«الخائفون» للروائية السورية ديمة ونوس: عن الوحش الذي استيقظ في الداخل: المثنى الشيخ عطية

72

يدرك النقاد، والمشتغلون بالنقد من زوايا قراءات النصوص، على اختلاف مناهجهم النقدية، أنهم لا يملكون كلياً قدرة التحكم في إخضاع النص للمنهج الذي يطبقونه عليه، مهما كانت صرامته. فالنصوص الإبداعية لها طرقها أيضاً في توجيه النقاد للدروب التي تكشف لهم ولقرائهم من خلالهم، أبعاداً أخرى تضيء معارفهم، وتفكك عقد ما استعصى على قدراتهم، وقد تملك نصوص إبداعية خارجة من ضغوطات التحدي ملكة منح النقاد أسلحة جديدة أمضى لمناهجهم في تحليل النصوص.
رواية «الخائفون» للسورية ديمة ونوس، هي أحد الأعمال الفنية الرفيعة التي تجبر النقد الانطباعي القيمي، كما النقد البنيوي الشكلي، على معاملتها بما أرادت له، من قفز فوق فخ وضعها في دائرة إلحاق حياة المؤلف بنصه، رغم سيرها على صراط المغامرة في ذلك، ومن تجاوز لتحليل اللاوعي الذي قامت به عند الفرد، إلى تحليل الجماعات، التي سلكت سلوك فرد واحد تقريباً، كجلادين أو كضحايا، في لحظة قاهرة من تاريخ سوريا، هيمن فيها الخوف على الجلادين من انتزاع مصالحهم، ويا للهول، لكي يدفعهم الخوف إلى تغير صادم، انبثق فيه وحش دواخلهم الذي كان ينتظر فرصة شهر أنيابه لتمزيق الإنسانية فيهم وفي الآخر القريب أو الجار أو ابن الطائفة الأخرى الذي يشاركهم العيش في نفس المكان. كما هيمن فيها الخوف على الضحايا، من رعب تكرار ذبحهم، الذي شهدوا هوله في مجزرة حماة على يد حافظ الأسد، ومن محاولات نجاتهم، بعد كسر طوق الخوف بنداء الثورة لإسقاط النظام، ومن مقاوماتهم المختلفة لأشكال المحق التي يمارسها النظام وحلفاؤه عليهم في المعتقلات، ولفنونه في تهجيرهم بشتى بقاع الأرض، ولدثره لهم بفعل الصواريخ والبراميل المتفجرة، ولمحاولاته التي لا تتوقف عن محوهم، بما يتجاوز تفجير مكانهم إلى نثر تاريخه كغبار.
ويرتقي تداخل الفردي بالجماعي في هذه الرواية إلى محاولة الروائية الناجحة في وضعها ضمن بنية مبتكرة بسيطة ومعقدة بذات الوقت، لكنها ذات دلالة، وتتمحور حول الخوف الفردي الذي يتكشف عن خوف جماعي، محدد بأزمنة وأمكنة ومستويات تتماثل فيها أشكاله. وتعكس البنية واقع هذا التداخل بنجاح لم يخلُ من بعض الجراح في تكوينها، كما هو واضح ضمن حقل ألغام مرايا الحياة الشخصية والجماعية للمؤلفة والراوية والشخصيات، ومرايا تعقد المسألة السورية الجلية إلى حد الغبش.
في بنيتها البسيطة التي يستقل فيها النص عن المؤلف، لكشف مستويات الخوف الذي عانى منه السوريون قبل وخلال الثورة السورية، تجري الرواية، بسرد مباشر من قبل فتاة (سنّية) هي سليمى، عن نفسها وعن الناس الذين ترتبط بهم، وعن حالات خوفها وخوفهم. ويتقاطع سردها مع سرد شخصية روائية تدعى سلمى عن نفسها في رواية غير مكتملة موجودة بأوراق ودفاتر تركها لها حبيبها الذي هاجر إلى ألمانيا خوفاً من ممارسات النظام زمن الثورة. وتكتشف هي وتجعلنا نكتشف معها أن سلمى التي تتحدث في الرواية هي فتاة حقيقية تخرجت من كلية الحقوق، وهاجرت إلى بيروت خوفاً وهرباً من غضب أهل أبيها العلويين المرتبطين بالنظام عليها، وتهديدهم لها بالقتل لأنها لا تتفق معهم في موقفها من الثورة. وتتصل سلمى بالفتاة، وتسافر للقائها في بيروت، لكنها تنكص عن لقائها في الموعد الذي ضربته لها، وتراقبها خلسة وهي جالسة في انتظارها بالمقهى من بعيد. ونكتشف من خلال السرد ومن خلال تصريحات الراوية سليمى عن شخصية سلمى التي تشبهها أنها هي نفسها، ولكن بتغيير الطائفة والعائلة.
