هل المشكلة في الجينات، أم في موضع آخر؟

311

لم يعد الحديث عن سيناريوهات مستقبلية لسورية يقبل صيغة الجمع لموضوعه؛ فقد بات حصر الاحتمالات جهدًا نظريًا لا طائل منه، وما ذلك إلا لأن المعطيات لم تعد تتسع لأكثر من احتمالين واقعيين، وما الإضافة إليها إلا حديث رغبويٌّ، أو تحذلقٌ سياسيٌّ اعتاد المحللون السياسيون السوريون على الشغف به، بعد أن أثبتت الأحداث قلة باعهم، وهزال مخرجات نشاطهم النظريّ والعمليّ.

هذان الاحتمالان هما: المشروع الأمريكيّ، والمشروع الروسيّ.

الأول يقوم على خطة من ركنين أساسيين:

 وقف إطلاق النار، والشروع في تنفيذ المناطق الآمنة، والركن الثاني ينطوي ضمنًا على فرض الفيدرالية.

والثاني يقوم على ثلاثة أركان هي:

وقف إطلاق النار، وصياغة دستور، وإجراء انتخابات قد يكون من نتائجها رحيل رأس النظام السوري.

والقواسم المشتركة بين المشروعين، كما هو ظاهر هو وقف إطلاق النار، وكما هو مستبطن ترك الساحة العربية السنية في حال الصراع إلى أن توجد إرادة لدى قادة الرأي فيها للتوحّد لمحاربة داعش والنصرة، وصرف النظر عما دأب المحللون غير العالمين بالتفاصيل على التبشير به، وهو حكومة الوحدة الوطنية.

وأغلب الظن أن المشروع الأمريكي هو الذي سيستحيل واقعًا؛ الأمر الذي يعني أن أمد الصراع لا يزال طويلًا، وأن التقسيم الواقع على الأرض سيكون، مقنّنًا، ولازمًا عن إرادة دولية.

لن نخوض طويلًا فيما أصبح معروفًا لدى الجميع، وهو فقداننا كمعارضة سياسية لأدوات العمل السياسي، وهو ما لا يحتاج إلى إثبات؛ لأن في النتائج ما هو كفيل بجعله امرًا مفروغًا منه، ولا داعي لتأكيد المؤكد، وهو أن الأطياف السياسية السورية المعارضة ليست متمثلة لشعاراتها، ولا قادرة على الانفكاك من أسر أيديولوجياتها، فست سنوات من الكارثة السورية قد جعلت هذا الأمر ملء السمع والبصر.

ولكن ما نظنه أمرًا ملحًا في ظل عجزنا عن التصدي للمشروع الذي يرجّح أن يكون، هو الحفر في البنية المجتمعية التي أفرزت هذا الجدب السياسي والفكري، وخلقت هذا التخندق الأيديولوجي، وعناصر هذه البنية المتصدعة التي لا يكفي لتفسيرها صبّ اللوم على نظام الاستبداد، وما أحدثه فيها من تشوّهات، وإن كان هذا العامل حقيقيًا، وأساسيًا.

ستّ سنوات من التغريبة السورية، ولا يزال السوريون في بلدان اللجوء غير قادرين على صنع حالة تنظيمية تسترشد ببوصلة واحدة، ويوجهها انتماء وطني متعالٍ على الانتماءات ما قبل الوطنية.

ستّ سنوات من المأساة، ولا تزال الهوية التي يعرّف بها الفرد نفسه هوية يحددها الانتماء المناطقيّ، والأيديولوجيّ، والعائليّ، وغيرها من الهويات الضيقة.

ستّ سنوات من الدمار، ولا يزال القادرون على دعم الثورة السورية من أبنائها غير معنيّين بدعمها في أسوأ الأحوال، أو غير محددين للسبيل الأنجع لذلك.

الدولة التي أدخلنا مؤسساتها بشكل تجزيئي بعد الاستقلال؛ استجابة لضغوط وظروف خارجية، ولم نصنعها؛ تلبية لظروفنا تتحول اليوم إلى شكل آخر، ولكن الفرق أنها هذه المرة تأخذ شكلها الجديد بفقدان للقليل من الإرادة التي امتلكها أسلافنا عندما أسسوا الدولة التي نعرفها.

العمل اليوم على البنية المجتمعية ورأب صدوعها، هو الذي يمكن أن يكون في متناول اليد، بعد أن أفقدتنا سذاجتنا السياسية، وارتهاننا، وتخندقنا إرادتنا السياسية التي تقف في وجه المشروع الذي لا يكترث بقضيتنا، وسوف يحيل دولتنا التي نعرفها إلى جزر منعزلة، تحكمها قوميات متخيلة، وطوائف يمثل مفهوم الوطن بالنسبة إليها الخصم الأكبر.

استطاع أشقاؤنا الفلسطينيون أن يفرزوا قيادة تاريخية، وأن يشتغلوا على كل المستويات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية بدالة القضية، وأن يبقوا فلسطين مهوى أفئدتهم، وأن يبلوروا مفهومًا ناضجًا للوطن، وليس الفرق بيننا وبينهم كامنًا في المورثات حتمًا، فلنبحث عن الجذر الكامن لفشلنا، وحالنا المتهالكة! وهو لا شك متجذر في بنيتنا المجتمعية التي تئن من وطأة أمراضها المزمنة.

رئيس التحرير

 

مشاركة