2017: وداعاً سوريا 2012

20

عمر قدور

لا تشبه سوريا مع مطلع هذا العام ما كانت عليه في عام 2012، ويمكن القول بأنها تستهل السنة الجديدة على النقيض من العام المذكور. في سنة 2012 شهدت سيطرة النظام أكبر انحسار لها، لصالح فصائل تنسب نفسها إلى الجيش الحر، ولم يكن وجود الفصائل الإسلامية وإمارات الحرب قد تفاقم، على النحو الذي سنشهده بدءاً من عام 2013. معركة حلب، التي أنهت سيطرة فصائل “من الجيش الحر بشكل أساسي” على الأحياء الشرقية من المدينة، لم تكن كالخسارات السابقة وإنما بمثابة إسدال ستار على مرحلة بأكملها.

لننسَ مؤقتاً وقف إطلاق النار الحالي وما يُشاع عن تسوية لاحقة له، ففي كل الأحوال باتت تجربة حرب المدن منتهية تقريباً، والجيوب المتبقية محاصرة بغالبيتها منذ أمد بعيد، ولن تقوى على المقاومة وفق المعطيات المعروفة. دولياً، من المعلوم أن انعطافة أخيرة حصلت منذ تفاهمات فيينا، وبموجبها تخلت قوى دولية وإقليمية عن دعم الفصائل المقاتلة، وفي حين لم تلتزم موسكو بالتفاهمات أثبت الطرف الآخر صدقية عالية في الالتزام بها، وفي الأصل لم تكن إدارة أوباما راغبة في نموذج “المناطق المحررة”، ومن المرجح استمرار إدارة ترامب في النهج ذاته، ربما بصرامة أشد.

الأمر الواقع الجديد سيجبر شرائح متزايدة على مراجعة تجربة حرب المدن، بعد إهمال انتقادات سابقة أتت في أتون الحرب، وسيكون من الصعب إعادة إحياء ذلك المزيج الاعتباطي بين وقائع ومفاهيم مختلفة بعد انقضاء جولة الحرب الحالية. اصطفافات الحرب قد لا يبقى لها مكان منذ الآن، وقد يكون بعض الفصائل التي كانت تُصنف راديكالية أقرب إلى التسوية، إذا انتهت حربها الخاصة بأهدافها المغايرة لأهداف الثورة أصلاً. أيضاً لا يخفى أثر المتغيرات الإقليمية على الاصطفافات الداخلية، بخاصة التوجه التركي نحو موسكو، وتأثيره على جزء من المعارضة السورية، بحكم الموقع الجغرافي، وبحكم استضافة عدد ضخم جداً من المهجّرين.
لقد كان واضحاً منذ نهاية عام 2012 وجود فيتو دولي على إسقاط النظام عسكرياً، إذ منذ ذلك التاريخ مُنعت فصائل معارضة من تهديد مدينة دمشق، وسُمح للنظام وحلفائه بتحويل انتكاساته إلى حصار تلك الفصائل في معاقلها في الغوطة الشرقية وجزء من الغوطة الغربية.

كان واضحاً منذ نهاية عام 2012 وجود فيتو دولي على إسقاط النظام عسكرياً، إذ منذ ذلك التاريخ مُنعت فصائل معارضة من تهديد مدينة دمشق، وسُمح للنظام وحلفائه

استمرار حرب المدن بعد هذا التاريخ لم يكن يهدف وفق التصور الأميركي سوى إلى إجبار النظام على التفاوض والتسوية، التصور الذي سيبدأ سلسلة تراجعات منذ صفقة الكيماوي. عدم تمكين الفصائل المقاتلة من الدفاع عن مناطق سيطرتها، والسماح للنظام بقصفها بلا توقف، كان يعني طوال الوقت اختلال معادلة التحرير بحيث يصبح عبئاً على صانعيه بدل أن يشكّل ضغطاً على النظام.

