1024WD-SYRIA-IRAN_

خاص للموقع

قدْ لايتناسبُ عُنوانُ هذا المقال مع السّجالات الدّائرة والمقالات الكثيرة الّتي كُتبت في الفترة القريبة الماضية حوْل  تحرّكات لأطراف إقليميّة دوْليّة كثيرة  لخلق تفاهماتٍ حوْل سوريّا  وتحديداُ حول مصيرِ رأْس النّظام المجرم بشار الأسد 

كما أنّهُ في توْقيته قدْ لا يتّفقُ مع اتّساعِ دائرة خلاف الأسد ومخلوف العائليّ على تقاسم أموال الشّعب السّوري المنهوب ، والذّي قد يكون عزّز هذه الفرضّية لدى الكثيرين ممّن يدعّمون نظريّة أنّ رُوسيّا تسعى لإزاحةِ الْأسد بعْدَ انْتهاءِ دورهِ لديها بل أّنهمْ يذهبون أبعد منْ ذلك بالقناعة بوجود صفقة  لرحيل الاسد يجْرى الاتّفاق على تفاصيلها وقد تداعَتْ كثيرٌ من الجهاتِ لطرح أسماء شخصيّات متّفق عليها لخلافة بشار الأسد، لكنّ السّؤال الأهم هنا والذّي لمْ يتمّ الاجابة عليه حتّى الأن هلْ سيكون رحيل بشار الأسد بشخصه فقط (كما يروّج له الاعلام الاسرائيليي على لسان إيدي كوهين حين قال في تغريدة له بأنّ مهمّة الرّئيس السّوريّ اْنتهتء وسيتمّ توكيل شخص آخر مكانه ) أمْ أنّه سيكون هدف هذه الصّفقة هو رحيل الرّئيس وحلقته الضّيقّة كما يحاول طبّاخ بوتين الإيحاء به منْ خلال الاخبار الّتي تبثّها صحيفته هنا وهناك بحجّة أنّ الأسد والطّبقة المحيطة به همْ فقط الْفاسدون، أم أنّها ستكون صفقة شاملة تنهي النّظام بأكمله  بطائفته وجيشه وأمنه كما تشتهي المعارضة السّورية ،ولكنّ لفهم فرضّية بقاءِ الأسد ِ(ولو إلى حين ) مع الْتّأكيد على حقيقة ٍواحدةٍ وهي أنّ رَحيل ْأو بقاْء الأسد فيّ سّوريا سيكون نتيجةَ تفاهمات دوليّة يجب أن نبيّن الأسباب الدّاخلية الدّاعمة لهذه الفرضّية والعوامل الأقليميّة والدّوليّة المساعدة لبقاء نظام الأسد.

أولاً  : الْأسْبابُ الدّاخِليّة ُ

1-على مدى الْخُمُسُونَ عَامَاً الماضية دَمّرَنِظامُ الأسدِ الْمجرم من الْابْن وقبله الأب المجتمع السّوري بكامل أطيافه  وقتل أيّ فكرة لوجود بديل عن آل الاسد حتّى من الطّائفة العلويّة نفسها  الّتي استخدمها وقوداً لحرّبه على الشّعب السّوريّ وهو يدرك الأن اكثر من قبل أن المجتمع الدّوليّ ليس لديه بديل عنه ويُحْسنُ استغلال ذلك على أكملِ وجهٍ.

2- تسَيُطرُ أيرانُ بشكْل كامل على مفاصلِ النّظامِ بجيْشهِ وأجْهزتهِ الأمنيّةِ لذلك ليْس مع الْمَأمُول التّعويلَ عليهم بالقيام بأيّ جهدٍ لتغيير الأسد ،انتشار الفساد بشكل كبير في أجهزة الدّولة وتتحكم دائرة صغيرة من أصحاب ِالأسدِ بشكل لا إنسانيّ بلقمة عيش المواطنين المسحوقين والّذي أصْبحَ همُّهُم الْوحيدُ هوَ تأْمين لُقمةِ الْعَيْش (رغْم انْهَمْ في سرّهمْ يدْعونّ لْيلُ ونَهارٍ بفَناءِ الْأسدِ وزُمْرتهِ)، ويتركّز رَأسُ المَالِ في يدِ أمراء َالحربِ منْ مُخْتلِف الطّوائف يُسَيْطرُون على الأعمال المُرْبحة ويديرون عصَاباتٍ إجراميّةٍ وهؤلاءِ من مصلحتِهم بقاء هذا النّظام.

