“من جيش إلى جيش”: انخراط المخابرات الأمريكية بالحرب السورية

12

سيمور هيرش

صحفي استقصاءات أمريكي مخضرم حائز على العديد من الجوائز

ترجمة وتحرير نون بوست

أثار إصرار باراك أوباما المتكرر في السنوات الأخيرة حول وجوب ترك الرئيس السوري بشار الأسد لمنصبه، ووجود معارضة “معتدلة” في سوريا قادرة على هزيمته، استفزاز المعارضة الخفية وحتى العلنية، بين بعض من كبار الضباط هيئة الأركان المشتركة في البنتاغون، حيث تركزت انتقاداتهم حول ما يعتبرونه انحصار نظر الإدارة الأمريكية بحليف الأسد الرئيسي، فلاديمير بوتين؛ فمن وجهة نظرهم، أوباما أسير لفكرة الحرب الباردة مع روسيا والصين، حيث أحجم الزعيم الأمريكي عن تعديل مواقف إدارته من سوريا لتوائم حقيقة أن روسيا والصين تشاطران واشنطن القلق بشأن انتشار الإرهاب في سوريا وخارجها، وتتفقان مع الإدارة الأمريكية حول وجوب وضع حد لهيمنة وتوسع تنظيم الدولة الإسلامية.

يعود تاريخ مقاومة الجيش الأمريكي لمشروع إدارة أوباما لصيف عام 2013، وحينها وضعت وكالة استخبارات الدفاع وهيئة الأركان المشتركة، بقيادة الجنرال مارتن ديمبسي، تقريرًا سريًا للغاية يتوقع بأن سقوط نظام الأسد سوف يسفر عن الفوضى، وربما عن سيطرة الجهاديين المتطرفين على سوريا، تمامًا كما كان يحصل حينئذ في ليبيا، حيث أخبرني مستشار كبير سابق لهيئة الأركان المشتركة بأن الوثيقة السرية كانت تقييمًا يعوّل على جميع المصادر، ويستند إلى المعلومات المتأتية عن الدلالات والتابعين والاستخبارات البشرية، وكان التقرير، بشكل عام، يحمل نظرة قاتمة حول إصرار إدارة أوباما على الاستمرار في تمويل وتسليح ما يسمى بالجماعات المسلحة المعتدلة.

في وقت صدور التقرير، كانت وكالة الاستخبارات المركزية تتعاون منذ أكثر من سنة مع حلفائها في المملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر لشحن الأسلحة والمعدات بغية استخدامها للإطاحة بالأسد عن طريق ليبيا، عبر تركيا، إلى سوريا، وخص التقرير الاستخباراتي الجديد تركيا باعتبارها عائقًا رئيسيًا في خضم سياسة أوباما تجاه سوريا، حيث أظهرت الوثيقة، كما يقول المستشار بأن “ما باشر كبرنامج سري في الولايات المتحدة لتسليح ودعم المسلحين المعتدلين لقتال الأسد اعتمد على مشاركة تركيا، وتحول هذا البرنامج إلى نقل عابر للحدود للتقنيات والأسلحة والدعم اللوجستي لجميع أطياف المعارضة السورية، بما في ذلك جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية، لا وجود لما يسمى بالمعتدلين، والجيش السوري الحر هو عبارة عن مجموعة مهلهلة متمركزة في قاعدة جوية في تركيا”؛ إذن، وبشكل عام، كان تقييمًا سوداويًا، حيث أوضح بالمحصلة عدم وجود “معارضة معتدلة” حية وفاعلة، وأن الولايات المتحدة كانت تقوم بتسليح المتطرفين.

