“يزدي” وسيناريوهات الإطاحة بخامنئي والنظام الإيراني

9

بقلم: د.نبيل العتوم – 2015-12-30 

تابوت القداسة الإلهية لولي الفقيه ..  كُسر أخيراً بشكل معلن، وانتقل معه  الصراع والمشاحنات السياسية في إيران إلى الملأ لتقسيم المغانم، وتصفية الحسابات مع الخصوم، وهذا يؤكد أن النظام الإيراني قد بدأ بالتآكل من الداخل.

 إذاً هو الصراع والتناحر؛ ساعة الصراع على أعلى منصب سياسي وديني في إيران دقّت فعلاً, معلنة قرب رحيل القائد. المعسكر المحافظ يريد الإمساك والتشبث بمقاليد الأمور بقوة مهما كلف الأمر، وبموازاة ذلك يسعى الإصلاحيون للعودة إلى المشهد السياسي مستغلين ما تعانية إيران من ظروف ومتغيرات داخلية وخارجية قد تعصف بالنظام برمته؛ خصوصاً بعد أن نجح الرئيس السابق نجاد وفريقه في نشر غسيل النظام الإيراني وفساد نخبه السياسية والأمنية والعسكرية .

تولى خامنئي منصبه مرشدًا أعلى لإيران عام 1989، عقب وفاة “آية  الله الخميني” الذي أسس نظام الجمهورية الإسلامية على أنقاض نظام الشاه، حيث بدأت حدة الصراع في إيران تزداد، وبدا المشهد السياسي الداخلي على صفيح ساخن بعد أن خضع المرشد الأعلى؛ خامنئي لجراحة سرطان البروستات في الثامن من سبتمبر من هذا العام، حيث أثيرت التكهنات حول وضعه الصحي، وبدا أن حظوظ بقائه على قيد الحياة, وهو الذي يبلغ الـ76 من العمر, هي أقل من سنة ونصف سنة في أحسن الأحوال حسب رأي الأطباء المشرفين عليه، وقد ازداد وضعه الصحي تدهوراً يوماً بعد يوم بعد انتشار السرطان في أجزاء جسده، مما جعله يغيب عن كثير من المناسبات والفعاليات المهمة، الأمر الذي يطرح كثيرًا من التساؤلات حول مدى قدرة خامنئي على الاستمرار في مهامه وممارسة سلطاته؛ في ظل عدم وجود نائبٍ يقوم مكانه في ممارسة هذه الصلاحيات.

الولي الفقيه الذي يطلق عليه الإيرانيون مسمى ” رهبر انقلاب إسلامي” “قائد الثورة الإسلامية” يحظى بصلاحيات دستورية واسعة بدءًا من القيادة العامة للقوات المسلحة، وتعيين رئيس السلطة القضائية والمصادقة على صلاحيات رئيس الجمهورية بعد انتخابه، وتعيين رئيس مجلس صيانة الدستور ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، كما يحق له إلغاء قرارات البرلمان وإعلان الحرب والسلم، فهذه الصلاحيات في مجملها تجعل غياب المرشد يحدث فراغاً في غاية الأهمية.

 لا شك أن الاستعدادات قد بدأت لمرحلة ما بعد  خامنئي، والتفكير بكل السيناريوهات لتفادي الفراغ القيادي، الذي من شأنه أن يؤثر بشكل  مصيري وحاسم على النظام واستقراره، سيما وأن قيادة خامنئي خلال 25 سنة أدت إلى سيطرته على كافة مفاصل الدولة والثورة، وتوجيه مساراتها وفق ما يرتضيه دون السماح للخصوم بالمشاركة معه؛ خصوصاً ما يتعلق بالقرارات المصيرية للنظام؛ لذا فإن غيابه ومجيء شخص لا يحظى بسلطة كافية على رأس هذه الأجهزة المتعددة والموازية للحكومة التي يتزعمها رئيس الجمهورية سيُعمّق الصراعات في النظام الإيراني ويفاقمها.