3- يستطيعُ الأسدُ ومنْ خلْفهُ حِزْب اللهِ والإيرانيين البْدء بجوْلة جديدة من العمليّات العسكريّة في الْجنوبِ والشّمال في أيّ وقْت يريدونهُ لِخِلِط الأوْراقِ وإبقاءِ الصّراع مُتَصاعِداً في سوريّا لِمَنْعِ  تَداولِ مَوْضوع ِرَحيلِ الْأسدِ.

4- يَمْتلكُ النّظّامُ الْقدَرةُ على توْجيهِ عَمَليّات داعِش في أيّ مَكانٍ وَزمَانٍ لِيُبْقي موْضوع مُكافحةِ الإرهابِ على طاولةِ الّصراعِ.

5- يُواجهُ النّظامُ مُعارضَة مُفكّكة  لا تَمْتلكْ قرارها السّياسيّ أو الْعسكريّ وليْس لديْها مُؤسّساتٍ حَقيقيّةٍ قادِرةٍ على الْإمْساكِ بزِمامِ الْحُكمِ

6- تَعْويلِ المُعارضةِ السّورية على فكْرة تَخْليِ بوتين وروسيا عنْ نِظام الْأسد جَعلها تَرُكّنّ لأحْلامِ وأمنياتِ تحقيقِ التّفاهماتِ التّركيّة الرّوسيّة والّتي في الحقيقة كان هدفُها الوحيد ُهو تفتِيت ُالمعارضةِ العسكريةِ قبل السّياسيّة

ثانياً : العَوامِل الإقليّميّة 

1- بالنّسْبة للْمحيطِ العربيِّ ( وهُنا نتحدّث ُعنِ الحُكُوماتِ ،وليسَ الشُّعُوب العربَيّة والّتي أعْلمُ أنّها فيّ غالبّيتها تدْعوا كما ادْعوا أنا  في هذه اللّيَال الفَضيلةِ أنْ يقتصّ منْ بشارٍ وأعوانهِ ) ومع امتدادِ الثورةِ السّوريّةِ للسنةِ العاشرةِ ووجُودِ الظُّروفِ الحاليّةِ مثْلُ كّورونا، وحِصارُ قطر، وصِراع حفتر في ليبْيا والحوثيين في الْيمن فأنّ الجَميع أوكلّ الْمُهمّة بشكْل أوْ أخَر إلى المِحورِ الرّوسيّ التّركيّ لِحلِ القضيّة السّوريّة وليْس هُناك منْ دافع لدى أيّ منْ هذه ِالدِّول لاتّخاذِ مُوقف خارجِ أيّ تفاهماتٍ دوْليّة ٍوخُصوصاً معَ بدءِ العدِّ التّنازلي للانْتخاباتِ الإميركيةِ، الّتي ستؤثّرُ نتائجُها بشكلٍ حاسمٍ على علاّقات الولايات المتّحدة بالمنْطقة ، وخُصوصاً منطقةِ الخليجِ. 

2- أمّا بالنسبةِ لأيران، فإن ّسوريّا هي الامتداد الجغرافيُّ الطبيعيُّ للهلالِ الشيعيّ، وتحقّق حُلم إمبراطوريًتها الفارسّية بالوصول إلى شاطئِ المتوسط،،ِ أيران عَنْدما دخلت سُوريّا لمْ يَكُنْ لديْها نيَّةً لِلخُروجِ مِنْها أبداً وسوريّا هى الحليف الاستراتيجيّ لمشروع ايران في مُحاصرة السُّنة فى المنطقة، وهى ورقة تمكين نفوذها في العراق، وهي بوّابة الّدعم الاستراتيجى وشحْن السّلاح والتّدريب والقيادة والسّيطرة لحزب الله الّلبنانيّ الّذي يمثّل ورقة الضّغط على إسرائيل والولايات المتّحدة.

