الشرق الأوسط:29/5/2020

لم يخطر على بال خولة مكاناً تزوره في صبيحة العيد تكريماً لزوجها المقتول في أقبية النظام السوري غير ضريح الجندي المجهول في المدينة الأوروبية التي لجأت إليها، بدأت أواخر شهر رمضان تخطط لتنفيذ هذه الفكرة متوسلة التحول الذي طرأ على نفسية ابنتيها اليافعتين، فلأول مرة تراهما تشتعلان فخراً بأبيهما الشهيد بعد أشهر من الحزن والكمد، وتتحمسان لتكريمه بزيارة هذا النصب الذي ربما بدا لهما عنواناً للضحايا المجهولين الذين قدموا بصمت أغلى ما يمتلكون فداءً لحريتهم وحقوقهم.

عندما جازفت وركبت أمواج البحر نحو أوروبا كانت تحلم بحياة آمنة ومستقرة لطفلتيها، وأيضاً بلقاء لن يكون بعيداً مع زوجها، كان لديها أمل بأن يطلق سراحه ولو بعد حين، فهو لم يحمل سلاحاً ولم يؤذِ أحداً وكان اعتقاله لمجرد الاشتباه بمشاركته في مظاهرات سلمية عمت أحياء العاصمة السورية، لكن، ومنذ أقل من عام، علمت من أهله بأنهم قد تسلموا أخيراً بلاغاً من أمانة السجل المدني تفيد بموته. لم تخفِ الأمر عن ابنتيها، حاولت أن تصطنع القوة والصلابة حين أخبرتهما بأن أباهما قتل لأنه حلم بوطن أفضل وأجمل، كالوطن الذي تعيشان فيه الآن.

بداية، أقلقها أن ابنتيها لم تتقبلا الأمر، فقد اكتنف حياتهما حزن عميق جراء الشعور بالفقد النهائي، حاولت تخفيف معاناتهما بوضع مصير والدهما وما اختاره، ضمن مشهد التضحيات الجمعية للسوريين، وأنه واحد من مئات الألوف الذين اعتقلوا ظلماً وغُيبوا قسرياً في السجون، وتقصدت تشجيعهما للبحث عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن أي خبر أو معلومة تفيد في إظهار القهر الذي يتعرض له السوريون… عرضت أمامهما مرة الأنشطة وظواهر التعاطف الإنساني التي رافقت تعميم صور ضحايا النظام التي عرفت بصور «قيصر» ولم تتردد في المبالغة بحجم هذا التعاطف وبعدد الجماعات الحقوقية التي طالبت بتجريم النظام السوري ومحاكمته… شجعتهما مرة ثانية على مرافقة «باص الحرية» الذي حمل صور العديد من المعتقلين وجاب معظم المدن الأوروبية، وأيضاً على المشاركة في غير اعتصام لأمهات وزوجات المفقودين أمام السفارة السورية لكشف مصير أبنائهم… وتقصدت، مرة ثالثة، لفت انتباه الفتاتين إلى القرار الذي اتخذته محكمة ألمانية بإدانة وتجريم جميل الحسن وعلي مملوك، الضابطين الكبيرين في مؤسسة القمع السورية، ومطالبة الإنتربول بالقبض عليهما، وكم أسعدها حين سألتها ابنتها الصغرى عن فرصة اعتقال جميل الحسن في بيروت بعد أن لجأ إلى أحد مستشفياتها للعلاج، وكيف بدأت تهتم بالقصاص من المرتكبين بحق والدها والمعتقلين كافة.

لكن أكثر محاولة أعطت نفعاً هي إقناع الفتاتين بحضور المحاكمة التي تجري في ألمانيا لأحد ضباط فرع مخابرات «حي الخطيب» بدمشق، المكان الذي عرفت أن زوجها معتقل فيه، فهي تريدهما أن تريا مشهداً لا بد أن يثلج صدريهما ويطمئنهما إلى أن دماء أبيهما لن تذهب هدراً، وأن ما يجري هو البداية لمحاسبة كل مرتكبي جرائم ضد الإنسانية في سوريا.

