مراجعة كتاب: الإسلام والمواطنة الليبرالية، البحث عن إجماع متشابك

81

مراجعة: مناف الحمد

الكتاب:

تأليف: أندرو. ف مارش

الناشر: مطبوعات جامعة أكسفورد

مكان النشر: نيويورك، تاريخ النشر: 2009

ISLAM AND LIBERAL CITIZENSHIP

THE SEARCH FOR AN OVERLAPPING CONSENCUS

AUTHER: ANDREW F. MARCH

PUBLISHER: OXFORD UNIVERSITY

PLACE OF PUBLICATION: NEWYORK

PUBLICATION YEAR: 2009

PAGE NUMBER: 337

المؤلف أندرو. ف مارش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ييل، متخصص في الفكر السياسي الإسلامي والنظرية السياسية والدين.

يمتاز كتاب أندرو مارش، بوعي عميق، بالمنظومتين المراد عقد المقارنة بينهما، وهو وعي بالمغاير، كفيل بالوصول إلى عمق المسألة المراد بحثها؛ لأن فهم المتغايرين، يتطلب الوصول بالوعي، بكلّ منهما، إلى أقصى مداه.

وميزته الثانية، ابتعاد الكاتب عن الأحكام الاختزالية، التي تعزو الصراعات إلى سبب مفرد، والأحكام النمطية التي تجور على المنظومة المراد استنزاف إمكانياتها؛ بغية استكشاف آفاق جديدة فيها.

كما يتحلى الكاتب بحيادية ونزاهة، تجعلانه يقتصر على التحقق من مدى إمكانية العثور، على نقاط تقاطع بين المواطنة الليبرالية، وبين الرؤى المشتقة من العقيدة والتشريع الإسلاميين.

الإجماع المتشابك الذي يبحث عنه الكاتب بين الإسلام، والمواطنة الليبرالية، يقع في بؤرة مفاهيم نظرية العدالة الراولزية[1]، وهو استجابة لواقع التعددية المعقولة الذي يسم المجتمعات الحديثة؛ لأن هذا الواقع ينطوي على وجود عقائد شاملة مختلفة، ولكلّ منها أتباعه، ومؤيدوه؛ ولذلك، فإن الإجماع المتشابك، يعني تأييد هذه العقائد الشاملة، لمفهوم سياسي واحد.

وتنبع صفة الضرورة التي تتصف بها فكرة الإجماع المتشابك، من كون مفهوم العدالة يتطلب قبولًا من عقائد شاملة ومختلفة، غير قابلة -بحكم ماهيتها وشموليتها- للتصالح؛ ما يهدد بتدمير النظام السياسي، وتمزيقه شذر مذر؛ بسبب النزاعات العقائدية، ما لم يوضع أساس عام للتسويغ في نظام دستوري.

مقدمة الكتاب بعنوان: الصراع الأخلاقي، الليبرالية السياسية، والأخلاقيات الإسلامية

يقول الكاتب في المقدمة: إن هذا الكتاب جهد نظري، يسعى إلى تحليل مواقف إسلامية، تجاه المواطنة المشتركة، من خلال منهجية الأخلاقيات السياسية المقارنة.

يؤكد الكاتب تجنبه النظرة النمطية للأخلاقيات الإسلامية، وفي الوقت نفسه، تجنب المعالجة السطحية للاختلاف الأخلاقي، وتجنب المبالغة في قدرة العقائد الدينية، والأخلاقية على تفسير الصراع السياسي.

يضع الكاتب خطوتين أساسيتين لمنهاجيته:

الأولى: عزل العناصر الأخلاقية العقدية عن عناصر أخرى.

والثانية: تحديد الدعاوى الليبرالية، والإسلامية المتنافسة بالضبط.

ويؤكد الكاتب أن الدراسة تبحث عن نقاط التقاء، بين الليبرالية السياسيّة -بوصفها نظرية تعاون اجتماعي- والعقيدة الإسلامية، وفقًا لتقاليدها المنهجية، التي وفقها ينظر المسلمون، إلى أمر ما على أنه جائز شرعًا.

الهدف -بحسب الكاتب- شرح فهمه للخلاف الأخلاقي، وما المطلوب من أجل تسوية أخلاقية مبدئية، بين منظومتين أخلاقيتين.

يتجنّب الكاتب الحكم التبسيطيّ الذي فحواه؛ أن الصراع السياسي يمكن اختزاله إلى سمات دينية، أو ثقافية أو أخلاقية، والحكم التبسيطيّ الآخر، أن الصراع دالّة لمقاومة هيمنة استعمارية.

يطرح الكاتب سؤالًا: كيف يمكن تحويل مواطنين متدينين إلى مواطنين ليبراليين؟

والجواب هو:

– إما أن يستبدل بالاعتقادات الدينية اعتقادات جديدة، أو يضاف إلى الاعتقادات الدينية اعتقادات أخرى؛ فلا توجد مشكلة مع التجديف، والردة، كحقوق في حرية التعبير، وحرية الاعتقاد.

ويطرح سؤالًا محوريًا آخر: هل يمكن ان تنبثق المواطنة الليبرالية من داخل الدين؟

ويقدم جواب راولز عن هذا السؤال:

لا يحلّ الخلاف الأخلاقي بين عقائد متنوعة -بحسب راولز- عندما نتقاسم عقيدة أخلاقية مشتركة، وإنما، عندما تصنع العقائد إجماعًا متشابكًا، وعندما لا تكون متطلبات العدالة في صراع مع اهتمامات المواطنين الأصلية.

