في يده قمرُ الغوطة المتفحّم: شعر عقل العويط

112

عندما شاهدتُ عيونهم

أدركتُ أن البساتين لن تحظى بنزهةٍ وإيّاهم

تحت ظلالٍ وارفة

أو على مقربةٍ من أوجاع المياه.

***

لا هو كان ارتجاجَ الوعي

ولا كان صفعة الخيال

فقد كانوا جميعهم هادئين وواجمين

بعضهم كانوا نياماً

فلم يتسنَّ لهم أن يستيقظوا

آخرون كانوا مستيقظين

فلم يتسنَّ لهم أن يذهبوا إلى مقهى

ولا إلى منام.

***

كان ثمّة غبارٌ وركامٌ وهواءٌ مفجوع

على الأجساد أشعارٌ ملجومةٌ

وفي الجرح زجاجٌ مكسور.

***

لم يكن غريباً أن يستولي الذئاب على كلّ مكان

من أجل أن يرشدوا كلّ مكانٍ إلى وليمته

ويستدرجوا وعود الحياة إلى المأوى الأخير

وإذا كان ثمّة أيضاً الذئاب إيّاهم

فلكي يواصلوا نهش الضوء

ولكي يزهقوا روح الفجر

ويلعقوا دم الصباح الأخير.

***

لم يكن ثمّة أرضٌ تتّسع لأناسٍ آخرين

لقضايا أو لهموم

ولا لأساليب الفرار والنجاة

لم يكن ثمّة بلادٌ تتّسع لحياةٍ أخرى

كان القتل هو الأرض وهو الفرار وهو النجاة وهو البلاد.

***

هؤلاء الذين ماتوا في الغوطة

كانوا يرتّبون التأوّهات

في حنايا أيديهم المتألمة

وكانوا كلّما تفقّدوا زقاقاً أو ظلاً هارباً

رأوا وجوهاً مغمورة بالنعاس

وأخرى مجروحةً بضحكة الأمل

***

حين تساقطوا تباعاً وعلى دفعات

كانوا نوافذ مشرّعة على العصافير

سلالاً من التفّاح

وحقولاً مزروعة بأفكار القمح

وكانوا يشبهون غيوماً مبللةً بغوايات الربيع والسماء

حين تساقطوا

كانوا يتنزّهون في خيالاتٍ طرية

ويشبهون دموعاً مفترضة

تشتهي من فرط العطش أن تذرف.

***

حين تساقطت عليهم آلة القتل

لم يكن ثمّة إلهٌ إلى جانبهم

هؤلاء

الذين

ماتوا

في

الغوطة

لم يروا وجهاً لإله

كلُّ إلهٍ هناك

كان يغطّي وجهه برماد الكتب

ليشمّ رائحة حبرٍ مقتول

قبل أن يغادر إلى افتراضات السماء.

***

كان ثمّة فقط رجاءٌ خائبٌ

يسأل إلهاً غائباً أن يحرف موتاً عن غايته

وأن يغضّ عن سيقان الزهور كي لا تتشلّع.

***

حيث تساقطوا

رحتُ أبحث عن نبوءةٍ ما

عن إلهٍ ما

فلم أعثر على نبوءةٍ

ولم أعثر على إله

لم يترك أحدٌ مكاناً لنبوءةٍ

ولا لإله

ها هناك

لا موضع إلاّ

لظلالٍ محروقة

وهواءٍ مفجوم

وحده هناك

الديكتاتور

هو العدم

وحده

العدم

هناك

هو الإله.

***

الآن

مَن يفسح للقتلى أن يناموا في أسرّةٍ هانئة

مَن يمكنه أن يفتح نافذةً لعبور الهواء

مَن يمكنه ان يصنع رواقاً للمتنزهين في جنون الأرق المتفحّم

مَن ينادي إلهاً ليسهر قليلاً مع المفتّحي الأعين إلى الأبد؟!

***

لم يكن ثمّة إلهٌ قطُّ هناك.

لكني من حيث أنا

كنتُ أرى إلهاً

إلهاً كئيباً ووحيداً

في روحه جريدةٌ ومنديل

وفي يده قمرُ الغوطة المتفحّم.

مشاركة