في بنيتها العميقة، على مستوى الشخصيات الرئيسية في الرواية: سليمى/ الراوية، نسيم/ حبيب سليمى، سلمى/ بطلة أوراق ودفاتر نسيم؛ والشخصيات المساندة: الطبيب النفسي كميل، الجدات والأجداد، الأمهات والآباء، الأقارب وأبناؤهم… تقيم ديمة ونوس علاقات متشابكة لتصوير الحياة الاجتماعية السورية تحت ظل الخوف الذي هيمن عليها زمن حافظ وبشار الأسد، وترصد التغيرات على الشخصيات، عندما ينتفض المضطهدون وتتهدد مصالح المضطهِدين من أهل النظام: «ابن عمي الكبير كان مهندساً. كنا صديقين، نلتقي كل شهرين أو ثلاثة. يزورنا في بيتنا في دمشق ويقضي الليل عندنا، نسهر وندردش. زوجته من اللاذقية وأهلها «شبيحة». لم تكن علاقتهما جيدة. حاول الانفصال عنها لكنهم هددوه بالقتل، فانصرف عن الفكرة. عاش معها غصباً عنه، وكان معارضاً. قال لي بعد سنتين من الثورة إنه قتل تسعة أشخاص، ولا مانع لديه من أن أكون العاشرة. في آخر زيارة لي إلى دمشق، قبل أن يفك كميل أسري، ويطلقني إلى الحياة كائناً طبيعياً وسوياً استعدت معه حديثاً قديماً عن أن حياتي مملوءة بالنساء، وأن الرجال في عائلتي كانوا إما مرضى أو معوقين أو راحلين… في تلك الزيارة الأخيرة، أضفت: أو قتلة. ارتعشت عينا كميل، واستطعت أن ألمح تلك الارتعاشة من وراء الدخان الكثيف. أتكون هذه الجملة هي ما جعل كميل يحررني من زيارته ليحميني من المجيء إلى دمشق؟ وكأنه يقول لي: عودي إلى بيروت ولا ترجعي إلى دمشق. كان ذلك قبل شهرين من حادثة ابنة عمتي الكبرى التي كتبت لي رسالة تقول فيها: لا أتمنى أن يقتلوا أمك، لا، بل أتمنى أن يغتصبوك أمام عينيها ويذبحوك لتعيش حياتها معذبة. نعم هذا ما كتبته ابنة عمتي الكبرى، الوحيدة بين أخواتها الثلاث الحاصلة على شهادة جامعية بالأدب الإنكليزي، والتي تدرس الإنكليزية في طرطوس».
أمنية تصيب الساردة بنوبة هلع، جعلتها ترتجف بين الكلمات: «ثمة جرعة عنف لا أقوى على احتمالها. كيف أوصلنا الاختلاف إلى هذا الحد؟ هل ينام الإنسان إنساناً، ويستفيق وحشاً؟ أم أن ذلك الوحش كان مختبئاً يلوذ بجسد امرأة متعلمة ومحبة وتدعي الرقة، وقرر الخروج مهما كلفه الأمر. وماذا كلفه الأمر؟ لا شيء. لقد تعاطفت معه الوحوش الأخرى».
ذلك الوحش خرج من فم ابنة العمة الكبرى، و»أخرج باقي الوحوش ورماها دفعة واحدة في وجهي، وفي وجوه باقي أفراد العائلة المختلفين عنهم. وأنا التي ظننت دائماً أن روحي هي وحدها تسبح في جسدي، نبت وحش صغير في داخلي». وأيضاً، تتابع الساردة: «تمنيت موتها بعد أن قرأت المقطع الذي كتبته. صحيح أنني لم أتمن أن تموت ذبحاً ولا اغتصابا»، لكنني تمنيت موتها! وهذا يكفي. هذا القدر من التوحش يكفي، لأعلم أننا لن نعيش معاً بعد الآن، لا نريد أن نعيش معاً في الواقع. فمن منا يلائمه العيش مع وحش وقاتل؟».
وتستعين ديمة ونوس من أجل إبراز مستويات الخوف في سلوك السوريين وفي ردود الأفعال سواء لدى الجلادين والضحايا، بلمسات من لويجي بيرانديللو في عرض الشخصيات لذاتها، مع تطوير وتبادل للأدوار بين المؤلف وشخصياته، حيث تعرض شخصية سلمى الروائية شخصية المؤلف، وحالتها في فقدان الأب، مع إغناء هذا الفقد بتغيير الأب من ظل التحرر لدى الكاتب الحر إلى ظل الخوف لدى الطبيب الذي شهد المجزرة.
وفي بنيتها العميقة على مستوى اللغة تُدخل ديمة ونوس اللهجة العلوية على لسان الشخصيات التي تنتمي للطائفة العلوية، مع شرح عميق لسلطة لغة الحاكم وإثارتها للخوف داخل المحكومين، ومسخها للخائفين إلى ارتداء قناعها. وفي هذا المستوى تقترب رواية «الخائفون» من تموضعها كنموذج فني رفيع عن البنية التكوينية للرواية على صعيد إبداعها، وعلى صعيد نقدها وتأثيرها في النقد كذلك.
في إجراء المقاطعات الحيادية بين علاقة شخصيات الرواية بمؤلفها، والتي تغني المعرفة بأسرار تركيب هذه الرواية المميزة، وإن لم تدخل في الحكم على إبداعيتها، تبرز علاقة شخصية سلمى بأبيها، وعيشها شبح فقده والحرمان من حنانه طيلة مرضه، وإصابتها بعقدة نكران موته كمثبط لانطلاقها. ذلك يجسد علاقة ديمة ونوس بأبيها المبدع المسرحي المعروف سعد الله ونوس، الذي سخر في مؤلفاته من الحكام والخائفين والمطبلين ومن انتهازيي الفرص، دون إقحامٍ أو تمجيدٍ بما لا يخص فن الرواية، ولكن أيضاً بتثبيت صفة المعارض المطلوب رأسه من قبل أجهزة مخابرات نظام بشار الأسد، رغم وفاته قبل ما يقارب الخمسة عشر عاماً على اندلاع الثورة. وقد يكفي هذا لمعرفة ما كان سيكون عليه موقف مؤلف «مغامرة رأس المملوك جابر»، من الثورة السورية.
ديمة نوس: «الخائفون»
دار الآداب، بيروت 2017
176 صفحة.

مشاركة