الانتفاضة السورية: ألم تكن محتومة… وهكذا تبقى؟

170

صبحي حديدي

بات السؤال شائعاً: هل كان الأمر يستحق كلّ هذا الدم والخراب والتشريد والتشرذم في سوريا؟ وبين حسن النيّة وسوئها، والبحث الجادّ عن إجابة «علمية» أو تخطئة الماضي من باب الشماتة، أو تسجيل منطقة (رمادية، بالضرورة) بين انتصار هذا الطرف أو هزيمة ذاك؛ تظلّ أرضية السؤال مفخخة بعشرات الأسئلة الأخرى، حمّالة الجدّ والشماتة معاً، والدفاع الأخلاقي عن الحقّ البسيط مقابل التشكيك اللاأخلاقي في مبتدأ أيّ حقّ قياساً على منتهاه. من جانبي شخصياً، وكلما طُرح عليّ السؤال، أجدني أعود إلى الصوفي الدمشقي عبد الغني النابلسي، الذي أطلق منذ القرن السابع عشر تلك الحكمة الصائبة، المترعة بحسّ المفارقة القصوى: ألقاه في اليمّ مكتوفاً وقال له/ إياك إياك أن تبتلّ بالماء!
قبل سبع سنوات، في آذار (مارس) 2011، تكاتفت عناصر عديدة دفعت ملايين السوريين إلى الانتفاض على نظام نهض، طيلة 41 سنة، على نظام بربري فاشيّ، أركانه الاستبداد والفساد والحكم العائلي وتسلط الأجهزة والدوس على الكرامة والحقّ والقانون (بموجب «الدستور»، ذاته، الذي سنّه حافظ الأسد كي يلبّي العسف والنهب تحديداً). بعض العناصر كان قديماً متأصلاً، صنعته تلك الأركان عاماً بعد عام، وبعضها الآخر استجدّ داخلياً، مثل تبلور حراك شبابي ناشط اجتماعياً (حول مخيمات النزوح من مناطق الجفاف إلى محيط العاصمة دمشق)، واحتجاجي سياسياً (بدأ من الاعتصامات أمام السفارة الليبية، ثم استثمر تظاهرة الحريقة الشهيرة، قبل أن ينطلق من المسجد الأموي ودرعا البلد…)؛ وبعضها، الثالث، كان انعكاساً تلقائياً لمشاهد الانتفاضات الشعبية في مصر وتونس وليبيا واليمن والبحرين.
وقبل أن يرتفع شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، كان الشعار الأبكر يعلن انّ «الشعب السوري ما بينذل»؛ الأمر الذي استلهم حسّ الكرامة، واعتبارات المواطنة، ومبدأ الحقّ المدني، وهذه وسواها كانت تفضي بالضرورة إلى مآل جوهري محتوم، أياً كان تفسير المرء للصفة الحتمية هنا: تغيير النظام. وفي متابعتي شخصياً للإجابة عن السؤال الرائج، أعلاه، كنت وأظلّ أقول إنّ جميع الوقائع التي أعقبت انطلاق الانتفاضة، من انتصارات أو هزائم، ومحطات أمل أو يأس، وخيارات انتفاض ظلّ سلمياً ومدنياً وديمقراطياً وسورياً وآخر تَعَسْكَر وتَأَسْلَم جهادياً وانقلب على روح مطالب التغيير وارتبط بهذه الجهة الخارجية أو تلك… كلّ هذه التطورات، أو سواها، هي نتاج تلك السردية الكبرى العليا: أنّ ملايين السوريين استقروا على التغيير الجوهري، وطيّ صفحة هذا النظام، والتطلع إلى سوريا أخرى ديمقراطية مدنية، يتمتع مواطنها بالحرّية والكرامة والمساواة وسيادة القانون.
وليس من باب السفسطة، أو محاذرة النقد الذاتي، أو الترفع عن المماحكة وتبادل الاتهام والاستفزاز؛ أنّ المرء، إذْ يرقب المشهد الراهن في سوريا، يستعيد مناخات تلك الأطوار المبكرة، على خلفية سؤال آخر (شاع بدوره، خلال مرحلة سابقة): مَنْ كان يتوقع كلّ هذا، أو حتى نصف معطياته، من انفجار التنظيمات الجهادية والميليشيات الغريبة، سواء أعلنت هوية سنّية أو شيعية؛ إلى تدخل إيران المباشر، سواء عبر «حزب الله» أو «الحرس الثوري»؛ ثمّ التدخّل العسكري الروسي، وما اقترن به من استخدام/ تجريب للأسلحة الاشدّ فتكاً في ترسانة قوة كونية عظمى؛ وصولاً إلى التدخل التركي، الذي مزج بين سياسة وضع اليد على «المعارضة» الرسمية الاسطنبولية والمقايضة بها وعليها، وصولاً إلى غزو مناطق الشمال غرب الفرات وعفرين وإدلب؟