أكد الجنرال مايكل فلين، مدير وكالة استخبارات الدفاع بين عامي 2012 و2014، بأن وكالته أرسلت بشكل مستمر تحذيرات سرية إلى القيادة المدنية الأمريكية حول العواقب الوخيمة لإسقاط الأسد؛ فالجهاديين كما قال، كانوا يسيطرون على قوات المعارضة السورية، وتركيا لم تكن تمارس ما يكفي من الجهود لوقف تهريب المقاتلين الأجانب والأسلحة عبر الحدود، “لو كان الرأي العام الأمريكي على إطلاع بالمعلومات الاستخباراتية التي كنا ننتجها يوميًا على أعلى المستويات حساسية، لكان عارض سياسة الإدارة المدنية بشكل صارخ” أخبرني فلين، واستطرد: “لقد استطعنا فهم إستراتيجية وخطط داعش على المدى الطويل، وناقشنا أيضًا حقيقة أن تركيا كانت تشيح بنظرها نحو اتجاه آخر عندما يتعلق الأمر باطراد نمو الدولة الإسلامية داخل سوريا”، وأردف موضحًا: “تمت محاربة تقرير وكالة الاستخبارات بشكل هائل من قِبل إدارة أوباما، لقد كنت أشعر بأنهم لا يريدون سماع الحقيقة”.

“سياستنا بتسليح معارضة الأسد كانت فاشلة، بل كانت بالأحرى تنجم تأثيرًا سلبيًا”، قال مستشار هيئة الأركان المشتركة السابق، وتابع: “كانت هيئة الأركان المشتركة تعتقد بعدم وجوب حلول الأصوليين محل الأسد، وسياسة الإدارة الأمريكية كانت متناقضة بهذا الخصوص، فهي كانت تسعى للإطاحة بالأسد رغم سيطرة المتطرفين على المعارضة السورية، فإذا ذهب النظام السوري من سيحل مكانه؟ القول بأن على الأسد أن يرحل قد يكون أمرًا ملائمًا، ولكن إذا تابعت هذا النهج، ستدرك بأن الإدارة الأمريكية ترى بأن أي شخص هو بديل أفضل من الأسد، وكانت قضية (أي شخص أفضل من الأسد) هي القضية الأساسية التي تعارضت فيها هيئة الأركان المشتركة مع سياسة أوباما”.

من وجهة نظر هيئة الأركان المشتركة، التحدي المباشر لسياسة أوباما هي ممارسة “صفرية المحصلة”، لذلك، وفي خريف عام 2013، قررت الهيئة اتخاذ خطوات ضد المتطرفين دون المرور عبر القنوات السياسية، وذلك من خلال توفير معلومات الاستخبارات الأمريكية لجيوش الدول الأخرى، على أن يتم نقلها للجيش السوري بغية استخدامها ضد العدو المشترك، جبهة النصرة والدولة الإسلامية.

ألمانيا وإسرائيل وروسيا كانوا جميعًا على اتصال مع الجيش السوري، واستطاعوا ممارسة بعض التأثير على قرارات الأسد، فمن خلالهم كانت أجهزة الاستخبارات الأمريكية تشاطر معلوماتها مع الجيش السوري، وكل من هذه الدول كانت تتمتع بأسباب مختلفة لممارسة هذا الدور؛ فألمانيا كانت تخشى من مصير الـ6 مليون نسمة من سكانها المسلمين في حال تمدد تأثير تنظيم الدولة الإسلامية، إسرائيل كانت معنية بأمن الحدود، وروسيا منخرطة أصلًا بتحالف طول الأمد مع سوريا، كما كانت قلقة من التهديدات التي قد تنعكس على قاعدتها البحرية الوحيدة في المتوسط، في طرطوس.

“لم نكن عازمين على الانحراف عن سياسات أوباما المصرّح عنها” قال المستشار، وتابع: “ولكن تبادل التقييمات عن طريق العلاقات العسكرية بين القوات المسلحة قد يكون أمرًا مثمرًا، فمن الواضح أن الأسد كان بحاجة لمعلومات استخباراتية وتكتيكيات ومشورة تنفيذية أفضل، وهيئة الأركان المشتركة خلصت إلى أنه إذا تمت تلبية تلك الاحتياجات، فمن الممكن تعزيز الحملة الشاملة ضد الإرهاب الإسلامي، وأوباما لم يكن يعلم ما يجري حينها، فهو يجهل ممارسات هيئة الأركان المشتركة بجميع الأحوال، وهذا الأمر ينطبق على جميع رؤساء أمريكا”.

