حرب بالإجماع بلا قضية عامة

58

ياسين الحاج صالح

العالم كله اليوم في حرب ضد القاعدة و«داعش»، لكن ليس هناك خطاب تحرر في مواجهة جيلي القاعدة الأول والثاني هذين، ولا يتكلم أحد على التغيير السياسي، على الديمقراطية، على الحرية أو العدالة الاجتماعية. ولا يبدو أن هناك قضية عادلة لهذه الحرب تتجاوز القضاء على القاعديين. ينبغي أن يكون هذا وضعاً بالغ الغرابة، لا يغاير فقط نسق المواجهة بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي في زمن سبق، أو نسق مواجهة الاستعمار والتحرر الوطني في زمن أسبق، وإنما حتى نسق مواجهة «الدول المارقة» في زمن قريب منا، وقد كان يتوسل خطاب الديمقراطية والتخلص من الدكتاتوريات.
اليوم كل الدول والمنظمات الدولية والتيارات الايديولوجية والأحزاب السياسية والمثقفين في إجماع نادر على محاربة هذه التشكيلات المارقة، لكن لا يقتصر الأمر على أن أحداً لم يدعُ إلى التفكير بمعالجات سياسية لهذه المشكلة الدولية، أو يقترح محكمة دولية خاصة لجرائم السلفيين الجاديين بما يحقق العدالة لضحاياهم، بل وتغيب عن هذا الإجماع ما يمكن أن تكون قضية عامة إيجابية ترد على من قد يتساءل: لماذا يجب مواجهة هذه الكيانات والشبكات؟ ومن أجل ماذا؟
ويتصل هذا الضمور في البعد التحرري لمواجهة «داعش» والقاعدة بتضخم في البعد الدولاني لهذه المواجهة في المقابل، على نحو وضع أمثال بشار الأسد وبوتين ونتنياهو وحسن نصر الله وخامنئي والسيسي، ودول الخليج العربية، في موقع مشترك. هذه قد تكون أول حرب في التاريخ الحديث تجمع بين أوسع إجماع عالمي (من لا يشارك، هو حتماً مساند) وبين صفر من المحتوى القيمي. وهو ما يسوغ القول إننا حيال حرب مطلقة، تجنح إلى الانفلات من أي قواعد للحرب، ويعتبر كل ما يمارس فيها عادلاً، على ما جرى فعلاً في حروب الأمريكيين التالية لـ 11 أيلول (سبتمبر) 2001. لكن أليست هذه الحرب المطلقة هي بالضبط الحرب التي تخوضها «داعش» والقاعدة ضد العالم: حرب بلا قواعد ولا أصول، ولا ضوابط ذاتية، ولا محتوى قيمي عام؟
هناك في الواقع خطاب لهذه المواجهة هو خطاب «الحرب ضد الإرهاب». لكن عدا أن هذه الحرب مظلة انتهازية، يمكن أن ينضوي تحتها قتلة ومجرمون، وحتى من لا يزالون مصنفين كـ»إرهابيين» في قوائم محاربي الإرهاب وصناع خطابه، مثل حزب الله اللبناني التابع لإيران، فإن خطاب «الحرب ضد الإرهاب» خطاب أمن واستقرار وقوة، وليس خطاب تغيير أو حرية أو عدالة، وهو لا يعد عموم السكان في منطقتنا، بمن فيهم الخاضعون اليوم لسيطرة جيلي القاعدة، بفرص سياسية أو اقتصادية أفضل. من يمتثلون لسلطة «داعش» والقاعدة آمنون على أنفسهم منهما (وليس من القصف الأسدي والروسي والأمريكي) بقدر لا يقل عن أمان الممتثلين لسيطرة بشار الأسد والميليشيات الشيعية المحاربة معه. حرياتهم الاجتماعية أقل دونما شك، لكن الحريات الاجتماعية للفقراء في المناطق الأسدية لا تكاد تكون أوسع من المتاح للعموم تحت سلطان جيلي القاعديّين.
وبقدر ما إن خطاب «الحرب ضد الإرهاب» متمركز حول الدولة وأدواتها، فإنه يقوي من هم أقوياء سلفاً ويضعف من هم في الأصل ضعفاء من عموم السكان، ما يضعه في تعارض تام ومباشر مع الديمقراطية. ما يجعل منه أيضاً عنصراً مشرعاً لاستراتيجية سيطرة اجتماعية وسياسية مناسبة جداً لأمثال بشار الأسد.
ويتعدى الاجماع المضاد للسلفية الجهادية الدول إلى التيارات الإيديولوجية والمثقفين. لا فوارق تذكر بين اليسار واليمين في هذا الشأن في الغرب. ولعل الجذر المشترك لهذا الإجماع هو إنكار الطابع السياسي والعام للمشكلة الجهادية. يجري التعامل مع المشكلة كما لو أنها تتعلق بمجرمين بلا قضية من أي نوع، بل هم أقل من ذلك، فلا حق لهم أيضاً في العدالة خلافاً لعموم المجرمين. وهو ما تُثبّته عموماً المقاربات الثقافوية للجهادية، وهي تعيدها إلى خلل ذاتي في التكوين الإنساني أو العقدي للجهاديين، ما يجعل التخلص منهم واجباً. رفض توسل الإنسانيات والعلوم الاجتماعية في مقاربة الجهادية على المستوى النظري يقترن برفض السياسة والعدالة على المستوى العملي، وبتبني الإبادة منهج علاج. مفهوم الإرهاب هو يتضمن التشخيص: إجرام لا أسباب له، والعلاج: حرب إبادة بلا سياسة ولا عدالة.
