ترامب يهز شباك الحلفاء: المطلوب «ناتو عربي» في سوريا!: رلى موفّق

44

فيما النقاش يدور حول ماهية الاستراتيجية الأمريكية حول سوريا بعد تعيين الرئيس الأمريكي محافظيّن من الصقور في موقعي الخارجية ومجلس الأمن القومي، فجّر دونالد ترامب ما يشبه القنبلة بإعلانه من أوهايو أنه حان الوقت كي تنسحب الولايات المتحدة من سوريا. إعلان أرفقه بطلب من الخارجية بتجميد نحو 200 مليون دولار كانت مخصصة لجهود إعادة الإعمار في سوريا، في خطوة أشرتّ إلى جدية قرار ترامب. فإلى أين تتجه الأمور؟
يُدرك الحلفاء والخصوم أنهما يتعاملان مع رئيس للولايات المتحدة لا يمكن التكهن كثيراً بمواقفه، وله طريقته الخاصة في العمل، إلى حد يخال للمرء أنه يدير سياسة بلاده من حسابه على «تويتر». الموقف لم يأت عبر «تغريدة»، بل في خطاب داخلي من ريتشفيلد بولاية أوهايو ضمن حملة تسويق لمشروع متكـــامل حـــول إعادة بناء البنى التـحتــيــة في الولايات الأمريكــية، وهي تــأتي في أطار التحضير لانتخابات الكونغرس المقبلة في تشرين الثاني/نوفمــبــر، والتي يعول على أن يبقى في يد الجمهوريين.
في قراءة متابعين جمهوريين قريبين من فريق ترامب، أن جزءاً من الكلام له بعده الداخلي، إذ ربطه الرئيس الأمريكي بحجم الأعباء المالية التي تتكلفها بلاده في الشرق الأوسط وفي كوريا الجنوبية، وأنه بالإمكان تجيير هذه الأموال من أجل بناء أمريكا وتأمين رفاهية شعبها. لم يشذ ترامب هنا عن طريقة مقاربته للأمور في حملته الانتخابية التي أعتبر فيها أن على الحلفاء أن يتحملوا قسطهم من الأعباء. في جانب من الكلام، يغلب منطق رجل الصفقات، حيث لا بد من عائدات لها، وإلا كانت صفقات خاسرة. والأمر ينطبق على المسائل التجارية والاقتصادية والمالية، تماماً كما السياسية والعسكرية.
الرجل، وفق ما يؤكده مقربون من فريقه، يريد من حلفائه العرب أفعالاً لا أقوالاً. والأفعال ترتبط في جانب منها بتغطية كلفة الانخراط الأمريكي في سوريا وتمويل إعادة إعمار المناطق السورية الخاضعة لنفوذها، ولكنها ترتبط في جانب آخر- ربما يفوق أهمية – بتحمّل الحلفاء العرب ولاسيما دول الخليج جزءاً من مسؤوليتها بالالتزام بإنشاء جيش عربي هو عبارة عن «ناتو عربي» يشكل القوة الفاعلة على الأرض بمساندة أمريكية. الأمريكيون أعلنوها في أكثر من مناسبة أنهم لن ينشروا جيشهم كما حصل في حربي أفغانستان والعراق. وعلى العرب المعنيين بالأمر النزول إلى الأرض. الحديث في جزء منه يطال السعودية ومعها دول خليجية أخرى، كما يطال مصر والأردن.
وكان مدير التحالف الأمريكي – الشرق أوسطي للديمقراطية طوم حرب، قد تحدث سابقاً عن دور القوة العربية في سوريا وأن عدم تشكيلها أعاق الخطة الأمريكية في ربط المنطقة الشرقية من سوريا بالمنطقة الجنوبية عبر صحراء تدمر. يكشف حرب أن في لقاءات جرت في مجلس الأمن القومي، عبرّ الأمريكيون بكثير من الوضوح عن التباطؤ العربي في تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وأن ترامب ضاق ذرعاً! لكن ذلك لا يعني في رأيه قــراراً فعلــيــاً على النار بقدر ما هو دق جرس إنذار بأن حان وقت التحرك.