حالما بدأ تدفق معلومات الاستخبارات الأمريكية، بدأت ألمانيا وإسرائيل وروسيا بتمرير هذه المعلومات حول أماكن وأهداف الجماعات الجهادية المتطرفة للجيش السوري، والمقابل، قدمت سوريا معلومات حول قدراتها الذاتية ونواياها، وبمعنى آخر، لم يكن هناك اتصال مباشر بين الولايات المتحدة والجيش السوري، بل بدلًا من ذلك، كما يقول المستشار : “قدمنا المعلومات، بما في ذلك تحليل بعيد المدى لمستقبل سوريا تم إعداده من الوكالات والجامعات المتعاقدة معنا، لهذه الدول، وهي التي كانت تقرر ما يجب أن تفعله بها، بما في ذلك تقاسمها مع الأسد؛ لقد كنا نقول للألمان وغيرهم، إليكم بعض المعلومات المثيرة للاهتمام، لأن مصلحتنا مشتركة ومتبادلة”، وتابع موضحًا: “قدرّت هيئة الأركان المشتركة وجوب تمخض المعلومات الاستخبارتية المقدمة عن أمر مفيد للغاية، ولكن تبادل المعلومات كان عبارة عن تبادل يحصل على المستوى العسكري بين الجيوش، وليس نوعًا من المؤامرة الشريرة التي حاكتها هيئة الأركان المشتركة للالتفاف على خطط أوباما ودعم الأسد، بل كانت ممارسة أذكى من ذلك بكثير، فإذا بقي الأسد في السلطة، لن يكون ذلك متأتيًا بشكل مباشر عن ممارستنا، بل لأنه كان ذكيًا بما فيه الكفاية لاستخدام المعلومات الاستخباراتية والمشورة السليمة التكتيكية التي قدمناها للآخرين”.

التاريخ العام للعلاقات الأمريكية – السورية خلال العقود القليلة الماضية يستبطن العداء بشكل عام؛ فعلى الرغم من أن الأسد أدان هجمات 11 سبتمبر، ولكنه عارض الحرب على العراق، كما أن جورج بوش ربط مرارًا بين سوريا وأعضاء “محور الشر” الثلاثة، العراق وإيران وكوريا الشمالية، طوال فترة رئاسته، وفضلًا عن ذلك، تشير برقيات وزارة الخارجية المسربة التي نشرها موقع ويكيليكس إلى أن إدارة بوش حاولت زعزعة استقرار سوريا بجهود استمرت فعلًا حتى سنوات حكم أوباما؛ ففي ديسمبر 2006، قدم وليام روبوك، المسؤول عن السفارة الأمريكية حينها في دمشق، تحليلًا لـ “نقاط ضعف” حكومة الأسد وأدرج أساليبًا من شأنها تحسين احتمالات “فرص زعزعة الاستقرار” في سوريا، وأوصى بعمل واشنطن مع المملكة العربية السعودية ومصر لزيادة حدة التوتر الطائفي والتركيز على الترويج “للجهود السورية ضد الجماعات المتطرفة”، كالأكراد المعارضين والفصائل السنية المتطرفة، “بطريقة توحي بضعف الجهود السورية، وتقدم علامات على عدم الاستقرار، والنكسة غير المنضبطة”، كما أوضح أنه ينبغي “عزل سوريا” من خلال تشجيع الدعم الأمريكي لجبهة الخلاص الوطني بقيادة عبد الحليم خدام، نائب الرئيس السوري السابق الذي حصلت حكومته في المنفى في الرياض على رعاية السعوديين والإخوان المسلمين.

