هذا الزمن العربي: الياس خوري

24

غدا عندما يؤرخ المؤرخون ويكتب الروائيون عن هذا الزمن العربي الذي بدأ بهزيمة حزيران ـ يونيو 1967 ولا نعلم إلى أي منقلب سينتهي، سوف يواجهون بالعجز عن إيجاد الكلمة الملائمة التي تستطيع أن تصف كيف ولِمَ وصل العرب إلى قعر التأريخ مضرجين بالدم والرعب واللا معنى.
بلاد صارت ملعبا للمحتلين والمجرمين والسفلة، يقتلون الناس ويتلذذون بالجريمة. يكفي أن ننظر حولنا، من مذبحة مسجد الروضة في مصر إلى وليمة الدم في الموصل، ومن الغوطة الشرقية إلى البلاد السورية كلها، ومن فلسطين إلى فلسطين. هناك يعبث القاتل بالضحايا، وهنا يتنافس السفاحون على إبادة الحياة، وبين الهُنا والهُناك امّحت المسافات، واختلطت اللغات واللهجات. برج لغوي بناه الخراب، فتطايرت شظايا اللغات فوق أشلاء الناس، نسمع الروسية والإنكليزية والتركية والفارسية والعبرية، ولا نفهم. نبحث عن لغتنا العربية فلا نجدها، وحين نعثر على بقاياها فإنها تبدو ركيكة مصطنعة يتصدّرها خطباء يتلعثمون ولا يجدون المعاني.
غدا عندما ستنقشع الرؤية أمام الأعين، ويتم جمع ممزق حكايات العرب، لن يرى المؤرخون سوى مقبرة بلا شواهد تمتد من المحيط إلى الخليج، وأرض تنز دما ومرارة، ووجوه فقدت أعينها كي لا ترى.
إنه العمى، قدماء الإغريق، الذين صنعوا من العمى الفردي أسطورتين كبرتين، أسطورة الشاعر الأعمى في شخصية هوميروس وأسطورة الملك الأعمى في شخصية أوديب، لم يتخيلوا عمى يضرب شعبا كاملا، فالعمى الإغريقي الفردي كان نافذة للدخول في أعماق النفس الإنسانية وفــــي عتماتها غــــير المرئية، وكان طريقا يصنعه الأعمى للمبصرين الذين لا يرون، وهذا كان حال شاعرنا الكبير أبي العلاء الذي جعل من عماه طريقا إلى نور المعرفة.
حتى الكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو لم يسعفه خياله للنظر إلى العمى بصفته حقيقة لا استعارة أو كناية. فمعاصرنا البرتغالي العظيم، رسم في روايته «العمى» استعارة كبرى صنعتها مدينة يصاب جميع سكانها بالعمى، وكانت هذه الكناية وسيلة الكاتب للغوص في السراديب السرية لغريزة التسلط ووحشيته.
نحن نعيش العمى ليس استعارة بل حقيقة، وحين تكون الاستعارة حقيقة فهذا هو الهول بعينه.
تخيلوا معي، حاولوا أن تتخيلوا أن ما جرى لغريغور ساسا بطل رواية «المسخ» لفــــرانز كافكا كان حقيقــة وليس كناية. حــاولوا أن تتماهوا مع بطل رواية يستيقظ بعد ليلة من المنامات المزعجة ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة.
يقول المنطق أن هذا محال، فالأدب ليس الواقع بل تأويله، وهذا صحيح، أو هذا ما كنت أعتقد أنه صحيح إلى أن وجدت نفسي أعيش في منام مزعج اسمه ليل العرب.
المخيف ليس المنام، فالكوابيس يمكن التغلب عليها لحظة نفتح أعيننا، المخيف هو أننا نخاف من فتح أعيننا، لأن ما ينتظرنا في الصحو هو أكثر فداحة من أي منام.
ماذا لو فتحنا أعيننا فلم نجد سوى عتمة يحتلها أشباح الخوف وتقطر دما.
نفتح أعيننا كي نتحدى العتمة، فلا نجد سوى سيرك دموي يمتد من صحراء العرب إلى صحراء العرب، مجموعة من الأدعياء والمهرجين، يديرهم مهرجون أكثر قدرة منهم على سفك الدماء.
كلمات ترتطم بالرمل فتصير أصداء.
كيف نحيا في صحراء الأصداء.
صدى يتداخل في الصدى، اللغو يحاصرنا والأنبياء الكذبة يبشرون بالاستبداد والثأر من الماضي بالماضي، وبلاد تتدحرج في مجهول الخراب.
ونسأل كيف نعيش؟
ذهبت إلى ابن كثير أسأله كيف استطاع الناس أن يستمروا في الحياة عندما اجتاح المغول بغداد.
يومها كانت بلاد العرب محاصرة بالفرنجة والمغول، وكان الدم يسيل.
قرنان من الخراب عاشتهما هذه البلاد. من عاش في تلك الأيام رأى النهاية، كما نراها نحن اليوم، ولم ير كيف يمكن للحياة أن تستمر.
لكن الحياة استمرت.
قدرنا، نحن جيل الخراب، أن نتمسك بالحياة، ونكتشف أن المهمة الوحيدة هي الدفاع عن الحياة نفسها، فالحياة هي القيمة العليا التي منها تتفرع كل القيم وفيها تصب المعاني.
ونسأل عن معنى الكتابة هنا والآن؟
أعرف ان الكلام ابتذل، لكنني أعرف أن الكلام لا ينفد مهما جرى.
سلاحنا أن نقاوم من دون أمل، هذه هي المقاومة الكبرى التي ستصنع شهادتنا في زمننا وعليه.
اليأس لا يجدي ولا يقود الا إلى العبث، ونحن لسنا يائسون، نعيش ما بعد اليأس، وهنا في هذا الذي نسميه ما بعد اليأس تكمن بذور الحياة.
لا تصدقوا رعونة التأريخ، أو صدقوها، لكن تذكروا أن عيني طفل سوري غارقتين بالدموع تساويان الدنيا بمن عليها، وأن نظرة احتقار تلقيها طفلة فلسطينية على جندي إسرائيلي مدجج بالسلاح تستعيد عمرنا الضائع.
وحين أنظر إلى بيروت التي تتأرجح على إيقاع صراعات أسياد هذه اللحظة المنقلبة، لا أرى من مدينتي سوى أعماقها التي تختبئ هربا من المرايا الكاذبة التي تحيط بها، وأقول لها أن تنتظر، فالمدينة التي ماتت سبع مرات، لن تموت من جديد، إنها تدّعي الموت، وتختبئ بين الموتى، في انتظار ما سيأتي لكنه لم يأتِ بعد.

مشاركة