مصير أوروبا في يد فرنسا

3

يوشكا فيشر

لم يحن بعد أوان الاحتفال بنجاة أوروبا. فالدورة الثانية من الانتخابات الفرنسية مرتقبة في السابع من أيار (مايو). وإذا فاز ماكرون، نجت أوروبا من الدمار الذاتي من جديد. وإذا فازت مارين لوبن، القومية والشعبوية، بالرئاسة، أنهت من غير شك الاتحاد الأوروبي. فسحب فرنسا من منطقة اليورو، على نحو ما وعدت لوبن، يؤدي إلى انهيار اليورو. وإذ ذاك لن يطول الأمر قبل انفراط عقد السوق المشتركة وغيره من المؤسسة الأوروبية النواتية. فتنزلق أوروبا إلى الهاوية، وتبدد 60 عاماً من التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وتريد لوبن سحب بلادها من الناتو والتقرب من فلاديمير بوتين. فترمي التدابير الأمنية في أوروبا في براثن الفوضى، وتبث الذعر في أوساط المستثمرين وتغرق القارة في أزمة اقتصادية. ويتعذر التنبؤ بالنتائج السياسية المترتبة على سياسة لوبن.
وإثر جولة الانتخابات الثانية في فرنسا، يرجح أن تتجنب أوروبا في السنوات الخمس القادمة فحسب، هذا السيناريو الكابوسي. وتفادي هذه الكارثة المستقبلية يقتضي اعتبار القادة الأوروبيين بدروس الانتخابات الفرنسية هذا العام. ومن مصلحة أوروبا ألا يخسر ماكرون السباق الرئاسي. ومستقبل الاتحاد الأوروبي، ومستقبل ألمانيا على وجه التحديد، وثيق الصلة بنجاح ولاية ماكرون الرئاسية في انتشال فرنسا من صعوباتها الاقتصادية وتذليله أزمة الهوية الفرنسية. وضعف فرنسا، وكساد اقتصادها، واضطرابها السياسي خطر كبير على المشروع الأوروبي. فإذا بقيت على هذه الحال، انساقت وراء هذا الضرب من القومية المعادية لأوروبا.
ونجاح رئاسة ماكرون وثيقة الصلة بقدرته على ردم هوة الانقسامات الاجتماعية الفرنسية، وبعث الدينامية الاقتصادية، وجبه معدلات البطالة المرتفعة، وفي أوساط الشباب تحديداً. وحري بنا ألا نغفل أن نحو نصف الناخبين الفرنسيين صوتوا لمرشحين يطعنان في أوروبا ويعاديان هيئات النظام. ولن تقيض الحياة للاتحاد الأوروبي على وقع مثل هذه النتائج الانتخابية، ولم يعد في الإمكان المضي في الأمور كما لو أن شيئاً لم يكن. وينتظر الرئيس الفرنسي المقبل تحفيز النمو الاقتصادي. وهذا يصح في دول منطقة اليورو كلها. وإثر الانتخابات العامة في ألمانيا في أيلول (سبتمبر) المقبل، على برلين أن تخطو خطوات حاسمة وأن تلتزم سياسة اقتصادية أكثر حيوية، إلا إذا أرادت بلوغ القوميين السلطة وتدميرهم الاتحاد الأوروبي. وأخفق النموذج الألماني الاقتصادي في تحفيز النمو في منطقة اليورو تحفيزاً يرسي استقرار العملة المشتركة. وهذا يقتضي: إجماع جديد بين شمال وجنوب أوروبا توجه دفته ألمانيا وفرنسا؛ ومبادرة برلين إلى خطوات حاسمة للنزول على حاجات الاقتصاد الفرنسي وتبديد وهم أن الاتحاد الأوروبي قادر على الحياة بقيادة ألمانيا فحسب. والاتحاد هذا هو كيان معقد ومركب يتعذر قيادته من دون محور فرنسي– ألماني ينسق مع الدول الأعضاء.
وماكرون مدعو إلى تجنب الوقوع في شرك وقع فيه سلفاه، نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند. فكلاهما بالغ في التقرب من المستشارة الألمانية، أنغيلا مركل، فعجزا عن جبه الحكومة الألمانية حين دعت الحاجة. فعلى سبيل المثل، لو كانت معارضة فرنسا سندات اليورو أكبر، لم يكن ليتعاظم زخم الشعبويين المعادين لأوروبا السياسي، على نحو ما حصل في السنوات الأخيرة. فالنزاعات البناءة في أوروبا لا غنى عنها في بعض الأحيان، ومن دونها يلف الاتحاد الأوروبي الغموض. وفي السابع من أيار (مايو)، لن تقرر فرنسا مصيرها فحسب، بل مصير الاتحاد الأوروبي كله.

* وزير خارجية ألمانيا ونائب المستشار الألماني سابقاً، عن «بروجيكت سانديكايت» الدولي، 29/4/2017، إعداد منال نحاس.

مشاركة