تحيا الثورة الشعبية ولتسقط الطائفية!: جلبير الأشقر

45

هل تظنّن أن انتفاضة الشعب الإيراني ملأت حكام المملكة السعودية غبطةً؟ الحقيقة هي أنها ملأتهم رعباً أكبر من كل ما أصابهم من جراء السياسات التوسعية التي يمارسها حكام إيران. فإن انتفاضة الشعب الإيراني فاتحة خير عظيمة للعام الجديد، إذ هي أنجع ترياق للسمّ الطائفي الذي استخدمه النظام العربي القديم ضد انتفاضات الشعوب العربية في «الربيع العربي». وقد رأينا كيف شقّت مملكة البحرين انتفاضة شعبها بسيف الطائفية مثلما فعل نظام آل الأسد في سوريا. وبالسيف ذاته قامت الجماعات الحاكمة في كل من العراق ولبنان بقطع الطريق أمام النضال الشعبي الصاعد أثناء ذلك الربيع الزاهر. ثم رأينا حاكم اليمن المخلوع عليّ عبد الله صالح يسعى وراء استعادة حكمه بالسيف عينه، ولو بإعادة تقسيم البلاد. إن الحيلة لقديمة قِدَم شعار الطغيان المعروف: «فرّق تسد».
هكذا يحوّلون الصراع الأفقي بين الشعب الكادح والنخب الظالمة الفاسدة إلى صدام عمودي بين السنّة والشيعة، تتمحور حوله الأقليات الدينية والطائفية الأخرى حيث وُجدت. وفي هذه العملية التخريبية يلتقي العدوّان اللدودان، المملكة السعودية وجمهورية الملالي الإيرانية مع من لفّ لفّهما، في تقاسم وظيفي متميّز. فقد تقاسما الأدوار في الخنق الطائفي لانتفاضة البحرين كما تقاسماها في الخنق الطائفي للثورة السورية، وسوف يتعاونان بلا شكّ في خنق أية ثورة شعبية حقيقية في منطقتنا. ذلك أن الثورة الشعبية تهدد نظاميهما الاستبداديين القائمين على استخدام الطائفية بلباس الأصولية الدينية كوسيلة أيديولوجية رئيسية لإضفاء شرعية رجعية عفنة على سلطتيهما.
وما أشبه حِيَل أنظمة الاستبداد الطائفي! اتّهم الحكم الملكي في البحرين الانتفاضة الشعبية العارمة التي هبّت في الجزيرة عام 2011 بأنها مؤامرة طائفية مدعومة من إيران مثلما اتهم نظام آل الأسد انتفاضة الشعب السوري بأنها مؤامرة طائفية مدعومة من مشايخ الخليج. وها أن نظام الملالي يستخدم الآن الكذبة ذاتها في تبرير قمعه لانتفاضة الشعب الإيراني. إنما جاءت هذه الانتفاضة الباسلة الجديدة لتُظهر بشكل قاطع أن المصالح الشعبية متعارضة مع كافة الأنظمة الاستبدادية، مهما كان الانتماء الطائفي للمتربّعين على السلطة.
ومن أفضال الانتفاضة الإيرانية أنها أثبتت أن «الممانعة» حجة بالية، القصد منها تمرير الاستبداد باستغلال المشاعر الوطنية. فلنتذكّر المقابلة التي أعطاها بشّار الأسد لصحيفة «وول ستريت جورنال» في أواخر كانون الثاني/ يناير 2011، عندما شرح أن سوريا «مستقرة» لأن «الناس لا يحيون بالمصالح فقط، بل يحيون بالمعتقدات أيضاً، خاصة في المناطق الأيديولوجية للغاية»، هذا بعد أن ادّعى أنه «لصيق بشكل وثيق جداً بمعتقدات الشعب». ظنّ الشعب السوري غبياً يغلّب الأوهام على المصالح ويؤمن أن نظام البطش والفساد وفيّ للمعتقدات، فما لبث أن اكتشف أن الشعب ليس بساذج ولا هو منخدع، بل هو غير مستعد للتضحية بمصالحه الحيوية على مذبح «الممانعة» المزعومة.
وها أن نظام الملالي يكتشف بدوره أن نفاقه لا ينطلي على شعبه. فإن هتافاً بارزاً بين الهتافات الرئيسية للانتفاضة الإيرانية يقول: «اتركوا سوريا واهتمّوا بنا!». فإن الشعب الإيراني يعاني من الآفات نفسها التي تعاني منها الشعوب العربية والتي فجّرت الانتفاضة العربية الكبرى: بطالة مستشرية، ولا سيما بطالة الشباب، وغلاء معيشة كاوٍ، وكساد اقتصادي متفاقم يعالجه حكم طهران بالوصفات النيوليبرالية عينها التي تعالج بها الحكومات العربية المشكلة ذاتها، ألا وهي إثقال النير المفروض على رقاب الشعب بإلغاء الدعم عن أسعار مواد الاستهلاك الأساسية. والحال أن عاملاً هاماً ساهم في تفجير غضب الجماهير الإيرانية هو إعلان الحكم قبل الانفجار بقليل عن زيادة أسعار المحروقات بنسبة 50 في المئة. وكأنها قصة تُعاد حكايتها بلا انقطاع، ويمكننا توقع تكرارها في مستقبل قريب في مصر أو المملكة السعودية أو غيرهما من بلدان منطقتنا حيث يجري تطبيق الوصفات ذاتها.
فلم تعد الجماهير الإيرانية مستعدة للعضّ على شفاهها والتضحية بمصالحها وهي ترى جهاز «الحرس الثوري» المتسلط عليها ينفق المليارات في سياسة توسّعية في العراق وسوريا ولبنان لا ناقة للشعب الإيراني فيها ولا جمل. بل هي سياسة يبرّر بها الجهاز ميزانيته الضخمة وامتيازاته الجمّة. ولن نلوم الجماهير الإيرانية لو وضع بعضها قضية فلسطين في السلّة ذاتها اشمئزازاً من متاجرة النظام باسم القدس وتحججه بدعم حركة حماس. فإننا ندرك كيف سئم بعض جماهيرنا العربية من بطش الأنظمة بها متحججة بالقضية الفلسطينية، ولو كنّا نتمنّى بالتأكيد أن يتمكن الجميع من التمييز بين نفاق الحكّام والقضايا العادلة التي يتذرّعون بها.
ونحن نعلم علماً يقيناً أن مصلحة فلسطين الحقيقية ومصلحة النضال ضد الصهيونية وضد الإمبرياليتين الأمريكية والروسية المتواطئتين مع هذه الأخيرة، إنما تمرّان عبر إحلال حكومات شعبية ديمقراطية محلّ أنظمة الاستبداد. وتمرّان بادئ ذي بدء عبر التغلّب على الطائفية، أحد أمضى أسلحة أنظمة الاستغلال والاستبداد ضد المصالح الشعبية. لذا نحن شاكرون للجماهير الإيرانية جزيل الشكر لأنها ساهمت في تبديد الأكاذيب، وأكّدت أن السيرورة الثورية طويلة الأمد التي انطلقت في منطقتنا قبل ثماني سنوات سوف تشهد أكثر من ربيع جديد بعد الربيع الأول. ولن تستقر منطقتنا بدون أن تنتصر فيها مصالح الشعوب التي يشكل الإخاء طريقها الضروري إلى الحرية والمساواة، وهي الشعارات الثلاثة المتلازمة لأُم الثورات على الاضطهاد.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

مشاركة