الضائقة التركية والتطبيع مع إسرائيل

10

شهدت الأيام القليلة الماضية خطوات متسارعة تمهيداً لإعادة تطبيع العلاقات بين تركيا وإسرائيل، بعد ست سنوات من التوتر الذي تلا هجوم إسرائيل على «قافلة الحرية»، في 31 أيار/مايو 2010، حيث قتل عشرة مواطنين أتراك على يد القوات الإسرائيلية.
فقد استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 8 شباط/فبراير، رئيس الجماعة الموسوية في تركيا اسحق إبراهيم زادة ووفداً من مؤسسة «مؤتمر الرؤساء» اليهودية الأمريكية. أما رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو فقد استقبل، بدوره، رؤساء الجمعيات اليهودية الأمريكية وممثلين من المجتمع المدني اليهودي في الولايات المتحدة. عقد الاجتماعان بعيداً عن الإعلام، ودارت تكهنات صحافية حول نقل إبراهيم زادة رسالة من بنيامين نتانياهو إلى مضيفه أردوغان.
ومن المفترض أن تكون عقدت جديدة من المباحثات السرية في إحدى المدن السويسرية، الأربعاء 10 شباط/فبراير، بين وفدين تركي وإسرائيلي بهدف إزالة العقبات أمام إعادة تطبيع العلاقات بين البلدين. ففي شهر كانون الأول 2015، عقدت جولة أولى بين الجانبين، أفادت التسريبات الإعلامية، حينذاك، عن خمس نقاط يتم العمل عليها:
تدفع إسرائيل مبلغ عشرين مليون دولار كتعويضات لعائلات القتلى والجرحى الأتراك في سفينة مرمرة الزرقاء بنتيجة الهجوم الإسرائيلي.
تعيين سفيرين للبلدين بالتقابل بما يعني عودة العلاقات الديبلوماسية إلى سابق عهدها الطبيعي قبل الهجوم المذكور.
تستصدر الحكومة التركية قانوناً من البرلمان تسقط بموجبه جميع الدعاوى القضائية المرفوعة ضد جنود وضباط إسرائيليين ممن شاركوا في الاعتداء على السفينة التركية، وتقطع الطريق أمام رفع دعاوى جديدة مماثلة.
وقف جميع أنشطة حركة حماس الفلسطينية في تركيا وإبعاد صلاح عروري عضو الجناح المسلح للحركة المذكورة من إسطنبول حيث مقر إقامته على ما تزعم إسرائيل.
بعد التوقيع على هذه البنود، تتعاون الدولتان في مجال الغاز الطبيعي، فتشتري تركيا الغاز الإسرائيلي ويتم تمديد أنابيب لتصديره إلى أوروبا عبر الأراضي التركية.
وتطالب تركيا برفع الحصار عن قطاع غزة كشرط لتطبيع العلاقات، الأمر الذي لا يتوقع أن توافق عليه إسرائيل. ومن المحتمل أن تضطر تركيا إلى التخلي عن هذا الشرط بسبب حاجتها الماسة، في الظروف الراهنة، إلى فتح ثغرة دبلوماسية مهمة تشكلها العلاقة مع إسرائيل. فالعلاقات التركية ـ الأمريكية ليست على ما يرام منذ بعض الوقت، بسبب التباين في سياسات البلدين إزاء الصراع الدائر في سوريا.
وقد وصل الأمر إلى حد استدعاء السفير الأمريكي في أنقرة، الثلاثاء، إلى وزارة الخارجية التركية لتبليغه باحتجاج تركيا على تصريحات أمريكية بشأن حزب الاتحاد الديمقراطي ـ الفرع السوري للعمال الكردستاني ـ اللذين تعتبرهما تركيا منظمتين إرهابيتين، في حين تقوم علاقات تحالف وثيق بين واشنطن والفرع السوري المشار إليه.
يزيد الطين بلة أن هذا الفتور التركي ـ الأمريكي، يأتي في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات التركية ـ الروسية توتراً شديداً، منذ إسقاط تركيا لطائرة سوخوي الروسية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وتسعى روسيا بصورة منهجية إلى إخراج تركيا تماماً من معادلات الصراع في سوريا. وفي هذا الإطار، يشكل تقدم القوات الحليفة لنظام دمشق الكيماوي في ريف حلب الشمالي، تحت مظلة القصف الجوي الروسي المركز، خطراً شديداً على الأمن القومي التركي لأن من شأن نجاح هذا المسار أن يقطع آخر خط لوجستي بين حلب والحدود التركية، ما يعني فعلاً إخراج تركيا من معادلات القوة في الصراع السوري.
فإذا أضفنا وقوف واشنطن إلى جانب حكومة حيدر العبادي في نزاعها مع تركيا حول وجود القوة العسكرية التركية في بعشيقا، واضطرار تركيا إلى سحب تلك القوة شمالاً إلى مناطق الحكم الفيدرالي الكردستاني، نكون أمام مشهد من العزلة التركية الخانقة التي قد لا تكفي النافذة التي يوفرها تحالف أنقرة مع الرياض والدوحة للتخفيف منها.
تدرك أنقرة أهمية العلاقة مع تل أبيب واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لتحسين علاقاتها مع واشنطن من جهة، وللسعي إلى إنهاء التوتر مع موسكو من جهة ثانية. فقد حاولت الحكومة التركية مراراً أن تفتح قنوات حوار مع القيادة الروسية لإنهاء الحالة العدائية الناشئة عن إسقاط الطائرة الروسية، ولم تفلح في ذلك. لعلها تأمل بدعم إسرائيلي لهذا المسعى في ظل التنسيق المعلن بين موسكو وتل أبيب في سوريا. ليس من قبيل المصادفات، في هذا الإطار، تركيز الصحافة الإسرائيلية على ما يشكله حصار محتمل لمدينة حلب من خطر على أمن إسرائيل!
يبدو الهجوم الإسرائيلي على قافلة الحرية، اليوم، حدثاً موغلاً في القدم، ليس فقط بسبب السنوات الست التي تفصلنا عنه، بل لأن ثورات «الربيع العربي» التي انطلقت من تونس، في أواخر العام نفسه، وامتدت إلى بلدان عربية أخرى خلال فترة قصيرة، قد غيرت كل شيء في هذه المنطقة الملتهبة. وتبدو تركيا التي استثمرت في تلك الثورات واحدة من أكبر الخاسرين، على الأقل إلى الآن.

٭ كاتب سوري

بكر صدقي

القدس العربي

مشاركة