الصراعات على خلافة خامنئي بدأت مبكرة، وبشكل معلن هذه المرة، حيث بدأت السيناريوهات حول خليفة خامنئي تظهر لساحة السجال السياسي دون ردة فعل من خامنئي نفسه، الذي بدا في أضعف حالاته، مستسلماً لقدره المحتوم الذي أشغله عن الرد، وشغل المؤسسات التي كانت تُمثل سلاحه الضارب للتعامل مع الخصوم والفرقاء؛ وفي مقدمتها الحرس الثوري، الذي دخل هو الأخر على خط الصراع غير المعلن لاختيار الشخص المناسب للحفاظ على مصالحه وامتيازاته غير المحدودة، أو ربما أراد خامنئي من خلال إبقاء هذا السجال دون تدخل، إشغال الساحة السياسية بهذا الحدث، على افتراض كونه قد نجح في تأجيج الخلافات ليخرج بحل سحري كعادته من خلال اختيار خليفة له دفعاً للصراعات والتناحر، وحفاظاً على مصالح حلفائه والمقربين الذين سيتعهدون بالحفاظ على الإمبراطورية الاقتصادية التي نجحت أسرة خامنئي خلال فترة حكمه لإيران ببنائها، والتي تصل لعشرات المليارات من الدولارات.

 الملفت كذلك أن إيران تشهد صراعاً متزايداً على خلافة خامنئي وفق مقياس متعدد الدرجات، تزامنًا مع قرب انتهاء الدورة الحالية لمجلس خبراء القيادة المكلف بانتخاب خليفة المرشد، والتي تنتهي في العام الراهن، لذا  فإن أعمال الدورة القادمة للمجلس ستكون في غاية الدقة والحساسية، لأنه المعني قانوناً باختيار خلفٍ لخامنئي قبل وفاته، أو بعدها.

بورصة الأسماء

هناك بورصة أسماء تدور التكهنات حولها لتقلد ولاية الفقيه؛ بدءاً من مجتبى خامنئي؛ نجل المرشد الحالي؛ رجل المال والاقتصاد الذي لا يحظى بأي دراية علمية، وغير موجود أساساً ضمن الحسابات،

 وهاشمي رفسنجاني الذي يطمح لتولي هذا المنصب المهم على اعتبار أنه أحق الناس به،

 وصولاً إلى آية الله محمود هاشمي شاهرودي المتهم بكونه عراقي الأصل، والرئيس السابق للسلطة القضائية

 وصادق لاريجاني الرئيس الحالي للسلطة القضائية المولود في العراق والمرفوض من الحرس أيضاً لهذا السبب،

 ورجل الدين الطامح آية الله جوادي آملي،

 وآية الله محمد تقي مصباح يزدي المقرب من المرشد وعضو مجلس الخبراء،

 إضافة إلى رجل الدين المتشدد أحمد جنتي، الذي تخشى مؤسسات الدولة أن يؤدي تنصيبه إلى تدهور العلاقات مع الخارج نظراً لخطابه المتشدد.

تخبط داخل مؤسسات النظام

وفي إطار الصراع على السلطة فإن سياسات ما قبل تتويج المرشد الجديد تُظهر عدداً من الاحداث والتطورات الدرماتيكية التي تعكس تخبطاً داخل مؤسسات النظام.

أولها :عملية تطهير واسعة لآيات الله  من رجال الدين المعتدلين الذين كانوا عبروا عن رغبتهم في الترشح لخلافة المرشد الأعلى؛ وعلى سبيل المثال، فقد أطلق صادق لاريجاني رئيس السلطة القضائية مؤخرًا تحقيقًا قضائيًا في مزاعم الفساد التي وجهت إلى آية الله هاشمي شاهرودي، وهو حليف رئيسي للرئيس السابق المعتدل، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، حيث أراد لاريجاني من خلال هذا التحقيق، قطع الطريق على فرص شاهرودي للوصول إلى موقع القيادة.