وفي ذات السياق، أظهرت برقية أخرى عام 2006 بأن السفارة الأمريكية أنفقت 5 ملايين دولار لدعم حملة المعارضين السوريين الذين ترشحوا كنواب مستقلين لمجلس الشعب السوري، ورغم اكتشاف المخابرات السورية لهذه العملية، استمرت السفارة بضخ التمويل، زد على ذلك البرقية المسربة في عام 2010 التي كشفت بأن التمويل الأمريكي لشبكة التلفزيون التي تديرها مجموعة من المعارضة السورية في لندن، يُنظر إليه من قِبل الحكومة السورية “كبادرة سرية وعدائية تجاه النظام”.

بالمقابل، هناك تاريخ موازٍ غامض حول التعاون بين سورية والولايات المتحدة خلال ذات الفترة، حيث تعاونت الدولتان ضد تنظيم القاعدة، عدوهما المشترك، ويقول أحد المستشارين المخضرمين في قيادة العمليات الخاصة المشتركة: “بعد أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة، كان بشار، لسنوات طوال، شريكًا مفيدًا للغاية بالنسبة لنا، بينما كنا نحن، ومن وجهة نظري، فجين للغاية في التعامل معه، وتعاملنا بشكل أخرق مع المعلومات الذهبية التي وفرها لنا، واستمر التعاون الهادئ ما بين أمريكا وسوريا في بعض الأمور، حتى بعد قرار إدارة بوش بتشويه سمعة الرئيس السوري”؛ ففي عام 2002، أذن الأسد للمخابرات السورية بتسليم مئات من الملفات الداخلية للإدارة الأمريكية حول أنشطة جماعة الإخوان المسلمين في سوريا وألمانيا، وفي وقت لاحق من ذلك العام، أحبطت المخابرات السورية هجوم شنه تنظيم القاعدة على مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، كما وافق الأسد على توفير معلومات لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) حول اسم مخبر حيوي يعمل مع تنظيم القاعدة، ولكن وكالة الاستخبارات المركزية انتهكت هذا الاتفاق، واتصلت مع المخبر مباشرة، مما أدى إلى رفض الأخير للتواصل، وقطع علاقاته مع المتعاملين معه في سوريا، وفضلًا عما تقدم، سلّم الأسد إلى أمريكا بشكل سري أقارب صدام حسين الذين لجأوا إلى سوريا، وكحلفاء أمريكا في الأردن ومصر وتايلاند وغيرها، عذّب الأشخاص الذين تصنفهم وكالة المخابرات المركزية كمشتبه بهم بالإرهاب، ضمن أقبية السجون في دمشق.

تبعًا لهذا التاريخ الطويل من التعاون السري، أضحى من الممكن أن توافق دمشق على ترتيبات تقاسم المعلومات الاستخباراتية غير المباشر مع الولايات المتحدة في عام 2013، ولكن في مقابل هذه المعلومات، أوضحت هيئة الأركان المشتركة بأن الولايات المتحدة ترغب بأن يلتزم الأسد بأربعة أمور، أولها كبح الأسد لجماح حزب الله عن مهاجمة إسرائيل، وثانيًا استئنافه للمفاوضات المتعثرة مع إسرائيل للتوصل إلى تسوية في هضبة الجولان، الأمر الثالث يتمثل بوجوب موافقته على وجود مستشارين عسكريين أجانب من روسيا وغيرها، وأخيرًا أوضحت أمريكا بأنه يتعين على الأسد الالتزام بإجراء انتخابات مفتوحة بعد الحرب تضم مجموعة واسعة من الفصائل المعارضة.

