هافالات وخنساوات ورفيقات في ثلاثة أزمنة سورية متقاطعة

57

لا يستطيع أحد من الأكراد السوريين أن يثبت عكس الشائع أن المرأة الكردية مستغلة سياسيا وإعلاميا هنا في إطار القضية الكردية، وأنها بمجرد عودة الحياة السلمية إلى المنطقة ستعود إلى حالتها الأولى، كـ’حرمة’، مثلها مثل المرأة العربية.

علي العائد

في ثلاثة أزمنة متسلسلة، أرخت نساء من الجزيرة السورية رمزا لزمن سيطرة فريقهن، هافالات للأكراد، والخنساء لكتيبة الحسبة النسائية الداعشية، خلفا لـ”الرفيقة” في زمن السيطرة البعثية. وبالطبع، لكل رفيقة من هؤلاء (هافال تعني أخ/ أخت، أو رفيق/ رفيقة، في اللغة الكردية) مدلولات رمزية أكثر منها لغوية هنا، تتعلق بسياسة الفريق الذي دفعهن إلى الواجهة.

 

في زمن سيطرة النظام، لم يكن للرفيقات دور مميز منفصل عن الرفاق، على عكس الزمنين الأخيرين، حيث لجأ داعش إلى الفصل بين النساء والرجال في المجال العام، لدرجة تخصيص نساء للحسبة الخاصة بالمرأة تحت اسم “كتيبة الخنساء”، مهمتهن مراقبة نساء المسلمين في شوارع الرقة.

أما “الهافالات” الكرديات (وهو جمع على الطريقة العربية وليس الكردية)، فلا علاقة لهن بالحسبة الإسلامية، كون الجماعة يدَّعون الماركسية عقيدة، في الظاهر على الأقل.

الهافالات شكلن حالة إعلامية قابلة للتصدير إلى الإعلام الغربي أرادها قادة حزب الاتحاد الديمقراطي، أينما كانوا، في جبال قنديل أو في أوروبا أو تركيا، واجهة لخطاب العقل الغربي بلغة يحبها. وبالفعل صدّر “الإعلام الديمقراطي” صورة المرأة الشابة وهي تحمل السلاح، والأم المرضعة التي تلقم طفلها صدرها وهي تتكئ على البندقية، إضافة إلى قصص خاصة بـ“الداخل الكردي” عن بطولات وتضحيات، لا يكتفي إعلام الحزب بتكرارها على أسماع مقاتليه في “وحدات حماية الشعب” الكردية، بل يرددها بالملل نفسه الذي كان يقوم به التوجيه السياسي في القطعات العسكرية في جيش النظام.

تلك السياسة الإعلامية، أي تصدير صورة المرأة الكردية المقاتلة إلى الإعلام الغربي، أتت بنتائج باهرة كونها جاءت عكس الصورة النمطية للمرأة العربية والمسلمة الموجودة سلفا في أوروبا وأميركا.

من حيث الجوهر، المرأة هي المرأة في الجزيرة السورية، حيث تتقاطع الحياة الاجتماعية الاقتصادية للعرب والأكراد في زمن البعث، ثم في زمن داعش، قبل صعود الطموح السياسي الكردي، مهما كان مآل هذا الطموح، واتخاذ العرب عموما، حالة رفض سياسي مضاد للطموح الكردي، أساسها مظلومية جديدة تجاه القوي الذي حمل السلاح للخلاص من مظلومية عربية بعثية.

والمرأة هنا ريفية، ما عدا عدد من مراكز المدن، في جغرافيا كبيرة المساحة قليلة عدد السكان. ومظلومية المرأة الريفية أكثر وضوحا من مظلومية المرأة المدينية عموما، حيث تقوم الأولى بأعمال البيت والأرض دون حقوق، مع نسبة أمية مرتفعة، حتى مقارنة مع الريف في وسط وجنوب وغرب سوريا.

هذا الفقر والجهل والظلم سابق للثورة، ووصل ذروة أخيرة في سنوات الجفاف العجاف التي فاضت عن كل ضبط عام 2005، فصدَّرت أرياف الجزيرة معظم سكانها إلى لبنان، وريف دمشق ودرعا، كعمال زراعيين يسكنون الخيام، ويدعوهم العامة “النَّوَر”.

