولة، جوهر الصراع في سوريا منذ اليوم الأوّل. إذ لم تكن أزمة النظام الأساسيّة مرتبطة بالمطالب التي حملها المتظاهرون، بل ارتبطت بمفهوم التظاهر بحدّ ذاته. ولم تكن المظاهرات مجرّد وسيلة للتعبير عن قضايا مطلبية محدّدة تنتظر التحقيق، بل كانت هدفاً ومكتسباً بحدّ ذاتها. لذا علينا أن نتذكّر دوماً، مهما تعقّد المشهد في سوريا، أنّ الجانب الحقوقي هو أساس الصراع، بين نظامٍ يريد إيقاف حركة التاريخ، وبين مجتمعٍ بدأ مخاضاً جذرياً وعميقاً من أجل أن يعود إلى المعادلة.لكنّ الصدمة لم تكن في ردّة الفعل الوحشيّة للنظام السوري، ولا بالقرار الذي اتخذه بشنّ حربٍ عسكريّة مفتوحة ضدّ المجتمع السوري، ولا بإطلاقه لسراح مئات السلفيين الجهاديين من سجونة ودفعه لهم لمصادرة الثورة وأسلمتها. بل تمثّلت الصدمة الأكبر في تخلّي المجتمع الدولي عن مسؤوليّاته تجاه الشعب السوري، وفي وقوفه عاجزاً أمام إرهاب الدولة ضد شعبها، وفي سكوته على الإمعان في انتهاك قوانين حقوق الإنسان والقانون الدولي والإنساني، وعلى سياسات الحصار والتجويع والتهجير واستخدام الأسلحة المحرّمة دولياً.لقد تغاضت المجموعة الدوليّة عن مطالبات الشعب السوري بالتدخّل ووضع حدّ لمسلسل القتل والتدمير، وفتحت المجال أمام إعادة تأهيل النظام السوري في اعقاب استخدامه للأسلحة الكيميائية القاتلة ضد أبناء شعبه، وسمحت له ضمنياً بقصف الشعب السوري وتدمير المناطق المدنية المأهولة بالبراميل المتفجرة وغيرها بعد توقيع اتفاق يقضي بنزع أسلحته الكيميائية بضمانات روسيه-أمريكية. هذا ناهيك عن انتهاكه لهذا الاتفاق نفسه وعودته لاستخدام أسلحته الكيميائية ضد أبناء شعبه، بعد ان أعلن كذبا وبهتانا انه سلم جميع أسلحته الكيميائية.
أيتها السيدات والسادة،
نشهد اليوم وبعد 70 عاماً عن إعلان الميثاق العالمي لحقوق الإنسان لحظة تاريخيّة حرجة، تتراجع فيها السياسات الدولية التي تدفع تجاه التعاون والتنمية والدمقرطة والحكم الرشيد، وتستغل فيها قوى الاستبداد والإرهاب عجز الأمم المتحدة على التعامل مع أنماط الصراعات الجديدة غير المتناظرة، وتصعد تيارات اليمين المتطرّف وتعود الخطابات الشعبوية ومعاداة الأجانب والمهاجرين في العديد من الدول.إنها اللحظة التي تُرك فيها السوريّون في معركتهم من أجل الحريّة أمام المدافع والطائرات والبراميل والأسلحة الكيميائية، ودُمّرت بيوتهم وشرّدوا في الشتات ودول الجوار وأوروبا بحثاً عن ملجأ يحافظ على حياتهم ويصون عائلاتهم. إنها اللحظة التي نجد فيها أنفسنا مضطرّين لأن نذكّر مراراً وتكراراً، أننا لم نغادر بلادنا لأننا نريد أن نتخلى عنها، ولكن لأننا نريدها حرة وكريمة. ولم نترك بيوتنا وقرانا ومدننا طمعا بثروة أو جنسية او امتيازات، ولكن حفاظا على ثقافتنا وسوريتنا وإنسانيتنا. لذا، فإنّ من يريد اليوم للاجئين العودة الكريمة والأمنة لأوطانهم، فعليه ألا يشتري الاوهام الكاذبة بالتطبيع مع نظام مجرم وقاتل، أوهام مشاريع إعادة الاعمار وفرض الامن والاستقرار بالحديد والنار. فلا أمن ولا استقرار ولا إعادة اعمار ولا عودة للاجئين من دون حل سياسي يأخذ بعين الاعتبار تطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة ودولة القانون والمواطنة، ومن دون محاكمة ومحاسبة القتلة ومجرمي الحرب على جرائهم ضد الشعب السوري وضد الانسانية جمعاء. وكما نرى اليوم، فإنّ النظام السوري هو من يعيق أي تقدّم في العمليّة السياسية بعد كلّ ما اقترفه، وما ذلك إلا دليل إضافي على استحالة أن تكون القيادة الحاليّة جزءاً من أي حلّ مستدام، إذ لا سلام بدون عدلٍ ومحاسبة، ولنا أن نتذكر أمثلة مجرمي الحرب العالمية الثانية وكمبوديا وراوندا والبوسنة.

أيها السيدات والسادة
عندما تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هنا في باريس في العاشر من ديسمبر من العام ١٩٤٨، كان العالم الخارج لتوه من أهوال الحرب العالمية الثانية ومن فظائع معسكرات الاعتقال النازية، يريد أن يقول بصوت واحد ينبثق عن ضمير إنساني مبني على قيم عالمية (يونيفرسيل) مشتركة، كان يريد أن يقول الآتي:من المستحيل بعد اليوم (Plus jamais) القبول بالانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان، من المستحيل بعد اليوم مصادرة حرية الرأي والتعبير والاعتقاد، من المستحيل بعد اليوم غض الطرف عن الاعتقالات التعسفية والتعذيب والاختفاء، والتهجير القسري من المستحيل بعد اليوم التعايش مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية،والإنفلات من العقاب. لكن أيها السيدات والسادة، يؤسفني القول أن هذا المستحيل (Plus jamais)، سيظل مباحاً وحاضراً في يومنا هذا، وسيظل يؤرق ضمير الانسانية…نعم يؤسفني القول أن هذا المستحيل سيظل اسمه سورية، مادامت العدالة لم تأخذ مجراها ومادامت الحقوق لم تعاد لأصحابها وما دامت سورية محتلة ومقسمة بين القوى الأجنبية، وما دام مرتكبو جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية ضد السوريين أحرار طلقاء والشعب السوري أسير هذا السجن الكبير.إن معركة الحرية والعدالة والمحاسبة في سورية اليوم، هي معركة الإنسانية جمعاء ومسؤوليتها، حتى لا يكون مستقبل العالم على شاكلة سورية الأسد، بل أن تكون سورية الحرية والكرامة جزء من مستقبل هذا العالم.
وشكراً.
مشاركة