“وصلتنا ردود فعل إيجابية من الإسرائيليين، الذين كانوا على استعداد للانخراط بالفكرة، ولكنهم كانوا بحاجة لمعرفة رد فعل إيران وسوريا” قال لي مستشار هيئة الأركان المشتركة، وتابع: “السوريون قالوا لنا بأن الأسد لن يتخذ قرارًا من جانب واحد، حيث يتوجب عليه الحصول على دعم من حلفائه العسكريين والعلويين، والأسد كان قلقًا باستمرار حول قيام إسرائيل بنقض جانبها من الصفقة بعد موافقتها”، وفي ذات السياق، قال لي كبير مستشاري الكرملين في شؤون الشرق الأوسط بأنه في أواخر عام 2012، وبعد تعرضه لسلسلة من الانتكاسات في ساحة المعركة ومعاناة الجيش السوري من مجموعة هائلة من الانشقاقات العسكرية، حاول الأسد فتح قنوات تواصل مع إسرائيل عبر الاتصال مع موسكو، وعرض استئناف المحادثات على مرتفعات الجولان، ولكن الإسرائيليين رفضوا العرض، لأنهم كانوا يرون بأن “الأسد قد انتهى”، كما قال لي المسؤول الروسي، علمًا بأن الجانب التركي أخبر موسكو أيضًا بأن الأسد “على مقربة من نهايته” في ذات الفترة، ولكن بحلول منتصف عام 2013، شعر الجانب السوري بأن أسوأ مرحلة تواجهه قد ولت بدون رجعة، وسعى للحصول على تأكيدات من الأمريكيين وغيرهم حول جديتهم في عروض المساعدة.

في المراحل الأولى من المحادثات، كما أوضح لي المستشار، حاولت هيئة الأركان المشتركة تقديم ما يلزم للأسد كدليل على حسن نواياهم، ولكن إجابة الأسد جاءت على لسان أحد أصدقائه قائلًا: “أحضروا للأسد رأس الأمير بندر”، وبالمقابل، لم تستجب هيئة الأركان المشتركة لهذا الطلب؛ فبندر بن سلطان كان على مدى عقود قائدًا للمخابرات وشؤون الأمن القومي في المملكة العربية السعودية، وقضى أكثر من عشرين عامًا سفيرًا للمملكة في واشنطن، وفي السنوات الأخيرة، أصبح معروفًا على نطاق واسع بأنه داعية لإزالة الأسد من منصبه بأي وسيلة، ولكن بعد الإشاعات التي تحدثت عن تدهور حالته الصحية، استقال الأمير بندر العام الماضي من إدارة مجلس الأمن الوطني السعودي، ومع ذلك، استمرت السعودية بنهجها المعارض للأسد، حيث تعد المزود الرئيسي للمعارضة السورية بالأموال، فحسب تقديرات المخابرات الأمريكية، وصل مبلغ المساعدت المقدمة من السعودية للمعارضة السورية العام الماضي إلى حوالي مبلغ 700 مليون دولار.

في يوليو 2013، وجدت هيئة الأركان المشتركة طريقة أكثر مباشرة لإقناع الأسد بمدى جديتها في مساعدته؛ ففي ذلك الوقت، كانت وكالة المخابرات المركزية ترعى التدفق السري للأسلحة من ليبيا الى المعارضة السورية، عبر تركيا، منذ فترة تنوف عن السنة، حيث بدأت عملية إرسال الأسلحة تقريبًا بعد وفاة القذافي في 20 أكتوبر 2011، وهذه العملية كانت تُدار إلى حد كبير من قِبل ملحق سري تابع لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية في بنغازي وبموافقة من وزارة الخارجية الخارجية، ولكن في 11 سبتمبر 2012، قُتل سفير الولايات المتحدة لدى ليبيا، كريستوفر ستيفنز، خلال مظاهرة مناهضة للولايات المتحدة أسفرت أيضًا عن إحراق القنصلية الأمريكية في بنغازي، وداخل مبنى السفارة، وجد الصحفيون، كما نقلت صحيفة الواشنطن بوست، نسخًا عن أجندة السفير الأمريكي ضمن أنقاض المبنى، وأوضحت هذه الأجندة بأنه في 10 سبتمبر التقى ستيفنز مع رئيس الملحق السري لوكالة الاستخبارات المركزية، وفي اليوم التالي، وقبل فترة وجيزة من وفاته، التقى السفير بممثل عن شركة المرفأ للشحن والخدمات البحرية، وهي شركة مقرها طرابلس، أوضح مستشار هيئة الأركان المشتركة بأنها كانت معروفة من قِبل الهيئة بأن تعمل في عملية نقل شحنات الأسلحة.

