لينا الخطيب: معارك عرسال أداة دعاية لـ «حزب الله»

9

بعد مضي أحد عشر عاماً على إعلان «حزب الله» انتصاره على إسرائيل عام 2006، ما لبث أن أعلن عن «إنجازٍ» آخر له، وإن كان على نطاقٍ ضيق، ضد من سمَّاهم «بالجهادين التكفيريين» على الحدود السورية اللبنانية. وقد أَعلَن «حزب الله» عن هذا الإنجاز بعد أسبوعين من شنِّه سلسلة هجمات على ضواحي بلدة عِرسال الواقعة في سهل البِقاع اللُبناني استهدفت مقاتلي «داعش» وتنظيم «فتح الشام» كما «احرار الشام» وبعض مقاتلي «الجيش السوري الحر» في المنطقة.
تُعد عِرسَال بشكلٍ عام منطقة غير مُستقرة ومضطربة، بخاصة بعد أن اختطفت جبهة «النُصرة» عام 2014 عدداً من الجنود اللبنانيين في المنطقة، والذي على إثره دارت المعارك بين هذه الجبهة من جهة والجيش اللبناني و «حزب الله» من جهة أخرى.
وكان موقع بلدة عِرسال الجغرافي على الحدود بين سورية ولبنان، سبباً في إيوائها ما يقرب من 70 ألفاً من اللاجئين السوريين، ولكن في الوقت ذاته، كانت ضواحيها مخبأً لمقاتلي «الجيش السوري الحر» كما للجماعات الجهادية السُّنية، حيث يُقدر عدد مُقاتليهم في المنطقة بحوالى 1500 شخص، على الرغم من صراعاتهم الداخلية المتفاوتة.
شنَّ «حزب الله» سلسلة هجماته على تلك الجماعات من داخل الأراضي اللبنانية، واستهدف من خلالها المقاتلين في كلٍ من سورية ولبنان على السواء، وأشاد بها رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري كإنجازٍ ضد من سماهم بالإرهابيين.
وما يلفت النظر إلى سلسلة الهجمات تلك وما أعقبها من آثار مباشرة، هو أنها لم تكن فقط عملية عسكرية ولكنها أيضاً عملية إعلامية. فتماماً كما حَرصَ «حزب الله» على أن يستخدم آلته الدعائية أثناء حربه مع إسرائيل عام 2006 لبثِّ رسالة موجهة حول دوره حامياً للأراضي اللبنانية، فقد استخدم الأسلوب ذاته هذا العام في معاركه الأخيرة في بلدة عِرسَال.
كانت الهجمات الأخيرة أحدث فصلٍ في العلاقة غير المُنتظمة بين «حزب الله» والجيش اللبناني. فقبل عملية عِرسَال بثلاثة أسابيع، اقتحم الجيش اللبناني مُخيمات اللاجئين واعتقل المئات من السوريين واللبنانيين من قاطني المنطقة. وأظهرت الصُور ومقاطع الفيديو التي انتشرت في وسائل الإعلام، أفراد الجيش اللبناني أثناء عمليات جمع المُعتقلين في ظروفٍ مُهينة أدت إلى انتقاد هيئات المجتمع المدني هذا التعامل الفظ من قوات الجيش والتي تصاعدت إلى اتهامات بالتعذيب، وهو ما نفته السلطات اللبنانية بدورها.
بالمقابل، أُدِيرَت صورة «حزب الله» في معركة عِرسَال قائداً للعملية بعناية، فقد أطلق حملته بعباراتٍ مُنمَّقة يُفهَم منها أن الحزب يعمل من أجل هدفٍ وطني واحد هو الدفاع عن لبنان. كما نشر مصورو «حزب الله» العديد من الصور في وسائل الإعلام تُظهر مقاتليه على الحدود يغرسون علم «حزب الله» الى جانب العلم اللبناني، في واقعةٍ تنقلنا لما حدث في حملة «حزب الله» الإعلامية بعد حرب 2006. ولكن رفرفة العَلَمَين جنباً إلى جنب تمثل إشارة واضحة إلى عجز قوات الجيش اللبناني عن القيام بدورها الدفاعي منفردة من دون الحاجة الى دعم «حزب الله».
وعلى الرغم من مشاركة الجيش اللبناني في معارك عِرسَال، إلا أن الدور الرئيس في المعارك وفي الحملات الدعائية كان من نصيب «حزب الله» على وجه الخصوص. فهذا الحزب هو الذي بدأ المعارك منفرداً، ثم تدخل الجيش اللبناني متأخراً في دورٍ داعمٍ.