لم يثنها عن عزمها حضور المحاكمة، ادعاءات البعض بأنه ضابط انشق عن النظام وشارك في بعض أنشطة المعارضة؛ لأن المسألة تتعلق برأيها فيما ارتكبه ضد بشر عزل، وبشهود ناجين يدلون بشهاداتهم عن دوره في تعذيبهم وناجيات يتحدثن عن اغتصابهن أو تسهيل ذلك، وما زادها عزماً اعتقادها بأن الانشقاق عن النظام السوري ورفض ممارساته يجب أن يكونا حافزاً له كي يكشف الحقائق الصادمة من موقع المسؤولية، ثم ما الضير من خضوع أي كان للمساءلة والمحاسبة أمام قضاء يشهد له باستقلاليته وعدالته؟!

كما لم يثنِها قول آخرين بأن المحاكمة هي لضابط لا ينتمي إلى الطائفة العلوية الحاكمة والمقررة في كل شيء، بل قد تحرف الأنظار بعيداً عن المسؤولين الحقيقيين، فهي قد تعلمت ونشأت في بيئة تعتبر أن القاتل يبقى قاتلاً بغض النظر عن دينه وجنسه وموقعه، فجرائم جماعات الإرهاب الإسلاموي ضد الإنسانية هي من طينة جرائم النظام وإن فاقها الأخير رعونة وشدة وتفنناً، وازدادت يقيناً بموقفها حين رأت كيف يتعاطى هذا الجلاد مع الاتهامات الموجهة إليه، كيف يخفف مما فعلته يداه بحق أناس أبرياء، قائلاً «كانت مهمتي هي استجواب المعتقلين، كنت في موقف حساس جداً، لم أكن قادراً بشكل دائم على التعامل باعتدال مع المعتقلين» ثم كيف صار يلقي كامل المسؤولية على قادة آخرين هم رؤساؤه أو محققون في الفروع الأمنية الأخرى، ليغدو المشهد كما لو أن حبات المسبحة بدأت تكر، وأن أسماء ضباط آخرين وأنواع التعذيب التي يمارسونها ظهرت للعلن وغدت قيد التداول الحقوقي وأدرجت في ملفات القضية تحت المساءلة القانونية.

والأهم من كل ذلك أن عينيها صارتا ترقصان فرحاً وهي ترى كيف تتفاعل ابنتاها مع الشهود الحاضرين وأقاربهم… كيف تتنقلان من مجموعة إلى أخرى لتعرفا عن نفسيهما بأنهما ابنتا شهيد للثورة السورية قتلته يد الغدر السلطوية… وكيف صارتا من الضحايا المتحمسين لفتح الباب أمام كشف كل تعذيب وقتل في أقبية المخابرات أو المعتقلات، وللإدلاء بشهادتيهما لتحقيق العدالة عن الجرائم التي ارتكبت في سوريا.

بعد عودتهن بأيام، وحين فاجأتها ابنتها الكبرى بسؤال عن معنى العدالة الانتقالية، لم تحاول الاستفسار عن كيفية وصول هذه الفكرة إليها، بل بادرتا سوية للبحث عبر مواقع الإنترنت عن معنى هذا المفهوم وما علاقته بما جرى معهم، عرفتا أنه إحدى الطرق المجربة لطي صفحات حرب أهلية مديدة، وأنه سبيل في سوريا للخلاص من تركة ثقيلة ومخلفات مؤلمة لقتال دموي وعنف منفلت امتدا لتسع سنوات متواصلة، وأراحهما أن تبتعد هذه الطريق عن لغة الثأر والانتقام وأن تسعى لمحاكمة وعزل مرتكبي الجرائم والمتورطين فيها أو المشجعين عليها وإنزال القصاص العادل بهم، وأيضاً لضمان حقوق المتضررين كافة، وأسرهم، وإنصافهم وتخليد ذكراهم، وأراحهما أكثر التأكيد بأنه من دون معالجة هذا الملف الإنساني لا يمكن ردم الفجوات التي خلفتها سنوات الحرب والتقدم لبناء وطن حر ومعافى، يطلق آفاقاً رحبة لتغذية حقوق الإنسان وقيم التسامح والتعايش من جديد.