نقاش مع ابن العم

172

عمر قدور

ربما يكون الزميل محمد علي الأتاسي قد استعجل إجراء حوار مع رياض الترك، بعد أسبوعين فقط من وصوله إلى منفاه الفرنسي، وهذا حق وسبقٌ له بالمعيار الصحافي. لكنه من جهة أخرى ربما لا يمنح فرصة جيدة لابن العم كي يكون قد استراح بدنياً ونفسياً من رحلة الخروج الشاقة، وفرصة للتفكر في الوضع السوري من زاوية جديدة، بخاصة مع تشعب الحوار ليطرح إمكانية مساهمته في خلق إطار جديد للمعارضة السورية انطلاقاً من الخارج، أو حتى قيادته هذا الإطار وفق التمنّي الذي يصرح به الزميل الأتاسي.

الحوار استدعى تفاعلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، وأيضاً بعض الردود والتعقيبات الصحافية، وفي هذا دلالة على مكانة الرجل لدى محبيه وخصومه في آن، وهو يُسجّل للحوار حتى إذا اتخذ صفة الاستعجال أو العمومية. وقد يكون ضرورياً التنويه بأن نسبة عظمى من الاصطفاف لها تاريخ من الاختلاف أو الاتفاق مع الترك وتوجهه الحزبي، وتحديداً من موقفه القديم “الذي يبدو متجدداً” إزاء الإخوان المسلمين، أما ما تبقى من نقاش فالاختلاف فيه مما لا يفسد للود قضية!

يعترف الترك في الحوار بأن الإخوان المسلمين قد تحايلوا على تركيبة المجلس الوطني، الذي انطلق باتفاق سبعة أطراف في مقدمها إعلان دمشق والإخوان، فهم تسللوا للحصول على الأغلبية التمثيلية من خلال هيئات تتبع لهم فعلياً من دون أن تظهر كذلك شكلياً، بخلاف الاتفاق المبدئي الذي كان يعطي حصة مماثلة للأطراف الستة الباقية. جدير بالذكر أن لإعلان دمشق تحديداً تجربة سابقة مع الإخوان، إذ كان أول تجربة سياسية ديموقراطية تنفتح سياسياً على الجماعة، وسرعان ما فاجأ الإخوان أعضاء الإعلان بتحالفهم مع عبدالحليم خدام في ما يُعرف بجبهة الخلاص الوطني. لاحقاً، وعندما سيكون بعض من شخصيات إعلان دمشق في المعتقلات، سيبادر الإخوان بوساطة أردوغان للتقرب من حكم بشار الأسد وعرض المصالحة وطيّ صفحة الماضي، بذريعة التصدي لإسرائيل. ذلك درس سياسي كان ينبغي لأعضاء إعلان دمشق الانتباه إليه مبكراً، وإذا فاتهم في موعده الأول فقد كانت لديهم فرصة مواجهته بعد انكشافه خلال شهرين لا أكثر من عمر المجلس الوطني.

يبني الترك وتياره الحزبي على واقع وجود الإسلاميين وحيثيتهم التمثيلية، ما يعني إدماجهم في عملية التحول الديموقراطي، أو حتمية الاشتباك السياسي معهم. وعند هذه النقطة يبدأ الشقاق في صفوف يساريين سابقين وآخرين علمانيين على اختلاف تجربتهم الجيلية. فخصوم الترك الأقل شراسة يعتبرون الإسلاميين أعداء على نفس درجة الأسد، بينما غالبيتهم تعتبر الأسدية أقل شراً، من دون أن يفكر الطرفان في حل معضلة امتلاك الإسلاميين حيثية اجتماعية لا يندر أن يقوم العلمانيون أنفسهم بتضخيمها والتهويل من احتمال سطوتها. القول بأن الأسد أيضاً يمتلك حيثية اجتماعية لا تمنع المطالبة بإسقاطه لا يستقيم للمقارنة، فالأسدية موجودة في السلطة منذ خمسة عقود، وأتيح لها ضمن احتكارها الفضاء العام ومصادر السلطة والثروة ما لم يُتح للإسلاميين الذين قضوا معظم تلك الفترة بين العمل السري والمعتقلات والمجازر والمنافي.