ثانياً، إذا كان البعض قد أجاز التكهّن بأنّ نظام بشار الأسد لن يتورّع عن استخدام أية قوّة ردع نارية يمتلكها، مدفعية وصاروخية وكيميائية، أرضاً وجوّاً وبحراً؛ فهل انطوى ذلك التكهن على مقدار التبعية المطلقة التي انحدر إليها النظام، في تسليم البلد إلى حلفائه العسكريين، خاصة روسيا وإيران، بحيث بات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (ثمّ أمثال حسن نصر الله وقاسم سليماني…) بمثابة ناطقين عن الوضع في سوريا، بالأصالة عن أنفسهم، حتى دون حدّ أدنى من اللباقة في النطق نيابة عن النظام؟ وفي المقابل، وإذا صحّ أنّ «المعارضة» السورية الرسمية، الخارجية دائماً، قدّمت تباشير صريحة عن زيف ادعاءاتها بتمثيل الشعب السوري، وعن مقدار الادقاع في أدائها السياسي، عبر «المجلس الوطني» ثمّ «الائتلاف»، فـ»الهيئة العليا للتفاوض» وعشرات «الدكاكين» السياسية والإعلامية التي تفرخت عنها؛ فهل كان منتظَراً منها كلّ هذا الانحطاط، حقاً؟
ثالثاً، إذا أباح المرء ذاته إسقاط جميع الأوهام التي عُلّقت على «المجتمع الدولي»، سواء الأنظمة العربية، أو السياسات الغربية المختلفة، أو مؤتمرات «أصدقاء سوريا» هنا وهناك، التي لم تقطع تماماً مع النظام حتى في ذروة تهليلها للانتفاضة الشعبية وتبشيرها بقرب سقوط النظام؛ فهل كانت أفضل التوقعات تشير إلى كلّ هذه القحّة في الاستهانة بدماء السوريين، وخراب البلد، وعربدة القوى الخارجية في أرجائه، لمجرّد أنّ مقتضيات الـRealpolitik العتيقة تستوجب الصمت هنا، أو الاتجار هناك، أو التواطؤ في منزلة بينهما؟ ألم يتأخر الغرب، والولايات المتحدة على رأسه، في إدراك فداحة الانفجار السوري إلا بعد تضخّم أسطورة «داعش»، وتواتر مشاهد الاختطاف والذبح والحرق مباشرة على شاشات التلفزة؟ ألا يواصل الغرب ممارسة تلك التجارة اليوم أيضاً، مع روسيا وإيران وتركيا؟
أخيراً، تحت ذريعة مناهضة الجهاديين والإسلاميين المتشددين الذين «صادروا» الانتفاضة الشعبية السورية، والبعض يذهب أبعد فيعيد «المصادرة» إلى جذر أوّل هو خروج أولى التظاهرات من المساجد؛ أسقطت شرائح واسعة من اليسار، العربي وغير العربي، سردية الشعب السوري التي بدأت من مطلب التغيير الجوهري، وتخلت بالتالي عن مساندة الانتفاضة، وهذا مآل قادها تلقائياً إلى النوم في فراش النظام السوري. للمرء أن يبدأ من فيلسوف ماركسي ما بعد ـ حداثي مثل السلوفيني سلافوي جيجيك (الذي كان موقفه في تفضيل دونالد ترامب على هيلاري كلنتون، قياساً على رفضه اتهام نظام الأسد باستخدام السلاح الكيميائي، قد مدّ بعض السوريين بالعزاء، للمفارقة!)؛ أو البريطاني ـ الباكستاني طارق علي (الذي اعتبر، منذ العام 2012، أن ما يجري في سوريا «استعمار جديد» تمارسه أمريكا وبريطانيا، وهو اليوم يسكت عن أي «استعمار جديد» تمارسه روسيا أو إيران)؛ أو الفرنسي جان ـ لوك ملنشون، الذي يعلّق الآمال على بوتين، ويرفض نشر صور الأهوال في الغوطة الشرقية لأنها غير قابلة للتدقيق من المصدر!)…
يبقى، ما دامت هذه السطور تسير في سياق إيضاح موقف شخصي، التشديد على موقف آمنت به منذ الأسابيع الأولى لخروج الشعب السوري إلى الشوارع، في آذار (مارس) 2011: أنّ الانتفاضة فعل شعبي معقد، أكثر بكثير مما يظنّ الأصدقاء والخصوم، وأشدّ انطواء على سيرورات شتى مركبة لا ينفع معها تطبيق أيّ مبدأ مانوي: الأبيض أو الأسود، السلمية أو العسكرة، الاستقلال عن القوى الخارجية أو الارتهان لها، التمسك بسراط الوحدة الوطنية أو الانحراف نحو تخندقات طائفية أو دينية أو إثنية أو مناطقية. ولأنها فعل شعبي معقد، فهي بالتالي تكوّن اجتماعي بامتياز يمكن أن يَنْقُض، في كثير أو قليل، أية «وصفة» مسبقة الصنع، خالية تماماً من العثرات والأخطاء والانحرافات.
لقد كانت محتومة ساعة انطلاقها، وهي تظلّ كذلك، بالمعنى التاريخي الأعمق بادئ ذي بدء؛ ثمّ، أيضاً، بمعنى قانون المفارقة الذي شخّصه المتصوّف الدمشقي، عن شعب أُلقي به مكتوفاً في يمّ الدماء، وطولب أن يسبح ضدّ كلّ تيارات الهمجية والفاشية، الداخلية والخارجية؛ وأن يخرج نظيفاً ناصعاً… غير مبلل!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

مشاركة