الجزء الأول بعنوان: النظرية السياسية التبريرية المقارنة

البحث عن إجماع متشابك من خلال النظرية التبريرية الأخلاقية المقارنة

يبحث فيه الغاية من الكتاب والطرق المستخدمة للوصول إليها في فصلين:

يؤكد الكاتب أن حضور الإسلام في الغرب، يمثّل تحدّيًا للحيادية الليبرالية؛ فالمسلمون في الديمقراطيات الليبرالية يمثّلون مجموعات ثقافية، وعرقية، ولغوية، وهم يتمتعون بالحقوق المشتقة من قيمة الاستقلالية الفردية، كـ “حرية التعبير” التي تصل إلى الحق في التجديف، و”حرية الاعتقاد”، وغيرهما، ولكن في الوقت نفسه، لا تمنح الحيادية الليبرالية المجتمعات المسلمة كلّ الحقوق التي تريدها، كالحماية من الكلام المؤذي.

ثم يحدّد الكاتب الهدف من هذا الكتاب، وهو تحرّي فيما إذا كان المسلمون يعدّون متطلبات المواطنة في ديمقراطيات ليبرالية، مثل الولاء لدولة غير مسلمة، والتعاون مع غير مسلمين -كمتساوين سياسيًّا واجتماعيًّا- مقبولة شرعًا.

ثم يحدّد الكاتب الغرض من النظرية السياسية المقارنة، وهو ضرورة البحث عن إجماع متشابك بين مذاهب سياسية شاملة؛ لأنه عندما يوجد إجماع عابر للعقائد الشمولية -على معايير وقيم- يمكن القول إن المواطنين يحكمون أنفسهم بأنفسهم؛ لأن كلّ واحد يوافق على ما يشتق من هذه القيم والمعايير.

في فقرة مستقلة بعنوان أخلاقيات الخطاب والديمقراطية التداولية، يناقش الكاتب نظرية هابرماس، الذي تحدد الأخلاق لديه، من خلال حوار فعلي بين أشخاص مدركين مصالحهم، وتراثهم الثقافي.

والتهمة التي توجهها أخلاقيات الخطاب للنظريات، التي تبحث عن تأسيس مفهوم خاص للخير، هي أنها إما أن تقع في الدور المستحيل[2]، أو في التسلسل المستحيل[3]، او في الكسر العشوائي لسلسة الاستدلال.

يرى هابرماس، أن الخطاب على عكس النظرية الراولزية، لا يعتمد على مفهوم الحيادية؛ لأنه يضمّ كلّ المشاركين فيه، في بحث تعاوني عن الحقيقة، تنبثق منه المعايير، وليس من استدلالات نظرية، وهو ما يجعل التبصّر الأخلاقي ممكنًا.

أخلاقيات الخطاب لا تقوى -في نظر الكاتب- على منافسة الليبرالية السياسية؛ فهي ليست قادرة على تقديم حجج قوية في الدفاع عن الحقوق الليبرالية الأساسية؛ فهابرماس يحدد مبدأين أخلاقيين متضَمَّنين في أخلاقيات الخطاب، هما الاحترام العام، والمعاملة بالمثل.

ويقول الكاتب: إن هذين المبدأين ليسا غائبين عن مبادئ العدالة، التي يقترحها راولز.

ويخلص الكاتب إلى نتيجةٍ مفادها، أن الاهتمام بمذهب المواطنة الإسلامية، في ديمقراطيات ليبرالية -من منطلق أخلاقيات الخطاب- هو مثل الانطلاق من الليبرالية السياسية.

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى عرض الانتقادات التاريخية، والنسبية، والشكوكية للتبرير الليبرالي:

لا شكّ في نظر الكاتب أن اهتمام راولز بالإجماع المتشابك، يوحي بإدراكه أن المجتمعات الليبرالية، لا يمكن أن تزدهر من دون تنافس مع مذاهب سلطوية، وغير مساواتية؛ فما يبرر مفهوم العدالة، هو تطابقه مع الفهم الأعمق لنا، ولطموحاتنا، ومبادئ الاحترام الكوني، والمعاملة بالمثل، فهي توضيحات فلسفية لوجهة النظر الأخلاقية السائدة، ضمن أفق الحداثة التأويلي، وهذه المبادئ ليست الافتراضات التي لا يشوبها اللبس، والتي يتوجب على كلّ عقلاني الاعتراف بها.

تُوصِّل إلى هذه المبادئ من خلال عملية توازن تأملي واسع[4]. ويركز الكاتب هنا على رؤية “رورتي”، الذي ينكر وجود أساس إلزام أخلاقي بطبيعة عقلانية كلية لكل البشر، وهي محاولة تُضاف إلى غيرها؛ لتفنيد شرعية الليبرالية وسلطتها المعنوية.

وعلى رؤية راز[5] لخيار الاستقلالية، على أنه ذو قيمة كبيرة في بيئة غنية بالخيارات التي تستحق الاختيار، والتي تنطوي على مسلمة: أن افتراضات الاستقلالية ليست مكتوبة في نسيج طبيعتنا البشرية.

هذا الموقف يشدّد على الحاجة إلى ربط التبرير السياسي، بالسياقات الاجتماعية المعينة.

نقاش الكاتب، هو التأكيد على الربط التاريخي لليبرالية، الذي يخدم -كحجة قوية- في استيعاب المعايير الليبرالية في عقائد سلطوية تقليدية تحديدًا؛ لأن المجتمعات التي تعيش فيها هذه العقائد، تعيش الشروط التاريخية نفسها، التي تجعل الليبرالية متماسكة.

