ناشيونال إنترست: المحادثات السورية .. من يريد ماذا؟

4
ناشيونال انترست: ترجمة فتحي التريكي- الخليج الجديد

يوم الجمعة، دعا «جون كيري»، وزير الخارجية الأمريكي إلى عقد جلسة رفيعة المستوى لوزراء خارجية الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي «للبناء على الزخم الدبلوماسي الذي أحدثته المحادثات حول سوريا»، والتي جرت خلال شهري أكتوبر/تشرين الأول، ونوفمبر/تشرين الثاني الماضيين.

بعد ظهر الجمعة، كان كل من «كيري» ونظيره الروسي «سيرغي لافروف» والفرنسي «لوران فابيوس» والبريطاني «فيليب هاموند» قد اتفقوا على مشروع قرار لمجلس الأمن، يتضمن الاعتراف ببيان جنيف 2 كأساس للمبادئ السياسية للتسوية المحتملة، كما يدعم الجدول الزمني لهذه العملية وفقا لما تم الاتفاق عليه في فيينا الشهر الماضي.

وبينما يبدو نص القرار، للوهلة الأولى، مجرد تكريس للوضع الراهن دون أي تغيير جوهري، فإن هناك أكثر مما تراه العين. أولا، في مؤشر على الإجماع، أكد مجلس الأمن على كل من التفهم الذي تم الاتفاق عليه في جنيف 2 (التمسك بسوريا كدولة ديمقراطية علمانية تمثيلية)، إضافة إلى الجدول الزمني للتوصل إلى تسوية سياسية (انتخابات خلال ثمانية عشر شهرا، وحكومة انتقالية متفق عليها خلال ستة أشهر). على الرغم من الضغوط من جانب طهران لإفراغ العناصر الحاسمة من ميثاق جنيف 2، فإن جهود إيران للضغط من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة «بشار الأسد» بدلا من الانتقال على طريقة جنيف 2 قد تم إحباطها.

ثانيا، فإن القرار قد اعترف بالخطوات التي اتخذتها المملكة العربية السعودية في تنظيم المعارضة استباقا لمحادثات يناير/كانون الثاني المتوقعة بين المعارضة وحكومة الرئيس «الأسد» في فيينا. وفي حين لا تزال هناك خلافات بين إيران وتركيا وروسيا والمملكة العربية السعودية حول من يمثل المعارضة المشروعة، فإن الاعتراف بجهود المملكة في بناء الوحدة بين المعارضة السياسية والمسلحة هي خطوة جيدة. ربما يكون لدى الكرملين بعض التحفظات، ولكن موسكو لم تسع لاعتراض الإشارة إلى الدور السعودي في نص القرار. كما أن اعترافها بدور الأردن في تحديد المجموعات التي ستصنف ضمن قوائم الإرهاب من بين صفوف المعارضة هو أمر مهم كذلك.

ثالثا، يدعم القرار التوصل إلى وقف لإطلاق النار تزامنا مع بدء المفاوضات السياسية. وفي حين أن وقف إطلاق النار هو أمر يصعب الوصول إليه ف الظروف العادية، وسوف يكون أصعب بكل تأكيد مع وجود اختلافات بين حملة مكافحة تنظيم «الدولة الإسلامية» التي تقودها الولايات المتحدة والحملة التي تقودها روسيا وإيران ضد المجموعات التي تعتبرها إرهابية، والتي لن تلتزم بكل تأكيد بوقف إطلاق النار. حققت عمان خطوات صغيرة لردم هذه الهوة، ولكن سوف نحتاج إلى أن يتم التأكد من أن أي وقف إطلاق النار سوف يتم التوصل إليه لن يخرج عن مساره بسبب الاختلاف في تأويل الوقائع على الأرض.

على سبيل المثال، يعترف مشروع القرار بدور الأمم المتحدة في الرعاية والإشراف على وقف إطلاق النار بين دمشق والمعارضة، لكنه لم يشر إلى الكيفية التي ينبغي للأمم المتحدة أن تعمل بها في المناطق حيث تختلط المعارضة مع مجموعات مثل أحرار الشام التي تصنفها موسكو كجماعة إرهابية تدخل ضمن دائرة الاستهداف.

الخلاف حول مصير «الأسد»

على الرغم من تلك النقاط التي تم إحداث تقارب بشأنها، فإن الخلاف الأكثر أهمية حول رئيس النظام السوري «بشار الأسد» يبقى بلا حل إلى الآن. وتصر المعارضة التي تنظمها الرياض أن «الأسد» يجب ألا يكون له دور في السلطة الانتقالية التي يتفق عليها الطرفان. هذا الموقف يقف في تناقض حاد مع روسيا وإيران، وهما لن يدعما أي تحركات تستبعد «الأسد» عن السلطة خلال هذه المرحلة من المفاوضات.