ولا يبدو، بعد ذلك، أن معظم المثقفين في الغرب يعرفون شيئاً جدياً عن مجتمعاتنا وعن الإسلامية المعاصرة كي يقولوا شيئاً مفيداً. لا يبدون أيضاً في موقع قريب من النظر إلى القاعدة بوصفها أحد أوجه مسألة عالمية كبيرة، المسألة الإسلامية، وأنه لا يستقيم الكلام على العالم المعاصر وأوضاعه المُكئبة اليوم بدون نظر معمق في هذه المسألة. وهذا قصور من قبل القادرين لا موجب لتفهمه. تكفي إشارة سريعة إلى أن الانكفاء الغربي خلال السنوات الماضية هو، في جانب منه، تراجع أمام ضربات السلفية الجهادية، في الغرب ذاته، وفي العراق، وبلدان أخرى (عمليات في السعودية، أندونيسيا، نيجيريا، ليبيا وغيرها…). هذا القصور يرفد الانكفاء السياسي بانكفاء فكري، فيُثبِّتُه في المحصلة.
والواقع أن ضمور خطاب التحرر في مواجهة السلفية الجهادية اليوم لا يقتصر عليها. لا يكاد يصادف المرء خطابات تحرر تجمع بين التطلع إلى التغير السياسي، وتقرب بين قيم المساواة والحرية من جهة والشرائح الأكثر حرماناً من جهة ثانية، في أي مكان. هناك انكفاء عالمي عن التغير، ونمو للنزعة الدولانية و«أمننة» السياسة إن جاز التعبير، في كل مكان. وهو ما يخلق أجواء سياسية دولية، يجد فيها أمثال السيسي وبشار الأسد أنفسهم في بيوتهم.
في مثل هذه الشروط يتساءل المرء عما إذا كانت السلفية الجهادية سبب صعود النزعات الدولتية المحافظة، أم أنها بالأحرى حاجة للنخب السياسية والاقتصادية والأمنية النافذة عالمياً، تتيح لها إجماعاً انتهازياً على حساب الأضعف دولياً في طور تحول كبير في النظام الدولي، وعلى حساب الأضعف محلياً في المجتمعات التي تديرها هذا النخب، في الغرب وغيره. ولعله لذلك لا يبدو أن أحداً في عجلة من أمره في مواجهة ما يجمع عالم اليوم على أنه بعبع متوحش يجب القضاء عليه. لا الروس ولا الأمريكان مستعجلون، ولا الإيرانيون، ولا الصغار من أمثال بشار عندنا وشركاؤه الطائفيون.
ما يمكن أن يكون ركيزة صلبة لقضية تحررية عادلة ضد القاعدة ومشتقاتها هي ربط هذه المواجهة بالديمقراطية والتغير السياسي من جهة وبحاجات الشرائح الأضعف من السكان من جهة ثانية، وأن يدمج في ذلك ما يتصل بالحريات الاجتماعية بما فيها الحرية الدينية، وأوضاع النساء. وحين يكون 80٪ من السوريين تحت خطر الفقر اليوم (37٪ عام 2007)، فإن التحرر السوري يتمثل في فتح نوافذ أمل للسوريين بالتخلص من بشار الذي لا يعد المفقرين بغير مزيد من الفقر والقهر، وإعادة بناء البلد حول أكثريته الاجتماعية المفقرة. لا يُستغنى عن محاربة القاعدة في جيليها، لكن ليس لهذه المواجهة بعد تحرري ما لم تكن جزءاً من عملية أوسع، توفر فرصاً اجتماعية وسياسية لأكثرية السوريين.
على أن الأمر لا يقتصر على سوريا، فأوضاع الشرق الأوسط هي التي أنتجت القاعدة بجيليها، وهذه أوضاع بعيدة عن العدالة وعن الديمقراطية والتغير السياسي، وهي ما يتعين استهدافها بالتغيير بقدر لا يقل عن الأنظمة المحلية التي تستند إليه في واقع الأمر. والقوة المسيطرة في الشرق الأوسط هي المحور الأمريكي الإسرائيلي أولاً وأساساً، وهو المحور الذي يعمم خطاب الإرهاب والحرب ضد الإرهاب أكثر من غيره. يبقى المبدأ هو نفسه: التغير السياسي والعدالة والكرامة لعموم السكان هي القضية العادلة للصراع ضد التشكيلات العدمية.
والقضية بعد ذلك عالمية: مقاومة الميل العالمي للأمننة والدولانية والانكفاء، مما لم يعد يستقيم عمل تحرري في أي مكان في ظل استمراره.
«الحرب ضد الإرهاب» ليست اتجاه تحرر، محلي أو عالمي. ولا نزعة مناهضة للامبريالية، خارجية ومجردة ولا يفعل شيئأً معتنقوها الذين وجدوا أنفسهم طوال السنوات الست الماضية في مواقع أقرب إلى الدولة الأسدية. ولا تجدي بالمثل العلمانية الدولانية بمضمونها الاجتماعي والقيمي الفقير، والإيديولوجية الثقافوية المؤسسة لها. مقاومة تمييز الإسلاميين ضد النساء والأقليات وغير النمطيين اجتماعياً ودينياً متهافتة حين لا تندرج في تطلع للتغير السياسي ومقاومة التمييز بين السكان على أسس دينية أو إثنية.
نظام العالم اليوم متشكل حول منع التغير السياسي والاجتماعي، وهذا صحيح بخاصة في الشرق الأوسط حيث يُشفع منع التغير مع نفي العدالة السياسية والاجتماعية. هذا هو المنبع الأول للعدمية والإرهاب في إقليمنا اليوم، وربما بعد حين في غيره.

القدس العربي

مشاركة