الاتهام الآخر هو الانحياز الليبرالي، وفحواه: أنه مطلوب من المسلمين، تأكيد قدرة الإسلام على إثبات المبادئ الليبرالية، ويدفع الكاتب هذا الاتهام بالقول: إن الأسئلة المطروحة في الكتاب على مفكرين إسلاميين، مقيدة بالمتطلبات المعقولة للإجماع المتشابك؛ نظرًا لوجود إجماع ضمن الديمقراطية الليبرالية التعددية، وهو شيء آخر غير فرض اهتمامات ليبرالية على أي نصّ إسلامي.

إن ما تحاول النظرية السياسية المقارنة أن تجده لدى المسلمين المؤمنين بدينهم، هو تحديد أسباب إسلامية؛ من أجل تأييد ما يعدّه الكاتب مبادئ أخلاقية معقولة، لتنظيم التعاون الاجتماعي.

ويقول الكاتب: إن ميزة البحث الأساسية، هي استخدام مصادر إسلامية ذات أهمية كبيرة للمسلمين المؤمنين، وللمفكرين الإسلاميين الذين يأخذون مشكلة المواطنة بجدية.

إن الهدف هو الدخول في نقاش؛ من أجل الوصول إلى تبرير عام متبادل مع مسلمين مؤمنين، حول الشروط المعقولة للتعاون الاجتماعي.

وهناك اعتراض يشير إليه الكاتب، على محاولة الوصول إلى تأييد المبادئ العدالة -من ضمن العقيدة الشاملة- هو أن التقاليد الدينية والثقافية ليست لها صيغة واحدة، ولا تجلّ واحد، وهو ما يؤكده الكاتب، ولكنه يرد على الاعتراض، بالقول: إنه يسعى إلى التفسير الأكثر معقولية للتقليد الأخلاقي، أو الثقافي، بما يحفظ العنصر الأكثر أساسية في ذلك التقليد، والذي يجعله هو، ولا شيء غيره، بالشكل الذي يسمح بالوصول إلى نوع من التوافق.

يحدِّد الكاتب بعد ذلك مبادئ الأخلاقيات المقارنة:

أولًا: البدء بالتنظير من مصادر أكثر تقليدية إلى الأقل؛ لأن الأولى أكثر موثوقية؛ فهي على الرغم من أنها تميل إلى المحافظة أكثر، إلا أنها تمثّل الجهد الفكري الأكثر إخلاصًا؛ لفهم النصوص، التي يعدّها المؤمنون بها موحى بها من الله.

يشبه الكاتب التدرج من الأكثر إلى الأقل تقليدية، بعملية تقشير البصل، وهو يقول: إن السبب الأساسي لاعتماده هذه الطريقة؛ هو أنها تمثل تحديًا أخلاقيًا أعمق لليبرالية.

يذكر الكاتب هنا حرصه على عدم فرض مفاهيم مسبقة، وإنما قراءتها بواسطة مؤلفين مسلمين؛ بغية التحليل النقدي للدليل الذي يقدمونه؛ من أجل إعادة تفسيرها، وقياس هذه التفسيرات مقارنة بسابقاتها.

ثانيًا: الشفافية وتعني الحزم في الاستشهاد بالدليل المغاير لغايته.

ثالثًا: التعاطف، وهو المبدأ الذي يحرص على امتلاك الروح، التي يقرأ بها أعضاء التقليد النصوص، عن طريق التعاطف معهم، والدخول في عالمهم الفكري.

رابعًا: التقييد، ويعني به الكاتب، الانتباه إلى أن الإجماع البيـ ذاتي قد يكون على حساب التضحية باعتقادات أساسية؛ لما يعنيه كون المرء عضوًا في مجتمع معين.

منهجية الكاتب في التقويم، تنطلق من عدة أسس:

– أن الليبرالية السياسية لا تعنى بكون العقائد الشاملة تعطي أسبابًا لدعم المؤسسات الليبرالية، ولكنها مهتمة بوجود إجماع من عقائد شمولية، على دعم مؤسسات ليبرالية، لأسباب معقولة أخلاقيًا.

– التأكيد على عدم تقديم تفسير، لنصوص إسلامية كتبها مواطنون مسلمون، وإنما الاكتفاء بالقول: إن الحجج المشتقة من هذه التفسيرات، ليست مبدئية كفاية -من وجهة نظر الليبرالية السياسية- وإنها لا تشير إلى إجماع متشابك.

– أما الأساس الثالث؛ فهو اقتراح صياغات يمكن أن تكون معقولة -من وجهة نظر ليبرالية-.

وهذه الأسس الثلاثة تدعى: “التشخيص”.

أخيرًا؛ فإنّ إمكانية أن تستند عقيدة المواطنة، أو الإجماع المتشابك إلى سلسلة من الحجج، أو مجموعة من المواقف المشتقة من مجموعة من المصادر، والباحثين، والأزمنة المختلفة، وهي مرحلة “التركيب”، والذي يشترط فيه ألا تكون المواقف المتنوعة متعارضة مع بعضها بعضًا، أو معتمدة على أسس أو منهجيات متعارضة.

يؤكد أنه يركز على الفقه الإسلامي الكلاسيكي، والمعاصر، وأجوبتهما عن أسئلة محددة، ويستشهد بالباحث الأمريكي شيرمان جاكسون؛ لدعم منهاجيته في البحث، الذي يقول: إنه على الرغم من أن القانون الإسلامي غير ذي صلة، وهامشيٌّ، بالنسبة إلى النظام القانوني، في قلوب أعداد متزايدة من المسلمين وعقولهم، فإن سلطته الدينية والثقافية، تبقى سائدة، من حيث تعريف الحقوق والواجبات.

