لا بأس بخيانة الديمقراطية مؤقتًا!

225

الحلقة المفقودة في استشراف مآلات الآستانة التي يبدو أن ثمة إصرارًا تركيًا روسيًا على جعلها محطة مهمة لرسم خطوط أولية للحل هي نية إدارة ترامب بخصوص القضية السورية.

فلا يبدو أن سورية في أولويات ترامب وهو ما أكدته الواشنطن بوست منذ فترة قريبة حين وضحت أن القضايا التسع التي تشغل ترامب لا تتضمن القضية السورية، وإن كانت محاربة الإرهاب محورًا أساسيًا في خطابه السياسي.

والغموض الذي تسببه هذه الحلقة المفقودة لا يمنع من الاستبشار بوجود قرار روسي تركي بتهميش إيران التي تلقت أكثر من صفعة من روسيا في مقدمتها دعوة روسيا أمريكا للمشاركة في المفاوضات على الرغم من الرفض الإيراني، وتراجع روسيا عن وضع المعارضة السورية المسلحة في سلة واحدة، والنظر إليها كلها كمجموعات إرهابية على عكس ما تريد إيران فرضه.

ولأجل هذا ليس بعيدًا أن يكون تحرك داعش الأخير في دير الزور بتحريض إيراني للضغط على النظام وروسيا كرد فعل على تهميشها، وهو لا يتناقض مع حقيقة كون داعش صنيعة مزيج استخباراتي، فمؤشرات كثيرة تقول إن نظام الملالي من ضمن مستخدمي داعش.

وما يجعل التفاؤل مشروعًا أن الآستانة مقدمة لمفاوضات قادمة أساسها بيان جنيف واحد، وهو ما يعني العودة إلى الطريق الأول الذي قد يكون أكثر إنصافًا لأطراف النزاع.

ولكن ما يمكن التنبؤ به أن الآستانة -وإن أطر ما سيتبعها من مفاوضات البيان المذكور- ستكون اتفاقًا على الوصول إلى حلّ عبر توسيع للحرب ضد الإرهاب بمشاركة المعارضة السورية المسلحة، وعلى كبح طموحات إيران التي لن تستطيع استثمار التدخل الروسي أكثر.

الأمر المهم الآخر أن المعارضة السورية المسلحة التي ستُمثل في الآستانة يبدو أنها قد سحبت البساط من تحت أقدام المعارضة السياسية، وهو لزوم طبيعي عن هزال الأخيرة واستلاب قرارها، الأمر الذي جعل المعارضة المسلحة في نظر الأتراك والروس الطرف الأجدر بتمثيل المعارضة السورية بغض النظر عن قصورها وتشتتها.

ومن موقع المراقب الذي يستحضر الأحداث التي شهدتها اجتماعات المعارضة السورية في تركيا، وبكل صدق يمكن القول إن استرجاع مشاهد انتخابات هذه المعارضة وتحالفاتها الداخلية، واهتمامات أفرادها عمومًا بصغائر الأمور لا يشبه بعد مرور هذه السنوات إلا فيلمًا كاريكاتوريًا، أو معركة دونكيشوتية.

ومن موقع المراقب أيضًا الذي قُيّض له أن يكون في قلب إحدى هذه المؤسسات يمكن القول إن حالة الاسترخاء التي عاشها الكثيرون من قيادات هذه المعارضة في مناصبهم لا تذكر إلا بحالة فارس أجهده الكرّ والفرّ فوجد مكتبًا أنيقًا في برج شاهق، أو في شقة فارهة تتوافر فيه أسباب الراحة، ولا يحتاج إلى أكثر من الانتظام في دوام يومي لعدة ساعات تحوّل إلى روتين اسمه النضال في سبيل القضية، بينما لا يشبه في حقيقته إلا العمل في منظمة دولية براتب مجزٍ، وإن كان هذا الوصف لا يشمل الجميع فإنه يشمل الأغلبية.

ولم يكن ممكنًا لهذه الحال أن تثمر جسم معارضة مقنعًا للأطراف المؤثرة يكون طرفًا فاعلًا في مفاوضات الحلّ.

ولن نكون خونة للديموقراطية إذا اقتنعنا -والحال هذه- أن المطلوب اليوم جسم عسكري موحد للمعارضة يقود المعارضة السياسية على عكس ما تقتضيه الأصول الديموقراطية، ولندع الالتزام بمقتضيات هذه الأصول إلى المرحلة القادمة عندما يزاح عبء الكابوس عن شعبنا.

رئيس التحرير

مشاركة