بحلول أواخر صيف عام 2013، تم تعميم تقييم وكالة استخبارات الدفاع على نطاق واسع، ولكن على الرغم من أن الكثيرين في دوائر المخابرات الأمريكية كانوا على علم بأن المتطرفين قد سيطروا على المعارضة السورية، إلا أن تدفق الأسلحة الذي ترعاه وكالة المخابرات المركزية استمر قدمًا، مشكلًا عبئًا إضافيًا على جيش الأسد، كما خلق مخزون أسلحة القذافي بعد وفاته سوقًا دوليًا للأسلحة الدولي، رغم ارتفاع أسعاره.

“لم يكن هناك وسيلة لوقف شحنات الأسلحة التي أذن بها الرئيس الأمريكي” قال مستشار هيئة الأركان المشتركة، وتابع: “الحل كان يتضمن إيقاف تدفق الأموال إلى الجيوب، لذا اتصل ممثل عن هيئة الأركان المشتركة بوكالة الاستخبارات المركزية مقترحًا استعمال الأسلحة الأقل تكلفة المتاحة في الترسانات التركية والتي يمكن لها أن تصل إلى أيدي الثوار السوريين خلال أيام، دون رحلة البحر، ولكن المشكلة تتمثل بأن وكالة الاستخبارات المركزية لم تكن وحدها المستفيدة، لذا عمدنا للعمل مع الأتراك الموثوقين الذين لم يكونوا موالين لأردوغان، واستطعنا من خلالهم شحن أسلحة بالية للجهاديين في سوريا موجودة في الترسانة التركية، بما في ذلك البنادق القصيرة M1 التي لم يسبق وأن استعملت منذ الحرب الكورية، والكثير أيضًا من الأسلحة السوفييتية القديمة، وهذا الأمر كان بمثابة رسالة يستطيع الأسد فهمهما”.

تدفق المعلومات الاستخباراتية الأمريكية للجيش السوري، المتلازم مع الحط من نوعية الأسلحة التي يتم إرسالها للمحاربين، وصلا إلى منعطف حاسم، حينما مني الجيش السوري بخسائر فادحة في ربيع عام 2013 في خضم قتاله ضد جبهة النصرة وغيرها من الجماعات المتطرفة إبان فشله بالحفاظ على مواقعه في محافظة الرقة، حيث واصلت قوات الجيش السوري وسلاح الجو غاراتها المتفرقة على المنطقة لعدة أشهر دون تحقيق أي نجاح يذكر، حتى قررت الانسحاب من الرقة وغيرها من المناطق غير المكتظة بالسكان والتي يصعب الدفاع عنها في شمال وغرب البلاد بغية التركيز على تعزيز سيطرة الحكومة على دمشق والمناطق المكتظة بالسكان التي تربط العاصمة مع اللاذقية في شمال غرب البلاد.

ولكن في ظل اكتساب الجيش السوري لبعض القوة جرّاء دعم هيئة الأركان المشتركة، عملت المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا على تصعيد تمويلهم وتسليحهم لجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية، الذي استطاع في نهاية عام 2013 تحقيق مكاسب هائلة على جانبي الحدود السورية – العراقية، وحينئذ وجد ما تبقى من الثوار غير المتشددين أنفسهم وجهًا لوجه في معركة ضارية وخاسرة ضد المتطرفين، وبالمحصلة، وفي يناير من عام 2014، اغتنم تنظيم الدولة الإسلامية السيطرة الكاملة على الرقة والمناطق القبلية حولها من جبهة النصرة، وجعل من المدينة عاصمة لخلافته المزعومة؛ ومن ناحية إحصائية، الأسد لا يزال يسيطر على 80% من سكان سوريا، ولكنه، في الوقت عينه، فقد سيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي السورية.