وإذ بدأت تجربة العسكرة تحت شعار حماية مجتمع الثورة من بطش النظام فقد آلت فعلاً إلى استمرار إبادة المدنيين وإلحاق الدمار الشامل بمدنهم وبلداتهم، الأمر الذي سهّل على النظام القيام بعمليات تهجير واسعة النطاق، حتى بلغت الوقاحة برأسه حد التبجح بالنسيج الاجتماعي السوري بعد التغيير الديمغرافي. المآل البائس لتجربة حلب نفسها يعطي درساً بعد فوات الأوان، فخطة تطويقها ثم محاصرتها كانت واضحة للجميع، لكنها تُركت لمفاوضات وتفاهمات روسية أميركية هدفها إضاعة الوقت، والقصف الروسي المستمر لم يمنع فصائل تحت القصف من الاقتتال، وبدل وصول الإمدادات عبرها كانت أنقرة مقراً لمفاوضات إخلاء أحياء كاملة ممن تبقى من سكانها.

سيكون من السهل انتقاد تجربة العسكرة برمتها، إما على قاعدة تحميل قادتها المسؤولية عنها، أو حتى على سبيل تبرئتهم وتحميل المجتمع الدولي مسؤولية عدم تمكينهم من حماية المدنيين. الخروج من التعميم هو الذي يحدد المسؤوليات على نحو أكثر دقة، فإذا أصبحت العسكرة واقعاً، بخلاف رغبات منتقديها، يكون من الجائز التساؤل عن مسار العسكرة وتكتيكاتها ومقاصدها. ففيما عدا الفشل في حماية المدنيين هناك ميزان الربح والخسارة، والحصيلة التي تنص على وجود خسائر بشرية ضخمة في صفوف قوات النظام غير كافية ما لم تظهر الخسائر البشرية الضخمة أيضاً في صفوف مقاتلي الفصائل، وقد بات معروفاً منذ أمد طويل استهتار النظام بأرواح مقاتليه وقلة الجدوى من استنزافه بشرياً بعد الزج بالميليشيات الشيعية من لبنان والعراق وأفغانستان.

لا يُستبعد أن يكون التورط في حرب المدن صار خياراً بلا عودة لأصحابه بعد التأكد من كلفته الباهظة، لكن ما يكشف الإصرار عليه هو عدم بروز سيناريوهات بديلة على الصعيد الميداني، ولا يمكن تنزيه دور المال الخارجي عن الاستمرار في خيار صار انتحارياً، فضلاً عن الركون إلى غريزة السلطة لدى العديد من القادة. ليس اكتشافاً أن تشكيل جيوش شبه تقليدية أمر معقّد ومكلف، وغير ممكن من دون تمويل وإمداد خارجيين، مع تبعات التمويل على استقلالية القرار وتدخله حتى في تفاصيل المعارك على الأرض.

بغياب المستوى السياسي تماماً عن الميدان بدت تجربة حرب المدن هي التمثيل الوحيد للثورة، ما يعني أن انتهاءها يطوي صفحة الثورة، أو أن توقيع فصائل كبرى تسوية، إذا وقعت ضمن التفاهم الروسي التركي، سيكون بمثابة تسوية بين الثورة والنظام. تبرؤ بعض المعارضة الآن من تبعات الفشل لن يكون في محله، وقد يُنظر إليه كسلوك انتهازي إذا كان أصحابه قد ارتضوا البقاء مُلحقين للمستوى العسكري طوال الوقت، أو إذا كانوا أسرى توجهات خارجية تحكم المستويين معاً. لذا لا مبالغة في القول بأن نهاية حرب المدن تنبئ بنهاية مستواها السياسي الذي لم يكن لها قائد ولا ناقد، وبالطبع لم يكن يملك خيار الاستقلال أو طرح بدائل عنها.

في واحد من الرسومات التي تخص الوضع السوري وضع المصمم رقم سبعة على شكل إشارة استفهام، قاصداً الغموض الذي يلف مستقبل البلاد ككل، إلا أن علامة الاستفهام يمكن سحبها على أسئلة كثيرة يطرحها انقضاء مرحلة وبدء أخرى. أسئلة عن استمرار الثورة وعن الحرب والاحتلال، وعن موقع السوريين في كل منها، بعضها تأخر طرحه، ودُفع ثمن الجواب الخاطئ مسبقاً!

“الحياة”

مشاركة