ويؤكد أن تأكيد المواطنة الليبرالية، لا يشترط أن يتبنّى الشخص مفهوم الليبرالية الشاملة، ولا يطالبه بالتصريح باعتقادٍ لا يؤمن به.

الجزء الثاني: “الإسلام والمواطنة الليبرالية”

نماذج عدم الاتفاق الأخلاقي والتسوية المبدئية

يتألف من فصلين: الثالث؛ يبحث الاعتراضات الإسلامية على المواطنة في ديمقراطيات ليبرالية، غير مسلمة، والرابع؛ يبحث في تحديد عقيدة مواطنة إسلامية أنموذجية.

يؤكد الكاتب في مستهلّه، على أن مفهوم العدالة، يعتمد -بشكل كبير- على دعم المواطنين الذين لا يجدون تنازعًا غير قابل للتسوية بين مفاهيم الفضيلة التي يمتلكونها، والمدى المسموح لهم للسعي لتجسيدها. وأن الليبرالية لا تتطلب ألا تفرض الدولة مفهومًا، للخير على الأفراد فحسب، ولكنها تفرض -أيضًا- قيودًا على الأفراد؛ لكيلا يحاولوا فرض سلوك على الآخرين، يستجيب لمفهومهم عن الخير.

باختصار؛ تؤسس الليبرالية مدىً واسعًا من الحقوق والحريات المدنية، ولا تعترف بحق أي سلطة دينية، أو ثقافية في حرمان أفرادها من هذه الحقوق؛ فللجماعات الدينية في الليبرالية حقوق محميّة، ولن تواجه تهديدات صريحة لتقاليدها الدينية؛ ولهذا ستبقى محميّة من اعتداءات الأكثرية فالمتطلب الأساسي للمواطنة -في الديمقراطيات الليبرالية- هو أن تعترف الجماعات بحقوق الأفراد ضمنها؛ لكي تشكّل استقلالية سياسية.

مفهوم راولز، أن القوانين يجب ألّا تعتمد على نصوص دينية، وألّا تعتمد على تبرير مبادئ ميتافيزيقية.

وبما أن الإسلام يتضمن رؤية سياسية، وأجوبة قانونية عن أسئلة اجتماعية، واقتصادية، وسياسية، وتشديد واضح على متطلبات اجتماعية؛ من أجل حياة وَرِعَة؛ فإنه من المغري، البحث -ضمن عقيدة المواطنة الإسلامية في ديمقراطيات ليبرالية- عن إجماع متشابك.

الجزء الثالث: “اعتراضات إسلامية على المواطنة، في ديمقراطيات ليبرالية غير مسلمة”

ويتألف من أربعة فصول:

1- الإقامة في دولة غير مسلمة.

2- الولاء لدولة غير مسلمة.

3- الاعتراف بدولة غير مسلمة والتعددية الأخلاقية.

4- التضامن مع غير مسلمين.

يناقش الكاتب آراء طيف واسع من الفقهاء فيما يتعلق بالإقامة، مثل الفقيه المالكي المازري، والوانشريزي، والسرخسي، ويستخدم المصطلحات الإسلامية (دار الحرب ودار الإسلام)، ومن ضمن تحفظاتهم التي تشتق من هذه الأشكال من التعارض:

أنّ الإقامة في بلد غير مسلم، يمكن أن تؤدي إلى هيمنة غير المسلمين على المسلمين، وتقوية غير المسلمين (تكثير سوادهم، والحياة في بيئة آثمة). ومن ضمن الاعتراضات على الولاء:

1- العنف الموجه ضد المسلمين، وضد دولة المواطنة التي يعيش فيها المسلم.

2- الخدمة في جيش دولة المواطنة.

التضامن مع غير المسلمين: التحفظات على:

1- وضع الثقة في غير المؤمنين، رفض لوعد الله.

2- الصداقة مع غير المؤمنين، خيانة للمسلمين، والمجتمعات الإسلامية.

3- سعي غير المؤمنين دائمًا إلى تشويه الإسلام.

يناقش الكاتب الاعتراضات المشار إليها في الفصل الثالث، ولكن بوضع فرضيات، واختبارها؛ لكي تبين مدى منطقية الاستنتاجات الفقهية من النصوص:

الفرضية الأولى؛ ترى أنّ النصوص المقدسة التي تنص على تحريم الإقامة، لا تكرّس النتائج التي يخلص إليها الفقهاء، كما أنه توجد نصوص تقود إلى أحكام مناقضة، وتوجد أسباب للنظر إليها على أنها أكثر موثوقية.

أمّا الفرضية الثانية؛ فترى أنّ من الممكن إنجاز واجب إظهار الدين، في غياب سلطة سياسية مسلمة، وتحت سلطة قانونية، وسياسية غير مسلمة.

وترى الفرضية الثالثة؛ أن عد المنافع العظيمة المتضمنة في نشر الدين، وتقوية المسلمين، هي الزاوية التي ينظر من خلالها إلى الإقامة في بلد غير مسلم، ولكنها ليست الزاوية الوحيدة.

فعبد القادر، والقرضاوي، وابن البياع، وآخرون، يسمحون بالإقامة في بلدان، أنظمتها لا تقيم الإسلام، ويقدمون شكلًا توفيقيًّا، هو “الأجنبي” المقيم وفقًا له يمكن للمسلمين أن يقيموا في هذه الدول – لكن بشرط- أن يتجنبوا أي شكل من التكامل السياسي.

ومن بين الآراء الطريفة رأي الشيخ الكندي “أحمد القوطي”، الذي يعدّ الإقامة في بلد غير مسلم عبادة؛ لأن واجب الهجرة انتهى بعد فتح مكة، وهي عبادة طالما تمتع المسلم بالأمان، وحرية ممارسة دينه.