ثانيها: استبق رفسنجاني ودق ناقوس الخطر من خلال لقاء أجرته معه صحيفة “جمهوري إسلامي” المحسوبة على المرشد من ممارسة سياسة التصفيات السياسية بين الفرقاء، والمفروض أن هذا لم يكن ليتم لولا الضوء الأخضر من خامنئي نفسه، والاتفاق على فحوى الرسالة التي يراد توجيهها للشعب الإيراني ومؤسساته؛ حيث نبه رفسنجاني في المقابلة، إلى خطورة ما يجري حالياً في إيران، وضرورة الاستعداد لبحث مستقبل ولاية الفقيه مفترضاً وفاة خامنئي، مطالباً بالاستعداد لاختيار الشخص المناسب الذي  يحظى بالخلفية الثورية والاجتهاد ومعرفة ما تعيشه إيران من ظروف وما يحيط بها من متغيرات، مطالباً بالوقت نفسه القوات المسلحة بكافة فروعها إدراك حقيقة ذلك، في رسالة واضحة للمطالبة بدعم التوجه لاختيار القائد قبل الوصول لمرحلة وفاة خامنئي بشكل مفاجىء . 

 ثالثها: مفاجأة رفسنجاني التي أطلقها أثناء الحوار باقتراح  فكرة تأسيس “مجلس قيادي” بدلاً من انتخاب مرشد، وأنه لا يتم إدارة أمور الدولة الإيرانية بدون مثل هذا المجلس.

هذا التصريح يحمل في طياته خلافاً عميقاً على اختيار المرشد القادم من ناحية، ويعكس ضرورة وجود مجلس ممثل لمختلف القوى الصلبة في مؤسسات الحكم لدرء أي خلاف قد ينشب بينها مستقبلاً. فمن المعروف أن رفسنجاني هو مهندس السياسة الإيرانية الذي يمثل الخط البراجماتي، والحريص على بقاء الدولة وفق مصالحها القومية والمذهبية، وبشكل يضمن عدم تفككها،( إذ أن هناك حالة رعب غير مسبوقة من تفكك هذه الدولة ودخولها في حرب أهلية داخلية)، شريطة الاعتراف بدوره مستقبلاً وإلا سيقلب الطاولة على الخصوم  .

من جانبه أيد عضو مجلس خبراء القيادة قربان علي دري نجف آبادي دعوة رفسنجاني تلك، مؤكداً على أهمية ضرورة اختيار المرشد القادم  والاتفاق عليه .

رابعها: التصريح الناري الذي أطلقه آية الله محمد تقی مصباح یزدی، عضو مجلس “خبرگان رهبری” أو “خبراء القيادة “، والذي تقاطع فيه مع رؤية رفسنجاني في بعض نقاطها المتعلقة بمجلس القيادة، حيث تحدث يزدي عن معلومات مؤكدة لديه أن هناك ترتيبات تتم بشكل سري من جانب قيادات نافذة في النظام الإيراني بالاتفاق مع بعض أعضاء مجلس الخبراء، سوف يكون لها تداعيات خطيرة على النظام الإيراني، حيث أشار صراحة  أن عناصر هذا المخطط تتمثل بـ :

 1- العنصر الأول: تهيئة الأرضية لعزل خامنئي بحجة تدهور  ظروفه الصحية وعدم قدرته على أداء مهامه، وهذه الخطة جاهزة للتنفيذ .

2- العنصر الثاني لهذا المخطط : تنظيم استفتاء عام على شكل نظام الحكم بعد عزل خامنئي، مؤكداً أن نتائج هذا الأمر ستكون له تداعيات خطيرة على النظام سياسياً وعسكرياً وعقائدياً وفكرياً ، معتبراً أن خطر الإطاحة بنظام ولاية الفقيه بهذا الشكل يُوازي الإشراك بالله تعالى .

3- مطالبة “يزدي” مؤسسات الدولة والثورة بالوقوف بوجه هذا المخطط “الشيطاني الذي يأتي بدعم خارجي غربي” ، لتحقيق سيطرته على إيران ومن ثم  المنطقة والعالم.

إذاً الأيام القادمة حبلى بالتطورات، وإنّ غداً لناظره قريب .

……………….

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

مشاركة