الطبل في أستانة وعرس الدم في دير الزور

19

صبحي حديدي

ذاك الذي يحسن، حتى في الحدود الدنيا، قراءة المشهد الجيو ـ سياسي، الإقليمي والدولي، بصدد الملفّ السوري؛ لن يعجز عن قراءة المشهد المقبل في اجتماع أستانة، ولعله لن يحتاج إلى كبير عناء، أو استبصار مسبق، كي ينتظر منه الفشل الذريع. وكما توفّرت، خلال السنوات الستّ من عمر الانتفاضة السورية، «مرجعيات» مثل جنيف ـ 1 وجنيف ـ 2، وموسكو ـ 1 وموسكو ـ 2، فإنّ أستانة بدورها استحثت مسمّييَن اثنين، حتى الساعة: أستانة ـ 1، في أيار (مايو) 2015؛ وأستانة ـ 2، التي تنعقد غداً.
ولا يغيّر كثيراً من أمر أستانة ـ 1 أنها كانت تمريناً روسياً في استعراض «معارضة» مصنّعة على قياس موسكو، والنظام السوري بعض الشيء (الأمر الذي أسفر منطقياً، عن تعطيل أي نتائج ملموسة لها، بالنظر إلى غياب «معارضة» أخرى مصنّعة على قياس واشنطن وأنقرة والرياض، مثلاً). والأرجح، في استطراد المنطق إياه، أنّ أستانة ـ 2 سوف تلقى المصير ذاته، رغم التفاهمات الروسية ـ التركية، بالنظر إلى التغييب الفعلي، وكذلك المواقف المتعارضة، لطهران والرياض؛ فضلاً عن فتور واشنطن، وانشغال الإدارة الجديدة بأمور داخلية أشدّ إلحاحاً بما لا يُقارن.
فإذا ردّ المرء أستانة ـ 2 إلى أصول الأسباب التي أتاحت إطلاقها، أي فكرة وقف إطلاق النار من حيث الشكل، والذهاب بالفكرة هذه ـ التي طُرحت في صيغة عسكرية محضة، مبعَدة عن السياسة إذا جاز القول ـ نحو ميدان سياسي يلاقي التفاهمات الروسية ـ التركية، من حيث المحتوى؛ فإنّ النتيجة يتوجب أن تسفر عن ميدان وسيط، بدوره، بين سلسلة «المرجعيات» آنفة الذكر. أو، في ما ينتظره ذاك الذي يحسن قراءة المشهد، وضع تلك «المرجعيات» على الرفّ؛ سواء مؤقتاً، ريثما تتكشف المعطيات اللاحقة عن خيارات أخرى، أو بصفة دائمة لا تُفرغها من مضامينها «المرجعية» فقط، بل تحيلها إلى تقاعد أبدي!
ذلك لأنّ الذاهبين إلى أستانة ـ 2، أياً كانت صفة «المعارضة» التي يزعمون أنها تميّزهم؛ لا يذهبون إلى العاصمة الكازاخية إلا لأنّ رعاتهم، في ألطف تعبير ممكن، بلغوا بهم، أو بشروط الرعاية، درجة لا رجعة عنها من حيث الالتزام والإلزام، لكي لا يتحدث المرء عن الطاعة والإجبار. أمّا النظام، وأياً كانت مقادير ما انحطّ إليه من ولاء واتباع، بين طهران وموسكو بصفة خاصة؛ فإنه لا يذهب إلا لأنّ هوامش مناورته ضاقت واستحكمت حلقاتها، عسكرياً واقتصادياً، وليس سياسياً فقط، وبات بالتالي أسير الاتفاق أو الشقاق بين الراعيين، الإيراني والروسي.
حكاية وقف إطلاق النار تمّ اختبار حقيقتها، في عشرات الميادين، ولم يكن النظام السوري هو وحده الذي ترجم الأكذوبة تلك إلى حقائق دامية على الأرض؛ إذْ تولى تكذيبها، أيضاً، الطيران الحربي الروسي، أسوة بالميليشيات الإيرانية المختلفة. الأمر الذي لا ينفي رغبة موسكو في إدارة تورّطها في سوريا، ومراجعته، عن طريق تسيير بعض عواقبه في أقنية سياسية تفاوضية، قد تكتسب ديناميكيتها الخاصة، من حيث تكييف التدخل والتكيّف معه. وهو أمر لا ينفي، كذلك، متغيرات السياسة التركية بصدد النظام السوري، ليس من وحي تصريح خفيف هنا وآخر أجوف هناك (من طراز ما صرّح به، ثمّ نفاه سريعاً، نائب رئيس الوزراء التركي محمد شيمشك، حول موقع بشار الأسد في التسوية)؛ بل من قلب التفاهمات الروسية ـ التركية، التي تتجاوز أستانة ـ 2، وربما الملفّ السوري بأسره، إلى قضايا ثنائية، جيو ـ سياسية وجيو ـ اقتصادية، لا تقلّ تعقيداً.
والأمر، ثالثاً، وفي استلهام مثل سوري شعبي شهير: الطبل في أستانة، وعرس الدم في… دير الزور!

“القدس العربي”

مشاركة