وفي زمن داعش، تساوت المرأة العربية والكردية في خضوعهما لحسبة داعش، لفترة وجيزة، لكن المرأة التي انتمت إلى “وحدات حماية المرأة” الكردية، وبينهن عربيات وآشوريات وإيزيديات، وقفن أمام عدسات المصورين في وضعيات مدروسة، كونهن عسكريات، وحتى لو كانت هؤلاء في وضعية سلفي بالموبايل، بالهباري الملونة، واللباس العسكري الكردي المحتشم، أو بالشالات الكردية الملونة، فإنهن كن جاهزات للتعليب السياسي المدروس بذكاء قبل التصدير إلى أوروبا، حيث “لوبيات” القضية الكردية تعرف عملها تماما ابتداء من الجدران الداخلية في البرلمان الأوروبي، وصولا إلى الصحافة اليمينية واليسارية هناك.

أما الهافالات العربيات، فـ”من تحت الدلف إلى تحت المزراب”. ومن تبقَّى منهن في الجزيرة، غير نازحات إلى مدن تحت سيطرة النظام، أو لاجئات في دول جوار سوريا وأوروبا، وجدن أنفسهن تحت سيطرة داعش. وعندما انقشع التنظيم من تل أبيض ثم جرابلس ثم منبج، خلعن البرقع وتحررن من العباءة السوداء فقط، لكن الحياة لم ترجع ملونة وإن كانت أثواب الهافالات العربيات عادت ملونة. حتى تشجيع الهافالات الكرديات المحررات لم ينفع. فقط لاحقت الكاميرات الكردية لحظة خلع السواد وأظهرت الألوان، ليتم تصدير الصور عبر الميديا الكردية في اتجاه المستهلك الأوروبي الذي ازداد قناعة بصوابية جهة اصطفافه إلى المحررين الجدد.

الآن، ومنذ بدايات التمهيد لمعركة الرقة، لاحقت الميديا الكردية النازحين العرب، وصورت لحظات عودة الألوان لأثواب النساء، وحلق الرجال لحاهم، وانتزع المراسلون المديح لقوات سوريا الديمقراطية، باعتبارهم “محررين” من داعش. أما من تجرأ على انتقاد ممارسات المحررين فتم تخويفه أو إسكاته.

ونقل لي أحد الأصدقاء أن مراسلة تلفزيون كردي اعترضت سيارتهم الخارجة منذ دقائق من قرية كُبش شمال غربي الرقة، لتسمع منه مديحا لـ”المحررين”، فغطى وجهه أمام الكاميرا وقال لها “شغلة ها التحرير! وأنا عم أحكي معك سرقوا القرية بها للحظة”. فاستغربت المراسلة وكادت أن تُنكر، لكنها وعدت أن تتم معالجة الأمر بثقة، كأنها إحدى قيادات قسد. في مثل هذه الحالات عندما يشكو المدنيون العرب من نهب بيوتهم، ترد قيادات قسد، وهم أكراد في معظمهم بنصف إنكار، أي بإلقاء اللوم على عناصر عربية في قسد دون مجرد وعد بالتحقيق والمحاسبة.

هذه قوانين فوضى الحرب. وحتى الحرب العادلة لن تكون عادلة في حق المدنيين: الآن، وفي كل يوم منذ 6 يونيو الماضي، يتم قصف عشرات الآلاف من المدنيين في الرقة بشكل عشوائي، قتل خلالها أكثر من ألف مدني، وأصيب أكثر من ألف آخرين، وبُترت أطراف الكثير منهم في حالات بسيطة كان من الممكن إنقاذها لو توفر الطبيب الجرَّاح والدواء.

وللإنصاف وفي السياسة تحديدا، لم يُصدّر السوريون من غير الأكراد أنموذجا باهرا للمرأة في اتجاه الميديا الغربية بعد 2011 و2012، فكل النساء اللاتي عرفتهن الميديا الغربية ينتمين إلى ما قبل 2012، زمن الثورة السلمية، ما يعني أن زمن سيطرة الفصائل الإسلامية منع تصدير صورة مكافئة في الإبهار لصورة الهافالات الكرديات مثلما منع ظهور أي وجه مدني مذكر.

ولو أخفينا جانب الغيرة من ظاهرة الهافالات الكرديات، وتناسينا الظروف الواقعية التي تحول دون ظهور نماذج هافالات عربية، لا يستطيع أحد من الأكراد السوريين أن يثبت عكس الشائع أن المرأة الكردية مستغلة سياسيا وإعلاميا في إطار القضية الكردية، وأنها بمجرد عودة الحياة السلمية إلى المنطقة ستعود إلى حالتها الأولى، كـ”حرمة”، مثل المرأة العربية، وستعود حالة “الهافال” إلى معناها الأول، أي إلى معنى “أخت”، في الشرط الاجتماعي العام لنساء الجزيرة، كرديات وعربيات، في بيئة مسلمة بسيطة، عموما، نابذة للمفهوم الداعشي الذي طرأ واشتعل ثم انطفأ سريعا.

 

كاتب وصحافي سوري

“العرب”

مشاركة