فإيران اليوم مُتغلْغلةً في مفاصلِ البلادِ ومؤسّساتها الْأمْنيّة والعسْكريّة والّدينّية، ولنْ تَخْرُجَ مَنْ سُوريا إِلى بقُوّةِ السّلاحِ.

3-تركيا الْجار الّلدود والّتي لها أكبرُ حُدود معَ سُوريّا تغيّر مْوقِفها منَ النّظام مُنْذُ بدايةِ الثّورة السّوريّة من الْمُطالبة لهُ بإصْلاحات تحقّق مطالب الشّعْب إلى العدّاء المُعْلن لهُ والمُطالبةَ أكثرَ منْ مرّةً برحِيلِ الّنظام ثمّ لتعود معَ التّدخّل الرّوسيّ في سوريّا لتُخفّفَ منْ لهجتها قليلاً إلى المطالبة بقُبول قراراتِ اأستانة وتوابعها واكتفتْ لاحقاً بسعّيها فقط لمنع الاكراد من السّيطرة على الشّريط الحِوديّ

تركيا تُسيطُر بشكْل كامل على قرار الْمُعارضة السّوريّة العسكريةّ كَوْن أغلب الفْصائل العسكريّة أصْبحت ْتحتَ رعايتها ، وتسيطُرُ بشكل مُباشر على إدْلب ومناطق درْع  الفرّات وغُصْن الزّيتون ولاحقاً نبع السّلّام 

كما أنّها تتحْكمْ بالمُعارضة السّياسيّة منْ خلال تفاهُمات أستانة وسُّوتشيّ واللّجنة الدّستوريّة والائتلاف المُعارض ، ولا ترغّبْ تركيا اجمالاً بالخُروج عنْ تفاهُماتها مع الجانب الرّوسيّ والإيراني لذلك جَنَحَتْ لتجنّب النّقاش في مَصيرِ الأسد في أكثرش من مناسبةِ

4- بالّنسبة لإسرائيل فهي بَقيتْ تَنَعُّمُ بأمْن وسلاّم فِي عهد الأسدِ الْأب وبعَدْه الابن ،وهي تُفضُّل بَقاء سوريا تحتَّ حكم أى أقليات دينيّة أوْ مذهبيّة أو عرقيّة عدا السّنة لأنّ ذلك يخدّمُ مشروعَها.

نجّاحُ الثّورة السُّوريّة أو فَشلَها لايَّهُم  إسرائيل ، مايَّهُمْ َإسرائيل هو بَقاءُ القُوّات المدْعومة من ايران على بعد 60 ميلاً من الحُدود الإسرائيلية  عَدا عنْ ذَلك لا تعتبرهُ إسرائيل شأْن مُهمّ ، فخلال اللقاء الّثلاثيّ الذي عُقد في القُدْس في شهر حًزيران من العام 2019 بيْن إسرائيل والولايات المّتحدة وروسيا، شارك فيها كلاً منْ مُستشارِ الأمْنِ اْلقَوْميّ الإسرائيلي مائير بن شبات، ومُستشار الأمْن القوميّ الأمريكيُّ جون بولتون، ومستشار الأمن القوميّ الرّوسيّ نيكولاي باتروشيف ،والذي خُصّص لمُناقشة القضيّة السّوريّة  أخبَّرتْ روسيا  الولايات المتّحدة واٍسرائيل سعيها  لتحقيق  استِقرار نظام  بشار الأسد. وعبّر الرُّوس حينها عنْ أملِهمْ في أنّ تقوُّم الولايات المتحّدة بتشجيع الدُّول الغربيّة على المُساعدة في تمْويل عمليّة إعادةِ إعمارِ سُوريّا،  ودَفعِ الجامعة العربيّة للموافقةِ على عودةِ سوريّا،  ومُطالبة الدّول العربيّة بإعادة العلاّقات الدّبلوماسيّة معها ، لكنّ إسرائيل والولايات المتّحدة أبلغتا روسيا بأنّ أيّ اتّفاق بشأن مُستقبل سُوريّا يجب أنْ يشمُلُ انْسحابًا عسكريًا أيرانيًا ليْس فقطُّ منْ تلك الدّولة، ولكنّ أيضًا من لُبنان والعراق. وبأن ّأيةً صفقةَ مُستقبليّة في سوريّا يُمْكِنُ أنء تُصَدرَ المشكلة الإيرانية إلى العراق ولُبنان وأنّه إذا انتقل الإيرانيون من سوريا إلى الدول المجاورة فلن يحلَّ هذا أي شيءٍ.وتعلمُ إسرائيل وأمريكا أنّ روسيا مُتحالفةً مع إيران في سُوريّا ولن تَتمّكَنّ أو لا تسعى في إجبار القوّات الإيرانية على مُغادرة سوريّا. 

