حداثات حرب أهلية

24

صبحي حديدي

صدرت عشرات الدراسات، كما كُتبت روايات، وأُنتجت أفلام ومسرحيات، حول وقائع «الحرب الأهلية» في إسبانيا (1936 ـ 1939)؛ وجرى، غالباً، التركيز على 40 ألف متطوّع عالمي (أو أممي، كما يتوجب القول)، وفدوا إلى إسبانيا من 53 بلداً، بينها مصر والمغرب، وانخرطوا في «الفصائل الأممية» التي قاتلت إلى جانب الجمهوريين، ضدّ الجنرال الدكتاتور فرنشيسكو فرانكو.
ولأنّ عدداً كبيراً من نجوم الفنّ والأدب كانوا في عداد هؤلاء المتطوعين (بابلو نيرودا، سيزار فاييخو، أوكتافيو باث، ألكسي تولستوي، إرنست همنغواي، بول روبسون، جون دوس باسوس، أندريه مالرو، سانت ـ إكزوبيري، كلود سيمون، ستيفن سبندر، لويس ماكنيس، و. هـ. أودن، جورج أورويل، كريستوفر كودويل…)؛ فقد كان طبيعياً أن يختفي الإسبان، أنفسهم، من صدارة المشهد.
والحال أنّ حرباً، وليدة، من طراز آخر، كانت تدور في قلب هذه الحرب الأهلية الأمّ؛ قوامها التبشير بالحداثة في الآداب والفنون الإسبانية، قادها أمثال رفائيل ألبيرتي، أنطونيو ماشادو، ميغيل هرنانديز، فدريكو غارسيا لوركا، بابلو بيكاسو، وخوان ميرو.
ولقد أعطتنا تلك التجربة الفريدة عدداً من أثمن الأعمال الإبداعية، حول الحرب والسلام والحرية والتعاضد الأممي بصفة خاصة؛ ويكفي، أسوة بعشرات الأعمال الأدبية، اقتباس لوحة بيكاسو الأشهر «غيرنيكا»، وعمل خوان ميرو «سلسلة الأسود والأحمر».
على الجانب الآخر، في الصفّ الأممي، قدّم كودويل كتاب «الوهم والواقع»، الذي يُعدّ أوّل إسهام معمّق في صياغة علم جمال ماركسي حول الشعر؛ كما كتب أودن قصيدته «إسبانيا»، ونشر أورويل «تحية إلى كاتالونيا»، ومثله فعل همنغواي في «لمَن يُقرع الجرس»…
وقبل أيام صدر في بريطانيا، عن دار النشر راوتلج، كتاب ينصف فئة في هذه التجربة، ظلت مهملة أو حتى منسية رغم إسهاماتها المتميزة في رفد الحركة، وفي تنويع أصواتها وأساليبها وموضوعاتها. «الكاتبات الإسبانيات والحرب الأهلية الإسبانية»، تحرير ماريلين بيدر وروبرتا جونسون، يتناول أعمال ماريا زامبرانو، ميرسيه رودوريدا، ليبيراتا ماسوليفير، مرسيدس ساليساكس، ماريا أوريليا كامباني، كارمن لافوريت، أنّا ماريا ماتوتي، جوزفينا ألديكوا، مارينا مايورال، كارمن بييرا، ودولسي شاكون.
ولسوف تثبت الوقائع اللاحقة، بعد انتصار فرانكو، أن انخراط المرأة الإسبانية في تلك التجربة لم يكن بغرض الدفاع عن القِيَم الجمهورية وحدها، ولا الحقّ في الحداثة والتقدّم فقط؛ بل، كذلك، صيانة حقوق المرأة الجوهرية، التي سيعيدها النظام الفاشي إلى القوانين النابليونية لعام 1889! كذلك سوف تُردّ المرأة إلى وضعية أكثر تخلفاً، فتخضع لرقابة لصيقة أشدّ، وتُفرض عليها وصاية ذكورية وقانونية ودينية أقسى؛ الأمر الذي يفسّر احتفاء نصوص الكاتبات بشخصية المرأة المقاتلة ضدّ عسف فرانكو، وذلك رغم أنّ المهامّ التي كُلّفت بها لم تكن تضعها في الصفوف الأمامية.
وعبر فصول هذا الكتاب الجديد تتعمق، أكثر، قضية تعريف «الحرب الأهلية»، وما إذا كان من الصواب استخدامها كيفما اتفق (على غرار التسمية التي شاعت في سوريا، مثلاً، بعد انطلاق الانتفاضة الشعبية، ربيع 2011). فالحرب في إسبانيا كانت قد اندلعت بين حكم جمهوري منتخَب شرعياً وديمقراطياً، وبين الجنرال فرانكو الذي انقضّ على السلطة الشرعية بمساندة من الكنيسة الكاثوليكية وملاّك الأراضي، وبدعم بالمال والرجال والعتاد من أدولف هتلر وبينيتو موسوليني؛ وسط صمت مطبق متواطئ مارسته القوى الأوروبية الأخرى، مثل بريطانيا وفرنسا. على النقيض من هذه المواقف الرسمية، سارعت فئات وقوى شعبية واسعة إلى التضامن مع الإسبان، خصوصاً بعد أن هالها صعود التيّارات النازية والفاشية النازية في أوروبا وأمريكا.
وهكذا، كانت «فصيلة أبراهام لنكولن» الأمريكية قد ضمّت 2800 متطوّع أمريكي، وضمّت الفصيلة البريطانية نحو ثلاثة آلاف، سقط منهم 543 في مختلف معارك الدفاع عن الجمهورية. بيل ألكسندر (أحد آخر المتطوعين البريطانيين المعمّرين) اعتبر أن المعركة لم تكن إسبانية صرفة: «الأمر لم ينحصر في مساعدة شعب آخر. لقد كانت تلك حربنا نحن البريطانيين أيضاً.
ففي بريطانيا رأينا موسلي [زعيم «اتحاد الفاشيين البريطانيين» آنذاك] يأمل في احتذاء درب هتلر وموسوليني. ولهذا فإنّ قرار التطوّع لم يكن وليد ليلة وضحاها. لقد كان سيرورة». أمّا الشاعر البريطاني سيسيل داي لويس فقد اختصر الأمر هكذا: «ذهبنا لأن أعيننا المفتوحة لم تكن تبصر درباً آخر غير ذاك الذي يفضي إلى إسبانيا».
ويبقى أنّ واحداً من أرفع دروس تجربة «الفصائل الأممية» أنها كانت مثالاً رفيعاً في التعاضد بين الأمم، على مستوى الشعوب ذاتها أوّلاً، بعيداً عن المؤسسات، بل ربما قريباً من أرفع مؤسسات الشعوب: الآداب والفنون، حين تتوسل الحداثة بصفة خاصة.
وكان المخرج السينمائي البريطاني الكبير كين لوش قد قدّم شريطه «الأرض والحرية»، لا لكي يحتفل بالذكرى الستين لنشوء حركة تلك الفصائل فقط، بل لكي يعلن رفض إضفاء الطابع الرومانتيكي على التجربة. ذلك لأنها لم تكن سابقة وحيدة منقطعة، ولأن التعاضد الأممي بين الشعوب تكرر، وسوف يتكرّر، هنا وهناك في العالم، حيثما عربد الطغيان وأزبد.

“القدس العربي”

مشاركة