ورأي المفكر السويسري “طارق رمضان”، الذي يعدّ مبدأ الشهادة تعبيرًا كاملًا للمسلم عن نفسه، ويصبح محوريًّا، ويأخذ معناه الكامل في الغرب.

مشكلة الولاء الكبرى من منظور الليبرالية السياسية، أن المسلم لا يمكن أن يعترف بحق دولته غير المسلمة في الوجود، ولا يوجد أي واجب عليه تجاهها، ولا يشعر أنه يمكن أن يدافع عنها، حتى لو كان المعتدون غير مسلمين.

فما الطريقة لتحقيق التوازن بين ولائه لجماعته، وواجبه تجاه دولة المواطنة؟

توجد عدة اجتهادات للجواب عن هذا السؤال:

1- إنّ عدوان المسلمين على دولة غير مسلمة، مبرر فقط في حالة الدفاع عن النفس، وليس لتسهيل نشر الإسلام، أو تغيير نظام حكم في بلد يعيش فيه المسلمون غير مضطهدين.

2- في الصراع بين دولة غير مسلمة يعيش فيها المسلمون، وقوة مسلمة يمكن للمسلم أن يتخذ موقف الحياد.

ويناقش الكاتب -في هذا الفصل- العنف الموجه ضد الدولة الليبرالية، التي يعيش فيها المسلم، ومتى يكون غير منسجم مع المواطنة الليبرالية.

إن عدّ الحرب التي تشنها دولته ظالمة، لا يسمح له باتخاذ فعل عنيف ضد دولة المواطنة، ولكنّ رفضه للمشاركة فيها، لا يقدح في تبنّيه عقيدة المواطنة الليبرالية.

وإذا رفض الاشتراك مع دولته في قتال مسلمين، وتعهد بعدم مساعدة المسلمين، فهذه أيضا حيادية مقبولة، وتعبّر عن ولاء مدنيّ للدولة.

تدعم النتائج التالية من نقاش الكاتب إجماعًا متشابكًا، -من ضمن المنظور الإسلامي-

فمن غير المسموح لمسلم أن يقاتل في جيش غير مسلم، حتى للدفاع عن دولة يعيش فيها غير مضطهد، عندما تكون القوة الأخرى مسلمة؛ لأن القرآن والحديث قد عدّا إثما قتل المسلم مسلمًا.

وإذا أعطي المسلم الأمان، وعومل بالعدل، وسُمح له بإظهار دينه في تلك الدولة؛ فيمكن ألّا ينضم إلى قوات غازية مسلمة، وألّا ينخرط في أفعال تدمير جهد الدولة غير المسلمة التي تدافع عن نفسها؛ لأن عليه أن يقبل الحماية، ومنافع العيش في تلك الدولة، وقد تعاقد معها على عدم الإيذاء.

أما إذا كانت القوة الغازية لدولته غير مسلمة؛ فإن النتيجة التي تحقق التوافق بين الليبرالية السياسية، والعقيدة الإسلامية، أنه مسموح له أن يساهم في طرائق محسوسة، في جهد الدفاع عن النفس، للدولة غير المسلمة.

فيما يتعلق بـ التضامن مع غير مسلمين، ومشكلته؛ فإنّ تجنب المساهمة في رفاه المواطنين؛ لأنهم لا يشاركون المرء مفهومه للخير، أو الحقيقية؛ فإنّ هناك اعتراض فقهي في الإسلام، على المساهمة في تقوية غير المسلمين ورفاههم؛ لأن هذا يزيد قوتهم -على حساب المسلمين- ويخلص الكاتب إلى الصيغة المتوافقة مع الإجماع المتشابك: “من المسموح للمسلم أن يشارك في نظام سياسي غير إسلامي، ومن دون أن تكون هذه المشاركة وسيلة لخدمة مصالح مجتمع إسلامي، وإنما لمصالح مشتركة لمسلمين، وغير مسلمين”.

من ضمن ما يستلزمه التضامن، العاطفة تجاه غير المسلمين، التي يعدّها “المولوي” غير مسموحة -إذا كانت موجهة نحو كافر يقاتل المسلمين- أما إذا لم يكن يقاتل المسلمين، ولديه صفات إيجابية، فلا ضير.

وهو رأي يعدّه الكاتب متوافقًا مع المفهوم الليبرالي، للتضامن بين المواطنين -فوفقًا للمولوي- القاسم المشترك بين المفاهيم الليبرالية والإسلامية، هو كونيتهما المشتركة؛ فروابط المصلحة المشتركة، والحب يمكن أن تتطور في أي مكان، ومن دون النظر إلى فروق إثنية أو عرقية، أو ثقافية.

أما الاعتراف الدائم بدول غير مسلمة، فإن أهم ما جاء في هذه الفقرة، هو رؤية المسلم الأمريكي “شرمان جاكسون” الذي يدعو إلى ضرورة معاملة الآيات في سياقها؛ لأن المعالجة القرآنية للحرب، عكست الوقائع السياسية، والاجتماعية، والتاريخية للقرن السابع الهجري، وهي تعكس الحاجات الخاصة لمسلمي ذلك الزمان، بالتوافق مع الأنموذج السائد آنذاك للحياة.

ويعمد جاكسون إلى اللجوء إلى مناهج أصول الفقه؛ لدعم دعواه بضرورة تغيير العقائد الإسلامية، وهو يعتقد أن الدينامية الحركية هي افتراض طبيعي للقانون الإسلامي، ويقتبس من الفقيه المالكي “شهاب الدين القرافي” -من فقهاء القرن الثالث عشر- الاجتهاد القائل: إن تبني أحكام مستنتجة على أساس تقليد -حتى بعد تغير التقليد أو العرف- هو انتهاك للإجماع.