يكفي أن يتوقف المراقب عند «تغريدة» لمستشار حملة ترامب للشؤون الخارجية في الشرق الأوسط وليد فارس الذي يُعرف عنه إدراكه العميق في المنطقة وفي ملف الجهاديين. قارب الموضوع بالقول: «تخيلوا لو أنه في الحرب العالمية الثانية، قمنا (الأمريكيون) بإنزال في النورماندي، وزحفنا إلى برلين، ثم قلنا: لقد هزمنا «الرايخ» والآن سنعود إلى الديار. ماذا كان سيحصل؟ كان السوفييت ليصبحوا في النورماندي!». يذهب فارس في رده على كلام ترامب: «لا تستطيع أن تهزم «تنظيم الدولة الإسلامية» وتذهب إلى البيت. إيران ستحتل الشرق الأوسط».
في رأيه أنه إذا كان على التحالف العربي الالتزام مالياً في سوريا، فعلى الولايات المتحدة أن توقف الاندفاعة الإيرانية. ما يقوله فارس المناهض لمحاولات إيران مد نفوذها إلى دول الجوار، أنه إذا أرادت واشنطن أن تضغط على روسيا وإيران والأسد و»حزب الله» في دفعة واحدة، لا بد من أن تقفل الحدود البرية بين سوريا والعراق، وهي مسألة سهلة.
لم يتأخر الرد السعودي حتى أتى سريعاً من ولي العهد محمد بن سلمان الذي لا يزال في جولته الأمريكية. أُرسلت الرسالة الأمريكية وقابلها جواب المملكة صاحبة الكلمة الفصل في التحالف العربي المزمع إنشاؤه بديلا عن تشتت القوة: لا بد لواشنطن أن تبقي قواتها في سوريا على أقله في المدى المتوسط للتصدي للنفوذ الإيراني، وأن هذا التواجد سيتيح لها الاحتفاظ بدور في تحديد مستقبل سوريا. وهو رد في طياته أن الرسالة وصلت!
من السذاجة بمكان أن لا تكون لقاءات محمد بن سلمان قد تناولت الملف السوري. والمملكة، وفق المعلومات المتوافرة، تعهدت بمسؤولية إعادة الإعمار في مناطق النفوذ الأمريكية، حتى أن وجهاء الرقة تبلغوا من مسؤولين أمريكيين في قيادة التحالف الدولي أن الطريق إلى واشنطن في ملف إعادة الأعمار تمر عبر الرياض.
والحديث يتصاعد في الآونة الأخيرة من أن أمريكا في إطار رسم مواقع النفوذ قد أبلغت الروس أن منطقة دير الزور ستكون في إطار سيطرتها، وأن مسألة السيطرة على الحدود عند معبر البوكمال هي مسألة وقت ليس إلاّ.
ورغم أن الأولوية الراهنة لدى فريق ترامب الجديد هو التعامل مع ملف كوريا الشمالية، فإن موعد الثاني عشر من أيار/مايو، موعد مراجعة الاتفاق النووي، يفرض نفسه على الأجندة الأمريكية، والتي باتت المعطيات بغالبيتها تجنح نحو ذهاب ترامب إلى إلغاء الاتفاق وإعادة العقوبات على طهران. غير أن الخطوات الفعلية لكيفية التعامل مع كل تشعبات الملف الإيراني تنتظر انجاز اللقاء التاريخي بين ترامب وزعيم كوريا الشمالية ومعرفة الطريق التي سيسلكه ملفها النووي.
فوفق هذه الأجندة، ليس من قرارات كبرى يمكن أن يأخذها ترامب بما فيها التلويح بالانسحاب والذي يُناقض كل استراتيجيته في ما يتعلق بمحاصرة إيران ونفوذها في المنطقة. ما يجري راهناً أن الرئيس الأمريكي يهز شباك الحلفاء.

مشاركة