مناضلون لا رجال دولة

51

 

استطاع راشد الغنوشي أخيراً أن يتجاوز الصيغة التلفيقية للإسلام السياسي، وأن يقدّم خطاباً بالغ الجدّة يقرّ فيه بضرورة الفصل بين الدعوي والسياسي، مستثمراً خلفيته التراثية الواسعة التي يقع في مركزها مفهوم الاجتهاد.

وهو إذ يفعل ذلك، إنما يعبر عن وعي مفارق للوعي السائد لدى نظرائه من زعماء حركات الإسلام السياسيّ، صقلته وأنضجته التجربة السياسية، وارتقت به إلى مصافّ تستحق التقدير والمحاكاة.

في الحفر في جذر هذا التحول – الذي لم يعدم بذوراً في فكر الغنوشي – يمكن القبض على ممكنات في التراث ساعدته على التفوّق على غيره.

تعلّق الاجتهاد -الذي هو مفهوم إسلاميّ-بضدّه وهو التقليد ساعد ممارسه على تحصيل درجة من الوعي لا تتوفّر لدى من يقصر النظر على إعادة النظر في المفاهيم للوصول إلى عمقها عبر التدرج في مراتبها، فلكي تجتهد عليك أن تحصل وعياً بالشيء وضده ووعياً بالعلاقات بينهما بالغاً أقصاه وذلك عبر استفراغ الجهد في كلا المعنيين وتحمّل المشقة لدركهما.

إنه الوعي بالمغايرة الذي يفوق الوعي بالمماثلة الذي يكتفي بالنظر في معاني المفهوم نفسه وتقليبه لإدراك مراتبه المتفاوتة، وهو وعي يوفر له الاجتهاد سبل التحقق أكثر مما يوفره مفهوم التأمل وإعادة النظر في الشيء منفرداً الذي كرّسته الفلسفة الغربية، والذي عدّه المثقفون العرب مفهوماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ما نريد قوله إن استفراغ الجهد لتحصيل المعنى -الذي هو الاجتهاد عينه-من أجل ربط المقصد الإلهي بالمصلحة البشرية هو ما أفاد منه الغنوشي، ومكّنه من التفوق على غيره ممن لم يتمثّلوا هذا المفهوم ولم يعيروه اهتماماً من السياسيين العرب المستغربين، فقط، لأنه مفهوم تراثي قاصر -في نظرهم-بسبب عدم عثورهم عليه في ثقافتهم الغربية.

وإذا كانت تجربتا الإسلاميين في تركيا وتونس قد أثبتتا نجاحاً لافتاً، وقدّمتا خطاباً متميزاً، فإن للظاهرتين علاقة أكيدة بعزوف القياديين في التجربتين عن موضة الانفصال عن الموروث استجابة لعقدة النقص تجاه التيارات الوافدة، وأن فيهما إثباتاً على أن إمكانيات استثمار المفاهيم التراثية أكثر جدوى في العمل السياسي من الضرب صفحاً عنها لأنها الأمسّ رحماً بالواقع المراد الاشتغال فيه عبر فهمه وتطويره.

إن تعميق الوعي بالمفاهيم وأضدادها قد أسيء استخدامه من قبل اليسار العربي الذي قدّمت له المادية الجدلية أدواته -بما استنته من ضرورة النظر إلى الضدّ والارتقاء به وبضدّه إلى وحدة تركيبية أعلى-وكانت إساءة الاستخدام هذه بسبب تحويل هذه الأدوات من وعي المغايرة إلى وسائل للتعبئة النضالية بدل أن تكون وسائل لفهم الواقع بكل أبعاده والوصول بالوعي به إلى أقصى مداه.

كان جديراً بالماركسيين العرب أن يقدّموا الخطاب المتقدم بما امتلكوه من أدوات الجدلية تلك، لو لم تستغرقهم النضالية السياسية من جهة، ولم يغب عنهم أن استثمارها في واقع مغاير يقتضي تكييفها لشروطه من جهة أخرى.

تحدّث الكثيرون عن غياب الفكر عن الثورة السورية، وعن دور هذا الغياب في مآلاتها المأساوية، ولكن جلّ المدركين لهذه الحقيقة  هم من المسؤولين عن هذا الغياب، لأنهم ظلوا يدورون  في منظوماتهم القديمة الماركسية غير القادرة على تبيئة مفاهيمها، أو الإسلامية المصرّة على قصر مفهوم الاجتهاد -الذي لا يقلّ ثراء عن مفاهيم الجدل من حيث قدرته على استيعاب الأضداد بما ينطوي عليه من مغايرة للتقليد- على تلفيق بين القديم والجديد، وافقار إمكانياته الثرية التي استطاع زعيم النهضة في تونس وقادة الحزب الحاكم في تركيا  استثمارها بما يتمفصل مع خصوصيات أوطانهم.

لا نملك إلا أن نقر بفشلنا في استخدام أدواتنا وأن نحيّي من استطاع استخدام أدواته فتفوّق على نفسه وعلينا، وأن نجلو عن أدواتنا الصدأ ونشحذها من جديد، ولا يكون ذك ممكناً بدون الإقرار بأن في تراثنا ما ينفعنا، ويمكّننا من أن نصبح ديمقراطيين علمانيين حقيقيين كما تمكّن بها غيرنا ممن دأبنا على وصمهم بالرجعية والتخلف.

ست سنوات من المأساة السورية كافية لتحويلنا من مناضلين إلى رجال دولة.

 

رئيس التحرير

مشاركة