وفي الانتقال إلى علاقة الاعتراف بالتعددية الأخلاقية، يعرض الكاتب محاولة يوسف القرضاوي لفكّ العقدة بين تكفير غير المسلمين، وبين الدعوة للتسامح معهم، فالقرضاوي لا يرى في الخلاف الديني سببًا لعدم التسامح؛ لأن الخلاف الديني قضاء إلهي، وهو ما يعدّه الكاتب رؤية قاصرة، عما تتطلبه الليبرالية السياسية.

في الانتقال إلى مسألة تندرج تحت مسألة الاعتراف وهي: “العدالة عبر المجتمعات”، يناقش الكاتب ثلاثة احتمالات:

الأول: أن لغة التزام العدالة مع غير المسلمين، لغة بلاغية.

الثاني: أن غير المسلمين يمكن أن يدخلوا في عقود تضمن العدالة لهم.

الثالث: وجود رغبة لدى مدارس إسلامية، يعبر عنها “الغنوشي”، و”المولوي”، و”فضل الله”، بالتنظير لعلاقة أخلاقية أكثر شمولية مع غير المسلمين، ومع المجتمعات غير الإسلامية.

ومن ضمن الرؤى المميزة التي يعرضها الكاتب، والتي تناقش الموالاة، رؤية “ابن البياع” الذي يشيد بقيم العلمانية، التي هي احترام القوانين، والحيادية بين الأديان، والاعتراف بالحقوق الإنسانية الجمعية، والفردية، وحماية الدولة لها، وحق الاختلاف، والتنوع، وحق الفرد في اللجوء إلى المحكمة؛ لنيل حقه، والتزام الفرد باحترام القانون، ودفع الضرائب، والمشاركة في الجهد الوطني، لبناء المؤسسات والدفاع ضد العدوان.

يؤكد الكاتب أن النظام السياسي الليبرالي، لا يتحفظ على اعتراضات المنظرين الإسلاميين؛ فالليبرالية السياسية، لا تطلب من المواطنين المسلمين، أن يكون ولاؤهم، على حساب مجتمعاتهم.

ولا تطلب منهم أن يقدموا عقيدة الآخر على عقيدتهم؛ لأن الليبرالية ملتزمة بالحيادية، والامتناع المعرفي، وهي لا تعدّ أي دعوى ميتافيزيقية أساسًا للعدالة.

يخلص الكاتب إلى نتيجة: أن اهتمامًا واضحًا، يلحظ لدى المداس الإسلامية بالتفكير في العلاقات الأخلاقية، مع غير المسلمين، بعدل ومساواة، ولكنها تميز هذه العلاقات، عن الدخول في أنواع علاقات تعاقدية معينة معهم. وفي النهاية؛ فرؤى هذه المدارس لا تقدم التزامًا بمفاهيم ليبرالية للعدالة، بحسب الكاتب.

فيما يتعلق بالمشاركة في حكومات غير إسلامية، يعرض الكاتب موقفين:

– موقفًا يتبنى عدم تحريم المشاركة مع غير المؤمنين؛ لأن التعاون معهم في قضايا دنيوية؛ سعيًا إلى أشكال من الرفاه والعدل، سعي يحضّ عليه الدين.

– وموقفًا يرى تحريم المشاركة؛ لأن فيها دعمًا للظالم، وهم يعدون الاستشهاد بقصة يوسف باطلًا؛ لأن فرعون يوسف كان صالحًا؛ ولأن يوسف كان متحررًا من الخضوع له.

ومن أبرز الآراء التي يعرضها الكاتب، رأي “الغنوشي” الذي تعتمد رؤيته على نظرية “المقاصد الشاطبية”، التي يشتق منها جواز المشاركة؛ لأن المطلوب الأساسي، هو تشجيع المسلمين على التركيز على مفهوم أوسع للحاجات البشرية، أكثر من الرغبة في الحكم بحرفية ما أوحى به الله.

ويؤكد الغنوشي أن الحكومة العادلة -حتى لو لم تكن إسلامية- تعدّ قريبة من الحكومة الإسلامية؛ لأن العدل أهم سمة للحكومة الإسلامية. وهو رأي يعدّه رأيًا قريبًا جدًا من الرؤية الليبرالية السياسية.

بالنسبة إلى المدارس المعاصرة يبرز موقف المجلس الأوربي للفتوى والبحث، الذي يرى أنّه

“من المسموح للمسلمين أن ينخرطوا مع غير المسلمين، في صفقات تجارية، ومعاهدات سلام، وعقود وفقًا للأحكام، والشروط السائدة في هذه البلدان”.

ويرى أنّ “مشاركة المسلمين في الانتخابات، واجب قومي، إضافة إلى أنه يندرج في التعاون على البرّ، ودفع الأذى”.

ويبرز -كذلك- رأي رمضان، الذي يشجع المسلمين في الغرب على المشاركة السياسية، وهذا من ضمن حمل الشهادة، الذي يعدّه رمضان موجبًا للانخراط في المجتمع، في مناطق البطالة والتهميش، وفي إصلاح النظم القانونية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهو موقف أكثر ليبرالية مما هو مطلوب -بحسب الكاتب-.

ويرى الكاتب أن دوافع المشاركة السياسية في هذه الآراء، متوافقة مع الليبرالية السياسية، وتحقق إجماعًا متشابكًا.