وقد أثنى نبيه بري على دور الجيش في خطابه الذي القاه احتفاء بعيد الجيش اللبناني في الأول من آب (اغسطس)، لكن في الحقيقة كان هدفه الإشادة بـ «حزب الله». قال نبيه بري إن «حزب الله» كان يُحارب في منطقة وعرة، وإن الجيش سيلعب مستقبلاً دوراً أكبر في المعارك القادمة في المناطق المُحيطة برأس بعلبك. ولكنه انتهى بالتهوين من دور الجيش اللبناني حين أضاف أن المعارك في ضواحي رأس بعلبك التي سيخوضها الجيش ستكون أكثر سهولة من المعارك التي خاضها «حزب الله».
أما «حزب الله» فقد استغل ايضاً عيد الجيش لتأكيد التباين الكبير في القوة بينه وبين الجيش اللبناني. ففي يوم عيد الجيش، ألقى نبيل قاووق، وهو مسؤول رفيع في «حزب الله»، خطاباً تحدث فيه عن معارك عِرسَال وآثارها، وأكد فيه حِس الوطنية وراء التحركات العسكرية لـ «حزب الله» من خلال استخدام مصطلحات مثل «احتلال» و «تحرير»، للإشارة إلى وجود تنظيم «داعش» في المنطقة الحدودية وتحركات «حزب الله» تجاهه. كما ربط هذا الأمر بإسرائيل، حيث قال إنها أرادت وجود «الجهاديين التكفيريين» في هذه المنطقة لإبقاء «حزب الله» بعيداً منها ومن حدودها. وفي إعادة أخرى للخطاب الوطني الذي استُخدم من «حزب الله» بعد حرب 2006، أكد نبيل قاووق أن تحرير المناطق المحيطة بمدينة عِرسَال، جعل أغلب اللبنانيين يلتفون حول «حزب الله».
كان نبيل قاووق حذراً حيال ذكر أن عملية التحرير تمت بقيادة لبنانية، كما قال إن الاحتفاء الشعبي الواسع بهذا النصر يُمثل تحدياً لإسرائيل التي كانت تُراهن على إبعاد الناس عن «المقاومة». وبعبارة أخرى، فإن قاووق أظهر من خلال خطابه كما لو أن لبنان تطغى عليه موجة من التعاطف الشعبي مع «حزب الله».
وتزامن خطاب نبيل قاووق مع خطاب الرئيس اللبناني ميشال عون الذي ألقاه في اليوم ذاته احتفالاً بعيد الجيش، والذي لم يأتِ فيه على ذكر «حزب الله» أو نشاطات الجيش في عِرسَال، ولكن أكد فيه تطلعه لتحرير «جزءٍ من الأراضي اللبنانية الذي تحتله الجماعات الإرهابية منذ سنوات»، وأن الجيش والأجهزة الأمنية على أهبة الاستعداد للتصدي لهذا الإرهاب.
وأدَّت عمومية محتوى خطاب الرئيس اللبناني وإسقاطاته على الدور الكبير الذي سيلعبه الجيش في المستقبل من دون الإشارة إلى دوره في الوقت الحاضر إلى تصادمٍ واضحٍ مع تصدر «حزب الله» المشهد الإعلامي بعد انتهاء معركة عِرسَال، حيث اصطحب اعلام الحزب 40 صحافياً في جولة لمدة عشر ساعات في المنطقة لشرح كيف هزم «حزب الله» أعداءه، في مطابقة واضحة للنشاطات الإعلامية لـ «حزب الله» بعد حرب 2006.
كما تغافل «حزب الله» بشكلٍ متعمد عند وصفه المعركة بأنها ضد «الجهاديين التكفيريين» والإرهابيين، عن أن يذكر أنه في ضواحي عِرسَال كان هناك المئات من مقاتلي «الجيش السوري الحر». ولكن مثله مثل النظام السوري، يَضُم «حزب الله» كل الجماعات المعارضة في سورية تحت مظلة «الإرهاب».
معركة عِرسَال تمثل أهمية استراتيجية لـ «حزب الله»، حيث إنها ستمكنه من إحكام سيطرته على المنطقة الحدودية، وهذا سيُتيح له إرسال المزيد من القوات للتوغل في شرق سورية استعداداً للسيطرة على منطقة دير الزور. كما ستُمكنه من الاقتراب أكثر من المناطق الجنوبية حيث تخطط كل من الولايات المُتحدة وروسيا لإقامة مناطق تخفيف التصعيد، وبذلك يضمن استمرار قدرته على الضغط الميداني. ولكن الطريقة التي صور بها الحزب المعارك وقدمها إعلامياً لللبنانيين وللعالم ما هي إلا حركة دعائية في رسالةٍ إلى خصومه بأنه ما زال أقوى من الدولة اللبنانية.

* كاتبة لبنانية ومديرة برنامج الشرق الأوسط وأفريقيا في معهد «تشاتام هاوس» – لندن

مشاركة