هكذا خطفوا روح الثورة السورية: حميد عواد

35

التلاطم الطاحن في سورية فتح أبواب التدخل الإقليمي والدولي على مصاريعها واستقطب مقاتلين أجانب فتحت تركيا أبوابها لهم وشرّعت حدودها الأوروبية لـ «تصدير» خليط من النازحين إلى أوروبا. كما انفتحت أبواب دولة «الخلافة» من العراق إلى سورية لزحف مقاتليها وتوسيع مداها. وتشكّل تحالف «غربي-عربي» لدعم فصائل المعارضة السورية بالتعاون مع الأردن وتركيا ودول الخليج، قابله انخراط إيراني كامل مباشر وبالواسطة لدعم ميداني للنظام بإشراف حرسه الثوري وعبر فصيله اللبناني وفرق مقاتلة جذبها من دول متعددة. استتبع ذلك لاحقاً انغماس روسي حاسم لدعم النظام السوري، بإقامة قواعد جوية وبحرية وفّرت قوة نارية هائلة لضرب أعدائه.

شاعت الممارسات الإرهابية «مسوّغة» الارتكابات الإجرامية الشنيعة كـ «طقوس عبادة»، وطبعت وصمات مقاتلي المعارضة السورية ونخرت ثورتها وطاولت شراراتها دولاً أوروبية وأميركية وعربية. هذا الاجتياح زاد تشتت المعارضة وركّز الضربات العسكرية على «داعش» ليفضي إلى تلاشيه، وأربك التحالفات فرأينا تركيا وقطر تعقدان الاتفاقات مع روسيا وإيران احتراساً من عواقب الخلافات مع حلفائهما الأساسيين، كما شهدنا تدشيناً لعهد جديد من العلاقات والاتفاقات بين السعودية وروسيا وانفتاحاً سعودياً لافتاً على قوى وازنة في العراق. هذا الشبك الجديد للعلاقات، على مشكلاته وعلى رغم حدّة المواجهة بين السعودية وأميركا مع إيران، يُشيع جوّاً من الاستقرار تثبّته عقدة التواصل روسيا بالتنسيق مع أميركا وأوروبا. خلال كل هذه الفصول هناك مايسترو، ضليع في صراعات المنطقة وفاعلية علاقاته وتشعبها يؤشر بإيماءاته «نوطات» قواعد «الاشتباك».

مؤسف جداً إصرار بعض الحكام على اقتطاع دور لهم من خلال تبني تيارات مارقة ودعمها وتمويلها متمثلين بسلوك القذافي، وراصدين المال ومستثمرين السياسة والديبلوماسية لبناء نفوذ على ركام الخراب. الدمار الذي سببه عصف النزاع في سورية خلّف مأساة تشرّد إنسانية مفجعة للسوريين، دفعتهم إلى النزوح بأمواج بشرية عاتية تدفقت عشوائياً وفي شكل طارئ، ما حال دون التدقيق في خلفياتهم لكشف وفرز المشحونين منهم بنوايا الأذيّة، إلى الدول المجاورة وإلى أوروبا. كان نصيب لبنان، المكتظّ بكثافة سكّانه والعاجز عن استيعاب المزيد، أكبر من طاقة احتماله، إذ احتقن تجمعهم فيه، فصعبت استضافتهم وتعقّد طابع وجودهم وتفاقمت أوضاعهم الاجتماعية بلا مساعدات كافية وشكّلوا عبئاً بشرياً اقتصادياً وأمنياً، أوجب التعامل معه بحذر، لكن برفق ورحمة وحكمة وعدل، للتخفيف من معاناتهم ومن وطأة ثقلهم على مضيفيهم.

لو تمّ التعامل مع الانتفاضة السورية، التي هدفت لإصلاح النظام، بعقلانية ورشد، لما انزلقت إلى نزاع مسلّح شرس، توسّع إطاره واستدرج انخراط دول إقليمية ومن خارج الإقليم فيه. تضارب أهداف المتورطين من فصائل مسلّحة ودول، وضراوة الاشتباكات وتشعّب أبعادها وعمق مداها، وطغيان صبغة التطرف على فصائل المعارضين، تضافرت لتسلب لبّ الثورة وروحها، فتفكّكت تدريجياً من الداخل وجعلت الدول المناهضة لظلم النظام القائم تتكتل لترميم طاقم حكم سوري مدني مؤهّل لقيادة البلاد إلى ربوع السلام والاستقرار والأمان الاجتماعي. التحالف المثلث الأضلاع، روسيا- سورية- إيران، انتشل النظام السوري من السقوط في الهاوية وعوّم موقعه التفاوضي وشدّ وتر التجاذب مع التكتل المناوئ وعقّد آلية إعداد الحلّ السلمي. وبانتظار جهوزية الحلّ المناسب، يقتضي الواجب الإنساني تأمين مقرّات رعاية آمنة محمية من قوى روسية- أممية داخل سورية.

“الحياة”

مشاركة