نتائج

ثلاثة مناهج عالجت بها المدارس المعاصرة التناقض مع المصادر الكلاسيكية:

يتضمّن المنهج الأول: عبارات واسعة عامة، محافظة، متبوعة بشرح، وتوضيح، منها أبحاث “خالد عبد القادر” عن فقه الأقليات، وهي مثال واضح على هذا السبيل الذي يعرض الآراء الرافضة لفكرة المواطنة، أو الولاء لغير المسلمين، ثم يتبع العرض بمعالجات مفصلة لحالات محددة، تضعف بشكل كبير الرفض الأولي، وعبد القادر يعدّ هذا الأسلوب متوافقًا، مع الممارسة التقليدية للقانون الإسلامي، التي تستجيب بشكل خلاق للديناميات السياسية والاجتماعية، لمجتمع موجود ضمن سياق تاريخي معين، وهذه العملية يعبّر عنها من خلال تفاصيل لغوية دقيقة جدًا، ما لم يركّز عليها؛ فلن يمكن للمرء أن يستطيع تقويم ديناميات الخطاب القانوني.

فيما يتّضح في المنهج الثاني، الدعوة العامة بمرونة وبراغماتية متأصلتين في الشريعة، ومن دون استدعاء مذهب عام عن مقاصد الشريعة. ويكون التركيز هنا على تحليل المنافع-التكاليف (فقه الموازنات)؛ من أجل كل ممارسة فردية، ويعدّ القرضاوي، وابن البياع، من أبرز ممثلي هذا المنهج؛ فهما يحثان على المرونة، والبراغماتية؛ لتجنب النزاع، من دون تطوير عقيدة للخير مستقلة عن القواعد الكلاسيكية.

المنهج الثالث: هو الذي يركز على مقاصد الشريعة، وأبرز ممثلي هذا المنهج، طارق رمضان، وراشد الغنوشي، مع أنه يمكن أن يصنف ضمن متبعيه القرضاوي، وابن البياع، ورشيد رضا، ومرجعية هذا المنهج الشاطبي الأندلسي.

من أجل عقد مقارنات مع النظرية الأخلاقية الغربية، يقترح الكاتب أربع مقاربات:

– أولى المقاربات تلزم غير المسلمين إلزامًا أخلاقيًّا، بالنظر إلى استدعاء الأوامر الإلهية الموجودة في الوحي، التي تقدم أجوبة مباشرة عن أسئلة أخلاقية، وهي مقاربة غير كافية، أو إشكالية في نظر الكاتب؛ لعدة أسباب أهمها: أن هذه المقاربة، من المرجح أن تتعايش مع موقف “البراء”[6] من غير المسلمين ومثالها، آراء “عبد العزيز الجربوع″، الذي يرى أن الأصل في علاقة المسلمين، مع غيرهم هو الحرب.

– المقاربة الثانية: هي التعاقدية، والمشتقة من نصوص وأحكام، تؤكد على ضرورة احترام المسلمين، لعقودهم مع غير المسلمين، والسمة الأخلاقية لهذه المقاربة، هي التأكيد على عدالة شروط العقد، وليس على المنافع الثانوية من التوافق.

توجد في نظر الكاتب عدة محددات، تمنع هذه المقاربة التعاقدية من بناء عقيدة مواطنة، أو علاقة أخلاقية شاملة مع غير مسلمين، في مجتمعات غير مسلمة، أهمها أن هذا الإلزام الأخلاقي يمكن أن يفسر، بأنه إلزام تجاه فكرة العقد، وليس تجاه غير المسلمين.

– المقاربة الثالثة: هي المقاربة البراغماتية، والتي يعدّ الكاتب أبرز ممثليها القرضاوي، وابن البياع، ورشيد رضا، وهي مقاربة تشرعن الالتزام الأخلاقي، تجاه المجتمعات غير المسلمة وفقًا للمنفعة.

أنواع المنفعة المتحصلة من هذا الالتزام ثلاثة:

1- تحقيق واجبات إسلامية دينية أكبر، مثل نقاش السرخسي عن جواز القتال مع حاكم غير مسلم؛ لحماية حيوات المسلمين، وممتلكاتهم.

2- تقديم بعض الأهداف الاجتماعية، والسياسية الإسلامية كواجب من واجبات الدعوة.

3- رفاه المسلمين، مثل نقاش رضا عن الخدمة العسكرية، كسبيل لتأمين حريات سياسية.

النقص الذي تعانيه هذه المقاربة؛ هو أن الالتزام الأخلاقي تجاه المجتمعات غير المسلمة، ليس واضحًا بما فيه الكفاية؛ فهي تعكس اهتمامًا ضعيفًا بمصالح غير المسلمين. وليس فيها أي حكم يقضي بصلاحية شروط التعاون الاجتماعي الليبرالي.

– المقاربة الأخيرة: تركز على الغاية من العلاقة الاجتماعية: تؤكد هذه المقاربة مركزية واجب الدعوة، والخير الذي يجب أن يسعى المسلمون لتحقيقه لكلّ الناس؛ لأن الله قد بارك، وشرّف بني آدم.

الاعتراضات على فاعلية الدعوة، هي أنها يمكن أن تنطوي على رغبة في تحويل المجتمع والدولة، وليس الاعتراض على ممارسة الدعوة؛ فهي ممارسة مسموحة في المجتمع الليبرالي، ولكنّ الخوف من أن تنطوي على اعتراف تكتيكي موقّت بالمجتمعات غير المسلمة، وعدم تبن مخلص للمواطنة الليبرالية.

المعالجات الإسلامية لممارسة وغرض الدعوة، تعكس محاولة لتقديم تفسير إسلامي شامل للعلاقة الأخلاقية مع غير المسلمين، مستند إلى منطق تشريعي وثيولوجي.

