في وصف حلب

19

حسن داوود

في الكتاب عما حدث في حلب نقرأ عن مارسيل شحوارو المهداة إليها القصيدة، وإن لمجرّد أنها كانت رافقت مارينا قسطنطين – متأخّرتين- إلى البيت. وعن ماريا قسطنطين أيضا التي «لم تعلم أنها ماتت/ إلا حينما أصغت مع الآلاف الذين يرتدون الأبيض/ ويلوّحون بالورد/ إلى صوت الكاهن في كنيسة النبي الياس: يا أحبائي/ لنردّد جميعا بين يدي الرب/ وبقلب خاشع لراحة نفس ابنتنا (…) الفااااتحة». كما نقرأ عن ناجي الجرف الذي «لم ينجُ (…) ولم يتسنَّ له الوقت ليقول: لماذا أنا؟». وعن ربيعة التي، من قبل عشرين عاما، ما فتئت تمضي «إلى سجون نائية وهي تحمل على كتفيها الرقيقتين حزن الأخوة». وعن عادل الذي من أجله تشعل الأخت الكبرى «الشمعة تلو الأخرى كي لا يضلّ الطريق إليها». وعن عمران، الذي ستمحو صورته صورة إيلان الكردي التي محت من قبلها صور آخرين وستمحو الصورةَ التي بعدها، هي أيضا، صورُ آخرين سيأتون إلى الموت. ثم عن مارييت التي تركت «شعرة سوداء طويلة على المخدة». وعن السريان من بعدها، أولئك الذين «يعبرون العمر متمهّلين/ ثم يرمون أنفسهم في المتوسّط». وعن الطلاب الصغار أيضا، الذين ماتوا، أو يموتون، «بصوت خافت/ بأدنى ضجّة ممكنة» وهم، في طريقهم إلى الموت، «عبروا الممرّ على رؤوس أصابعهم كي لا يُقلقوا نومنا وأغلقوا- بصوت مكتوم- خلفهم باب الحياة الثقيل».
ثم عن 4000 قتيل في شهر واحد، ما يساوي «20 ألف ليتر من الدم الداكن». هي «أنهار الدم»، وهذا مصطلح «لم يعد مجازا»، إذ ربما يتمكن دم نصف المليون من أن يسيل مثل نهر حقيقي، «أسود بأحمر كثيف». ما كان مجازا لا يظلّ كذلك في حلب. لقد تم تجريده، أو تجريبه، أو تمثيله ليغدو خارج دلالته الذاهبة في المبالغة. تلك «المرأة لا تقبل المزاج/ وتصرخ هذه طفلتي/ لم تكن دمية.»..
«ليس من هولٍ يعدلُ جملة كهذه: طفلة مقطوعة الرأس». ألدمية المقطوعة الرأس نوع من أنواع المجاز، طالما أنها من «لزوم الساحرة منكوشة الشعر». ألساحرات يجعلننا نتخيّل ونشبّه، ونتوهّم الفظاعة. في المجاز، إنهن يضعن دمية في مكان طفلة ليدفعننا إلى أن نقول ماذا لو لم تكن هذه دمية. ها هنا، حيث الطفلة المقطوعة الرأس، لا مشابهة ولا مجاز، واللغة ممنوعة من «تعثيرنا» بألاعيبها. وهي ستكون أكثر قوّة حين يُستبدل التشبيه المخادع بالكلام الصحيح. فلنفكّر في الكلمات المرصوفة هكذا: «قٌتل تحت التعذيب». لا مجاز ولا مبالغة في هذه الكلمات الثلاث. ليس المخيلة ما نحتاجه لفهمها بل التداعي العادي، التداعي الذي اعتدناه. «قُتل تحت التعذيب تعني أن ثمّ شخصا ما كان يُضرب أو تُخلع أظافره أو تدخل عصا في مؤخّرته أو يُلبط على بطنه، أو يربط عضوه بأسلاك كهربائية ويصرخ ثم يصرخ ثم يصرخ ويتوسّل»…إلخ.
وقد يذهب ما يسمّونه المباشر إلى قول الإستغاثة بلغة الإستغاثة ذاتها، هكذا من دون انتظار للّحظة التي يفكّر فيها المستغيث بأن يزوّق كلامه أو يقطع به تلك العتبة الموصلة إلى الشعر. وإذ يحذّرنا فؤاد م. فؤاد أن نمتنع عن النظر إلى الصور، نتخيّل أنه يصاحب كلامة بحركة من يده. هي تلك الحركة السريعة المانعة، المبعدة بيننا وبين ما نقبل عليه، المسابِقة عيوننا قبل أن تلتفت وتنظر: «لا تنظروا إلى الصور/ أرجوكم/ هذه الجثث المتفحّمة ستفقدكم إنسانيتكم».
«ألضجر ينهض/ حجرا فوق حجر/ والسيرة القديمة/ لم تعد تنفع في تزجية الوقت». لا ينبغي الوقوف طويلا عند تذكّر الأصدقاء في مقهى قصر جحا، والذي في نسخته السابقة كان منتدى الشام، ولا تذكّر النميمة والضحك هناك مع الأصدقاء، ولا ما كانه المكان، ولا حتى مقابلة ما كانه بالحطام والغبار والأنقاض التي انتهى إليها. ذاك أن الحنين لا يعمل إلا مع الهدأة. إلا حين نتوقّف عن أن نستعدّ للشيء القادم، ألشيء السيّء، «فيحدث الأسوأ».
لم يعد مجديا الإلتفات إلى الوراء. لم يعد يفيد التذكّر في الإمداد بالقوّة، أو في التزود بالأمل. تلك الريح الخفيفة، الآملة، التي تخطر في الرأس مثلها مثل كلام المجاز حين يلاعب أو يلهي. لقد صارت الأشياء أثقل مما ينبغي لتحريك الزمن على مثل ما تُحرّك، وإن قليلا، ستارة تغطّي النافذة. «لم يعد من خلف..».، «…فاتبع الأثر» إذن. إمش فقط، ناظرا إلى القدمين اللذين تسيران أمامك.
لا حاجة لأن تعرف أكثر. لا حاجة لأن ترفع عينيك إلى الأعلى لترى من تحمل القدمان.
٭ «حدث ذات مرّة في حلب» قصائد ويوميات لفؤاد م. فؤاد صدرت عن «رياض الريّس للكتب والنشر» في 115 صفحة، وصدورها مؤرّخ لسنة 2017.

٭ روائي لبناني

“القدس العربي”

مشاركة