جهود وكالة الاستخبارات الأمريكية لتدريب قوات المعارضة المعتدلة منيت بفشل ذريع أيضًا، حيث يشير مستشار هيئة الأركان المشتركة بأن: “معسكر تدريب وكالة الاستخبارات المركزية في الأردن كان مُسيطرًا عليه من قِبل مجموعة قبلية سورية”، واُشتبه أيضًا بأن بعض الذين سجلوا أسماءهم للتدريب هم في الواقع من عناصر الجيش النظامي السوري ولكن بدون بزاتهم العسكرية، علمًا بأن أمرًا شبيهًا بهذه الحادثة حصل غير مرة في ذروة الحرب العراقية، عندما انخرط مئات من أعضاء الميليشيات الشيعية بمعسكرات التدريب الأمريكية للحصول على الزي الجديد والأسلحة وبضعة أيام من التدريب، ومن ثم اختفوا في قلب الصحراء.

وبذات القدر، لم يكن مصير البرنامج التدريبي المستقل الذي افتتحه وزارة الدفاع الأمريكية في تركيا بأفضل من معسكر تدريب الأردن، حيث أقرت وزارة الدفاع في سبتمبر بأن رُبع أو خُمس العاملين ضمن المعسكر لا يزالون يحاربون الدولة الإسلامية، وبعد بضعة أيام انشق 70 شخصًا من هؤلاء لينضموا إلى جبهة النصرة فور عبورهم الحدود إلى سوريا.

في يناير 2014، وبعد وصوله إلى مرحلة من اليأس جرّاء عدم تحقيق أي تقدم، استدعى جون برينان، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، رؤساء الاستخبارات العربية والسنية من مختلف أنحاء الشرق الأوسط إلى اجتماع سري في واشنطن، بغية إقناع السعودية لوقف دعمها للمتطرفين المقاتلين في سوريا، “أخبرنا السعوديون بأنهم كانوا سعداء للاستماع إلى هذا الطرح” قال مستشار هيئة الأركان المشتركة، وتابع: “لذلك جلس الجميع في واشنطن لسماع برينان وهو يقول لهم بأن عليهم القفز إلى مركبة ما يسمى بالمعتدلين، وكان فحوى رسالة برينان يتمثل بأنه في حال أحجم جميع من في المنطقة عن دعم النصرة وداعش فإن هذا سيجفف مصاردهم وذخائرهم، مما سيسفر عن فوز المعتدلين”، ولكن رسالة برينان تم تجاهلها من قِبل السعوديين، الذين ذهبوا إلى ديارهم وضاعفوا جهودهم في دعم المتطرفين وطلبوا من أمريكا تقديم المزيد من الدعم التقني، “نحن وافقنا على ذلك، ولكن اتضح بأننا في نهاية المطاف كنا ندعم المتطرفين”، قال المستشار.

لم يكن السعوديون العائق الوحيد أمام المخابرات الأمريكية، حيث استطاعت الأخيرة جمع أدلة استخباراتية حول دعم حكومة أردوغان لجبهة النصرة لسنوات، وهو الدعم الذي استمر تجاه عناصر تنظيم الدولة إسلامية، ويقول مستشار هيئة الأركان المشتركة معلقًا على ذلك بقوله: “يمكننا التعامل مع السعوديين، ويمكننا التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين، حيث يمكنك القول بأن مجمل حالة التوازن في الشرق الأوسط تقوم على شكل من أشكال التدمير المتبادل المؤكد بين إسرائيل وبقية دول الشرق الأوسط، ولكن تركيا قادرة على إحداث خلل في هذا التوازن، وهو الحلم الذي يسعى إليه أردوغان، لقد أخبرناه بأننا نريد إغلاق صنبور تدفق الجهاديين الأجانب من تركيا إلى سوريا، ولكن حلمه كان أكبر من ذلك، لقد كان يسعى لاستعادة مجد الإمبراطورية العثمانية، ولم يدرك إلى أي مدى يمكن لجهوده أن تكون ناجحة في هذا السياق”.

مشاركة