في نظر الكاتب، الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، لا تختلف عن أخلاقيات الخطاب؛ لأنها ملتزمة بالشفافية، والشرف، والاحترام، والمساواة بين الداعي والمدعو.

يمكن أن يعدّ الباحثون الإسلاميون منظرين لعلاقة أخلاقية مع غير المسلمين، معتمدة على ممارسة جدل أخلاقي. كما يمكن للباحثين الإسلاميين أن ينظروا إلى العلاقة مع غير المسلمين أفرادًا، ومجتمعات، كعلاقة صداقة مدنية. فحديث المولوي عن العاطفة تجاه من يدعون إلى الإسلام، يمكن أن يكون مناظرة لمفهوم التضامن.

بشكل مشابه؛ فإنّ الحكمة هي دعوة للآخر بطريقة تتناسب مع الظروف الاجتماعية، وهي0 دعوة لمعرفة الآخر، والتكامل مع المجتمع الأوسع، والذي هو نزوع إلى الاعتراف، والتضامن؛ فالمولوي يقول: إن الصيغ الأساسية للعلاقة بين المسلمين، وغير المسلمين، هي التعارف، والتعايش، والتعاون.

تتقاطع فكرة الدعوة مع فكرة المشاركة في أنظمة غير مسلمة؛ فباحثون إسلاميون يعدون المشاركة في رفاه غير المسلمين، اهتمامًا دينيًا للمسلمين الملتزمين بالدعوة، والكونية الأخلاقية الإسلامية.

وهنا، نجد تبريرًا لدعاوى الليبرالية السياسية وإمكانية لإجماع متشابك.

نقد

ثمة نقطة ضعف لا يشير إليها الكاتب في نظرية راولز، تكمن في آلية التوازن التأملي الواسع، التي يقول راولز إنه وصل بوساطة استخدامها إلى مبدأي العدالة، ونقطة الضعف هذه تتجلّى في

أن مبدأي العدالة في الليبرالية السياسية يُتوصل إليهما، عبر آلية التوازن التأملي الواسع؛ فالبدء بأحكام مروّى فيها، والتحرك منها إلى المبادئ مع حججها الفلسفية، واختيار ما ينسجم من هذه المبادئ مع الأحكام المروّى فيها، هو الكفيل بالتوصل إلى مبادئ العدالة، وهو منهج، يدّعي رفضه للأسسية، ولكنه يعاني من نقطة ضعف تتمثل في أن هروبه من الموقف الأسسي، غير ممكن؛ لأنه إذا افترض وجود حكم مروّى فيه لدى الشخص، وكان حكمًا موثوقًا به، وهذه الثقة من القوة، بحيث لم تزعزعها أيّ اعتبارات نظرية نابعة من النظريات المتضمنة في المجموعة المتماسكة، التي تدّعي آلية التوازن التأملي الواسع أنها شكّلتها؛ فإن هذا يعني: أن حكمًا مروًّى فيها واحدًا قادر على تجريد مجموعة متماسكة بكاملها من أي أساس لتسويغها؛ لأن هذا الحكم غير متلائم مع المجموعة، وعدم تلاؤمه يعني – بحسب ما تفترض آلية التوازن التأملي الواسع – أن المجموعة غير مسوّغة؛ لأن شرط تسويغها، هو تلاؤم الأحكام المروّى فيها مع المبادئ والنظريات.

إن قدرة حكم واحد على فعل هذا، هو موقف أسسي، تقع فيه آلية راولز في التوازن التأملي الواسع، بينما تحاول الهروب منه.

[1] وهي النظرية التي تطورت من عقيدة فلسفية شاملة للعدالة إلى مفهوم سياسي للعدالة، يبحث عن أسس مشتركة للتعاون بين المواطنين الذين يتبنون عقائد شاملة مختلفة، باستخدام منهج “الامتناع المعرفي” أي: الاستغناء عن الدفاع الفلسفي عن مبادئ العدالة.

[2] هو أن يكون أ علة لـ ب، وب علة لـ أ

[3] هو أن تحتاج علة الشيء إلى علة وتحتاج الأخيرة إلى علة سابقة، ويتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية

[4] آلية تقوم على مفهوم مركزي، وهو مفهوم “الحكم المروّى فيه” وهو حكم يكسب صفته هذه، فيما إذا اتّخذه صاحبه من دون أي معوّقات فكرية، أو شعورية، أو نفسية، وفيما إذا تمتّع صاحب هذا الحكم في لحظة اتخاذ الحكم بامتلاك الفرصة لاتّخاذه، وبالرغبة في الوصول إليه، وبالقدرة على ذلك. وانطلاقًا من هذا الحكم، الذي يثق فيه من يتخذه ثقة غير آنية، وتامة -في حال تأمله له تأملًا عميقًا في ظرف خال مما يسمى المعرقلات الأبستمية الآنية- تبنى عمارة الموقف الراولزي الخلقي؛ ففي التوازن التأملي الواسع يتم التحرك بين الأحكام المروّى فيها المشار إليها آنفاً جيئة وذهابًا، وبين المبادئ الخلقية المشفوعة بالحجج الفلسفية لكلّ منها، وفي هذا التحرك الدائب بين الأحكام والمبادئ مع حججها الفلسفية، يستكشف التلاؤم بين مجموعة مناسبة من هذه، وتلك.

[5] أحد أبرز منظري التعددية الثقافية المعاصرين، تتميز نظريته بتمحورها حول مبدأ “الاستقلال الذاتي”.

[6] معتقد إسلامي، يعده بعض العلماء ركنًا من أركان الإسلام، ويعني البعد، والعداوة، بعد الإعذار والإنذار.

مشاركة