استكمالاً لتهويل العلمانيين ترى نسبة ساحقة من الإسلاميين أن شرعيتهم الشعبية طبيعية، وأنها في مصاف البديهيات عطفاً على الواقع المذهبي. ووفق هذا التصور يُخرج الإسلاميون حيثيتهم الاجتماعية من السياسة، ولا يقرّون تالياً بقابليتها للتبدل صعوداً وهبوطاً. إننا هنا أمام مظهر بارز من مظاهر عدم الاعتراف مسبقاً بالديموقراطية، وعدم الاحتكام المستمر إليها، على افتراض أن العملية الديموقراطية هي التي ستتكفل كل مرة بتحديد الأكثرية والأقلية، وأنها هي التي تكفل كل مرة للأقلية أن تتحول إلى أكثرية. على صعيد متصل، ينبغي أن نأخذ في الحسبان أن معظم تيارات الإسلام السياسي النشطة عابرة للحدود، ما يضع عائقاً بينها وبين المسألة الوطنية في العديد من البلدان. يساعد على تعزيز هذا التناقض عدم وجود خطاب صريح ونهائي يفرّق بين الأمة الإسلامية كمفهوم تاريخي ثقافي حضاري وبين الأمة بمفهومها السياسي المعاصر الذي يتماهى كلياً مع الدولة الوطنية.

ومما لا يجوز تجاهله أثر المعركة التي تخوضها تيارات الإسلامي الجهادي العدمي ضد الغرب، وعدم اتخاذ موقف حازم منها من قبل التيارات الموصوفة بالاعتدال. وإذا آمنّا بوجود نوايا غربية خبيثة لوضع كل التيارات في سلة واحدة فإن الحركات الإسلامية تساعد تلك النوايا بعدم وجود تمايز واضح في خطاباتها إزاء الغرب، وأيضاً بعدم تمييزها بين الغرب كمفهوم حضاري معاصر والغرب كحكومات وسياسات لها ما لها وعليها ما عليها.

خارج المظلومية السنية، وخارج رهاب الإسلام السني، هذه العقدة المتكاملة بحاجة إلى تفكيك لا تكفي معه دعوة ابن العم الإخوان إلى إجراء عملية نقد ذاتي أسوة بغيرهم من أطراف المعارضة. فالإسلاميون فشلوا في أن يكونوا سوى ما دأبوا أن يكونوا عليه، وهذا يعني أيضاً فشل الاشتباك السياسي معهم في دفعهم إلى التغيير، أما أصحاب الجهادية العلمانية فلا بأس بالاعتراف لهم بالنجاح بلا بذل مشقة فكرية طالما بقي بشار حامياً لخوفهم من الإسلاميين. ظاهرياً على الأقل هذه العقدة موجودة في منشار المعارضة، ولم تتسبب بقسط من الفشل خلال سنوات الثورة فحسب، وإنما من المحتمل جداً أن تقف عائقاً أمام لملمة شتات المعارضة والثورة لاحقاً، والانقسام النابع منها حول حوار الترك الأخير يشي بحجمها وبحجم الشرخ الذي تخلّفه.

التنصّل مما بات يُسمى عسكرة وأسلمة الثورة، كما ورد في إحدى إجابات الترك، لا ينفع إلا إذا كان يهدف إلى النأي بالنفس أو تبرئتها. السؤال الذي تجدر الإجابة عنه هو ما الذي فعلته مجمل قوى الثورة والمعارضة إزاء حركة الواقع؟ ما الذي فعله أولئك الذين تعففوا عن العسكرة، سوى هجائها أو عدم الانخراط فيها؟ ألم يكن هذا يعني ترك الساحة لقوى منافسة كي تركب موجة الواقع؟ ومَن يؤمن حقاً لا زيفاً بإمكانية إسقاط الأسدية بالطرق السلمية؟ وما الذي يعنيه أيضاً التعفف عن الارتباط بأية جهة أجنبية مع وجود عشرات القوى الأجنبية على الأراضي السورية؟ ألا يعني ذلك ترك علاقة الداخل بالخارج “التي أصبحت حتمية” لقوى أقل وطنية، بما فيها قوى ارتزاق محض؟ ثم إذا كان “هدف الغرب الحقيقي هو كسر إرادة التغيير الديموقراطي لدى شعوبنا” كما يقول ابن العم، وكانت قوى الشرق الكبرى داعمة علناً لبشار، فمن أين سيتم تحصيل الدعم الدولي الذي يشير إليه في إجابة أخرى؟

مع التأكيد على المكانة الرمزية المستحقة لابن العم، يجوز القول أنه تورط في تقديم إجابات شاملة، وبدا كأنه صاحب تصور ومشروع متكاملين، بينما كان في إجاباته يجاري عجزنا عن صياغة الأسئلة الأكثر إلحاحاً وتركيباً بدل الاندفاع إلى تقديم الأجوبة المبسّطة.

مشاركة