كيف يمكن أن يؤدي اغتيال السفير الروسي في أنقرة إلى «أزمة حادة» بين موسكو وواشنطن؟

20

إسماعيل جمال – إسطنبول – «القدس العربي»: في خطوة متوقعة، ركز كبار المسؤولين الأتراك اتهاماتهم إلى جماعة فتح الله غولن في تنفيذ عملية اغتيال السفير الروسي في العاصمة أنقرة، السبت الماضي، إلا أن غير المتوقع هو الإشارة الرسمية التركية إلى أن موسكو تتفق مع أنقرة في اتهام الجماعة بتنفيذ العملية، وهو تطور قد يقود إلى خلافات بين روسيا والولايات المتحدة التي يعيش غولن على أراضيها وهو المتهم بتدبير محاولة الانقلاب الأخيرة في تركيا.
ففي تصريح لافت، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو: «أبغلت جون كيري (وزير الخارجية الأمريكي) بأن تركيا وروسيا تعلمان أنّ منظمة فتح الله غولن الإرهابية تقف وراء اغتيال السفير الروسي لدى أنقرة أندريه كارلوف»، وذلك في تصال هاتفي جرى بين الوزيرين، مساء الثلاثاء.
هذا التطور يؤشر حسب محللين إلى أزمة مقبلة بين موسكو وواشنطن في حال توصل التحقيقات المتواصلة إلى نتائج ملموسة تفيد بوقوف أنصار جماعة الخدمة أو ما تسميها الحكومة «الكيان الموازي» خلف العملية، وربما وجود علم مسبق أو صدور أوامر من غولن أو مساعديه الذين يعيشون في ولاية بنسلفينا الأمريكية بتنفيذ العملية.
فالولايات المتحدة ترفض منذ سنوات تسليم الداعية غولن إلى السلطات التركية التي سلمتها عشرات الملفات التي تدينه وتثبت تورطه في إدارة محاولة الانقلاب في تركيا منتصف تموز/ يوليو الماضي، رغم تهديد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن عدم تسليم غولن سيؤدي إلى الاضرار بالعلاقات التركية الأمريكية.
وبينما قدم وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، تعازيه لنظيره الروسي سيرغي لافروف بمقتل السفير الروسي، أعرب خلال اتصال هاتفي مع لافروف عن استعداد بلاده للتعاون مع موسكو وأنقرة في تحقيقاتهما الحالية حول الحادث. في حين أكد غولن أنه «مصدوم وحزين جدا» لاغتيال السفير، وأدان بـ»أشد العبارات هذا العمل الإرهابي الدنيء».
ورغم التصريحات التركية أعلن الكرملين، الأربعاء، أنه من المبكر جدا تحديد من يقف وراء اغتيال السفير، وقال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف ان «موسكو تعتبر بأنه يجب انتظار نتائج عمل مجموعة التحقيق (الروسية-التركية) الذي بدأ امس (الثلاثاء) في أنقرة.. يجب عدم استخلاص نتائج متسرعة طالما لم يحدد التحقيق من يقف وراء اغتيال سفيرنا».
وفي حال ثبوت علاقة جماعة غولن بعملية الاغتيال فإن روسيا ستطالب إلى جانب تركيا بتسلم غولن الأمر الذي ينذر بأزمة أكبر لا سيما في حال رفض واشنطن الطلب الروسي الذي يمكن أن يتحول إلى اتهام جهات استخبارية أمريكية بالمساعدة في العملية أو تحريكها.
فروسيا التي أوفدت 18محققاً ودبلوماسياً إلى أنقرة منذ وقوع الحادقة تبدو جادة في التوصل إلى نتائج سريعة توصلها إلى الجهات التي ساندت المنفذ، لا سيما وأن جميع المعطيات حتى الآن تشير إلى وقوف جهات نافذة داخلياً وخارجياً في تسهيل العملية ومد المنفذ بمعلومات استخبارية حساسة.
وفي هذا الإطار، كشف الكاتب التركي المقرب من الحكومة «عبد القادر سيلفي» عن أن قاتل السفير كان لثماني مرات في عداد الفرقة الأمنية التي تولت حماية أردوغان منذ تموز/يوليو، موضحاً ان الشرطي خدم في انقرة في قوات مكافحة الشغب منذ سنتين ونصف السنة وكان عضوا في الفريق الأمني المكلف حماية الرئيس ثماني مرات، وذلك في مقال له بصحيفة «حرييت».