وقد اتخذت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا مواقف أكثر ليونة إلى حد ما. وقد أعرب مسؤولون في البيت الأبيض سرا وعلانية عن استعدادهم للنظر في إمكانية بقاء «الأسد» في السلطة خلال المرحلة الانتقالية إذا تم الاتفاق بدقة على تاريخ تنتهي خلاله فترة بقائه. اعترف الرئيس «أوباما» خلال مؤتمره الصحفي الختامي هذا العام، الجمعة، أن مصالح روسيا وإيران ينبغي النظر إليها في أي انتقال سياسي في سوريا. وفي حين أبدت باريس في الاجتماعات المغلقة إشارات على انفتاحها على فكرة إمكانية وجود دور للأسد في المرحلة الانتقالية، فقد أصر وزير الخارجية «لوران فابيوس» يوم الجمعة في نيويورك أن «الأسد» يجب أن يرحل في نهاية الفترة الانتقالية وأنه ينبغي التوصل إلى مثل هذا التفهم خلال هذه المفاوضات.

وقد اختلفت مواقف الحكومات الإقليمية. أعربت المملكة العربية السعودية والأردن عن استعدادها النظر في أن «الأسد» قد يكون له دور في المرحلة الانتقالية لفترة محدودة، شريطة أن يتم نزع ما يكفي من سلطاته. وقد أشار بعض كبار المسؤولين الإقليميين أنهم سيدعمون أحد المقربين من «الأسد» للقيام بدور في الحكومة الانتقالية، ولكن الأسد نفسه لا يمكن أن يكون جزءا من العملية الانتقالية.

تنعكس هذه المواقف أيضا في وجهات النظر بين مختلف الأطراف على إجراء الانتخابات التي أشارت إليها الأمم المتحدة في قرارها. بينما تؤكد قرار الأمم المتحدة أن الانتخابات لا بد أن تشمل السوريين في الداخل ونظرائهم في دول الشتات، فإنه يترك مسألة إمكانية مشاركة «الأسد» في هذه الفترة الانتقالية دون حسم. بنظرة متفائلة، ومع القول أن هذه الانتخابات سوف تتم تحت إشراف الأمم المتحدة وتدار بواسطة حكومة يمثل فيها كلا الطرفين، فإننا يمكن أن نتفاءل أن «الأسد» قد لا يتم انتخابه وينتهي مصيره بهذه الطريقة. النظرة المتشائمة، التي يتمسك بها أعضاء المعارضة، هي أن «الأسد» سوف يجد وسيلة ما من أجل التشبث بالسلطة وبالتالي لا يمكنهم الموافقة على عملية سياسية لا يزال رئيس النظام السوري جزءا منها.

هذه النقاط العالقة، جنبا إلى جنب مع التحديات الأوسع حتى بشأن القضايا التي صار الطرفان قريبين من اتفاق بشأنها، تجعلنا أقل تفاؤلا أن الأطراف المتفاوضة يمكن أن تصل إلى تسوية للحرب الأهلية في سوريا خلال الفترة الزمنية المحددة في القرار. لكننا نأمل أنه، إذا ذهبت جميع الأطراف إلى المحادثات في يناير/كانون الثاني دون شروط مسبقة سوى الالتزام بالجدول الزمني، فإنه قد تكون هناك فرصة لبناء زخم دبلوماسي لسد هذه الثغرات.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الخلاف حول مصير «الأسد» سوف يستمر في إفساد هذه العملية. وإذا كان صحيحا أن موسكو قد تكون مستعدة لضمان أن «الأسد» سوف لن يلعب أي دور في الحكومة السورية ما بعد المرحلة الانتقالية، فإن ذلك سيكون خطوة إيجابية. ومع ذلك، فإنه لا يوجد مؤشرات تدل على أن طهران سوف تقبل بتبني هذا الموقف، ويبقى أن نرى مدى التأثير الذي يمكن أن تمارسه روسيا على إيران لضبط مواقفها. زيارة الرئيس «الأسد» إلى طهران يمكن أن تكون فرصة لـ«خامنئي» لإجراء مناقشة صريحة مع رئيس النظام السوري حول مستقبله، أو أنها ستكون فرصة لإظهار الدعم للأسد على الرغم من الخسائر المتنامية لإيران على أرض المعركة.

مع شهية قليلة في البيت الأبيض لوضع المزيد من الضغط العسكري من أجل الوصول إلى تسوية، فإن العام 2016 سوف يكون هو العام الذي سنتأكد من خلاله ما إذا كانت الدبلوماسية قادرة على وضع حد لقرابة خمس سنوات من إراقة الدماء.البديل أن خطوط المعركة سوف تستمر في الاشتعال لتخدم مصالح «الدولة الإسلامية».

مشاركة