ثالثاً: الْعَوامِل الدُّوليّة 

1-بالنّسبة روسيّا في اللَّقاءات الدَّبلُوماسيِّة مُمثّلةً بوزير خارجيّتها لافاروف تقول بأنّها غيْرُ مُتمسّكةٍ ببقاء الأسد ولكنها على ارْض الواقع تفْعل كلُّ ما بوسعِها لتثبيتِ حُكم الأسد، وتعْتبرُ أنّ سُوريّا هي مركزُ نُفوذها العسكرىّ الاستراتيجىّ فىّ المنطقة ولعبَ وجودها في سوريا دوراً استراتيجياً في إمتلاك أوراقٍ رابحةَ في علاّقتها معَ تركيا وإيران وعزّز ذلك في تطوُّر علاّقتها بإسرائيل

روسيا لا تَسْتطيع فرض أيّ بديل للأسد لأنّ أمريّكا ومن خلفها إسرائيل وأوروبّا لنْ يَقبّلوا بأيّ بديلِ يطرحُهُ الرُّوس لذلك ستعملُ روسيا على دفْع النِّظام السّوريّ نحْو مُكافحةِ الفسادِ وإجْراءِ بعض الإصلاحاتِ السّياسيّة والاقتصاديّة والمُشاركة في جَلسَاتِ الّلجنةِ الدُّستوريّة السُّوريّة في جِنيف لِمُحاولة تثبيت الأسد دوليّاً حتى موعد الانتخابات في 2021.

2 أمّا الولايات المُتّحدة الأمريكيّة وبصرفِ النظر عمّنّ يسكنُ البيتَ الأبيض فأمن إسرائيل كان هو النّاظمُ الحقيقيُّ و الفاعلُ المُحرّكُ لعلاّقاتهِا مع دول الشّرق الأوسط ِ، وبقيت مَصالحهُا  متماثلة ومنسجمة على نحو بيّن مع أهتمامها المُنْصب على النفط ، والحدّ من انتشار الإرهاب ومُحاربته وشهدت تقلباً كبيرا في المواقف بالتُّعامُل مع الثّورة السّوريّة خلال فترة اوباما  ولم تكن فترة حكم ترامب بأحْسن منها وخُصوصاً الان مع اقترابِ موعدِ الانْتخاباتِ الأمريكيةِ في نوفمبر،فنحن أمامَ خيارينِ  الأوّل هو إعادة انتخاب ترامب لولاية جديدة ممّا يْعني أنّ الأمور ستبْقى على حالها وسيدخُل الأسد انتخابات 2021 بسلّام ،والخيار الثاني هو فوز بايدن  ممّا يعني أنّ سوريّا ستشهدُ موجة جديدة من الصَّراع العسكري ِّ.

في النهِّايةِ ليسَ للثّورةِ السُّوريَّةِ  منْ سَبيل سوى أعادتْ تَجْميعُ صُفوفِها والعمل بصدْق وإخلاص على أسْقاط هَذا النِّظام الْمُحرّمِ ، لأنّ الأسد وطبقتهُ السّياسيّة وجيشهُ أجهّزتهُ الأمْنيّة وإيران وميلشياتها من خلفِهِ  لنْ يَستسلم، وسيكون خيارُه الوحيد هو الحرب وكما أعلنها مُنْذُ اليوم الأوّل الأسد أو نحرق البلد،ويبقى السّؤالُ المصيريُّ والوحيدُ هوَ  ليْس مَنْ يَرْحلُ؟  بلْ مَنْ سَيبْقى ؟