والأربعاء، أجرى فريق التحقيق الروسي زيارة إلى مديرية أمن أنقرة، عقب إجرائهم جولة في مكان وقوع الهجوم بإحدى صالات عرض الصور التابعة لبلدية جنقايا بالعاصمة التركية، وقالت وكالة الأناضول الرسمية: «الوفد الروسي سيتابع مع المسؤولين الأتراك، سير التحقيقات، حيث التقى مع مسؤولي مكاتب مكافحة الإرهاب والاستخبارات وتلقّى معلومات عن آخر المستجدات حول قضية اغتيال كارلوف».
وأوضحت مصادر تركية أن الجهات الأمنية خصصت 120 محققاً للعمل على مدار الساعة في محاولة لكشف الارتباطات الخفية لمنفذ الهجوم، حيث كشفت آخر التحقيقات أن المنفذ حجز غرفة في أحد الفنادق المجاورة لمكان تنفيذ العملية قبيل 4 أيام من الهجوم، وهو مؤشر على أنه تلقى معلومات استخبارية مبكرة عن مكان وموعد وصول السفير، فيما توقعت مصادر آخرى أن تتوصل لجان التحقيقات إلى معلومات أكثر جراء عملية تحليل بيانات هاتفه الشخصي التي بدأت الأربعاء.
وكان وزير الدفاع التركي فكري إشق أكد لنظيره الروسي أنّ سلطات بلاده ستتمكن من التعرف على الجهة التي تقف وراء حادثة اغتيال السفير وأنها ستزوّد الروس بكافة المعلومات التي يتم التوصل إليها في هذا الخصوص، وذلك بعد يوم واحد من تأكيد أردوغان أنّ قوى الأمن التركية وأجهزة القضاء في بلاده ستبذل كل ما بوسعها من أجل كشف ملابسات الحادثة.
ووصل، الأربعاء، عدد المعتقلين في إطار التحقيقات إلى 13، ومن بين المعتقلين والدا منفذ الهجوم، وشقيقته، واثنان من أقربائه، بالإضافة إلى زميل «ألطن طاش» في السكن، الذي يعمل هو الآخر ضابطا في الشرطة التركية.
ومنذ وقوع العملية، سعى كبار المسؤولين الأتراك ووسائل الإعلام جاهدين إلى محاولة اثبات علاقة القاتل بجماعة غولن، عبر الإشارة إلى أنه تم التحقيق معه بشبهة مشاركته في محاولة الانقلاب والحصول على إذن يوم المحاولة، وتلقي التعليم الأساسي في المدارس التابعة للجماعة، بالإضافة إلى حصوله على دعم من قبل الجماعة للالتحاق في كلية الشرطة.
وطرحت وسائل إعلام تركية تساؤلات حول ما إن كانت السلطات التركية قد تعمدت قتل المهاجم؟، حيث رأى محللون أن قتله كان الطريق الأقصر لمنع وقوع تركيا في إحراج المطالب الروسية بالتحقيق معه أو محاكمته على أراضيها، فيما رأى آخرون ان القوات الخاصة حاولت اعتقاله لكنه واجههم بإطلاق النار وتمت تصفيته لمنع وقوع ضحايا جدد والدخول لإنقاذ السفير إن كان ما زال على قيد الحياة في ذلك الوقت.
الكاتب التركي «شون مكميكين» رأى في مقال له أن «التحقيقات يمكن أن تساهم في تقارب كل من روسيا وتركيا، وذلك لتعزيز الجبهة ضد الولايات المتحدة»، مضيفاً: «ليست روسيا وتركيا هما الطرفان المعنيان بهذه العملية، فكل الدلائل الأولية تشير إلى أن حكومة أردوغان توجه أصابع الاتهام إلى المنظمة الإرهابية التابعة لفتح الله غولن».
وتابع: «سيصعب على روسيا دحض الفكرة التي تقول بأن حركة فتح الله غولن هي التي تقف وراء عملية الاغتيال، ومن هنا دخلت الولايات المتحدة في هذا المشهد الدبلوماسي (..) ينبغي على غولن الآن مواجهة العاصفة المقبلة سواء من واشنطن، أو أنقرة، أو موسكو».
ورأى الكاتب التركي المعروف «عبد القادر سيلفي» أنه «لم يتبق لجماعة غولن أي قوة تمكنهم من محاولة تنفيذ انقلاب لكن كثيرين توقعوا بأن الجماعة ستحرك الخلايا النائمة لاستهداف قائمة أهداف ربما على رأسها أردوغان، والبعض كان قلقا من عمليات انتحارية ربما تنفذها الجماعة، وقد أثبتت عملية اغتيال السفير الروسي صحة تلك التوقعات، في ذات الوقت الذي كان فيه توأم جماعة غولن، حزب العمال الكردستاني يقوم بتفجيرات في إسطنبول وقيصري».
وأضاف: «لا أعلم إذا كان بإمكاننا معرفة من الذي أصدر التعليمات لمنفذ الاغتيال، ومن دربه من «إخوته الكبار» في جماعة غولن، ومن هو «الإمام» الذي طُلب منه القيام باغتيال السفير الروسي، وذلك لأننا لم نستطع القاء القبض على المنفذ حيّا».

 

مشاركة