في حوار «الذكريات والكواليس».. جورج صبرا لـ «أنا برس»: استسهلنا التعامل مع القضية!

159

أنا برس- ولاء السعيد

رئيس المجلس الوطنى السورى المعارض جورج صبرا، هو واحد من أولئك الذين لعبوا أدواراً سياسية مُهمة منذ انطلاقة الثورة السورية، بداية من دوره في تهدئة الأحداث ذات الطابع الطائفي في منطقة قطنا (بمحافظة ريف دمشق) مع انطلاقة “الثورة” في العام 2011 ومروراً برئاسته للمجلس الوطني السوري وحتى انخراطه بهيئة التفاوض السورية ومشاركته في مفاوضات جنيف.. أحداث مختلفة شارك فيها صبرا وكان شاهداً على الكثير من الكواليس والتفاصيل. وفي هذا الحوار تحاول “أنا برس” الإضاءة على بعض تلك الأحداث والذكريات، وبعض الكواليس والأسرار، من بينها الحوار الذي دار بينه وبين وليم بيرنز مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة بشأن جبهة النصرة، وكذا كواليس رئاسته لمجلس “كان يعلم أنه حكم عليه بالموت البطيء تنفيذاً لحكم إعدام صادر عن المحيطين الإقليمي والدولي”.

كما فند صبرا –بوضوح وصراحة- نقاط خطأ المعارضة السورية، ووجه كلمة للشعب السوري قال فيها: ” حقكم أن تتوجعوا من أخطائنا وخطايانا ومن خذلان العرب ونفاق العالم.. لم نقدر القيمة الحقيقية لسوريا، واستسهلنا التعامل مع القضية!”.. وإلى تفاصيل الحوار الذي يأتي في إطار الذكرى الثامنة لـ “الثورة السورية”:

لعبت دوراً في تهدئة الأحداث ذات الطّابع الطّائفي والتي حاول النظام إشعالها في منطقة قطنا.. ما هي تفاصيل تلك الأحداث؟ وما الذي تتذكره الآن عن تلك الفترة العصيبة؟

 حدث ذلك في شهر أيار/ مايو 2011 عندما صارت التظاهرات فعلاً يومياً في مدينتي قطنا، تنطلق في شوارع المدينة بعد صلاة المغرب أو صلاة العشاء. وقطنا من حيث التركيب السكاني يقطنها تاريخياً المسلمون والمسيحيون وتجاورها من جهة الغرب عدة قرى درزية، ونتيجة لكثافة الوجود العسكري والأمني فيها فقد أحاطها النظام بمساكن للضباط وصف الضباط، يسكنها عناصر الجيش والأمن، وبسبب طبيعة النظام فإن معظمهم من أبناء الطائفة العلوية.

ومع استمرار المظاهرات في المدينة بدءاً من 22 نيسان/ أبريل 2011 وفشل كل المساعي لإلغائها وتوقيفها، عمد النظام إلى افتعال حوادث صدام معها.. كنا واعين لمخاطر هذا المسعى وعملنا على تجنبه، ثم قام النظام بحشد مجموعات مؤيدين وشبيحة من أبناء المسيحيين والدروز والعلويين وغيرهم؛ لاعتراض سير المظاهرات وافتعال صدام معها يخلق مبرراً لاقتحام المدينة بالجيش والأمن، وهذا ما سعينا لإفشاله أيضاً.

 غير أن مجموعة من شبيحته المسلحين اعترضت في إحدى الليالي مسار التظاهرة، ووقعت اشتباكات بالأيدي مع الشباب الذين استطاعوا طرد الشبيحة من الشارع وإهانتهم وتجريدهم من أسلحتهم.. لم نسمح بتصاعد الموقف لأنه يصب مباشرة في تحقيق أهداف النظام، فبرّدنا الأجواء في المدينة، وأجرينا الصلات الاجتماعية اللازمة لتحقيق ذلك. ثم انتشر الثوار في الأنحاء الغربية من المدينة في حي المسيحيين الذي أقطن فيه (حيث من الممكن أن يكون مقراً أو ممراً للشبيحة)، مما أثار مشاعر الخوف من الأخطاء والمخاطر التي قد تحدث، وأضفى على المدينة جواً من التوتر، ينذر بصدام اجتماعي بين المكونات يسعى إليه النظام والأجهزة الأمنية.  أقول للشعب السوري: حقكم أن تتوجعوا من أخطائنا وخطايانا ومن خذلان العرب ونفاق العالم   

 وهنا لعب حضوري بين الثوار الدور المطلوب لكبح مساعي الفتنة وسد منافذها، كلما أراد النظام أن يفتحها، ونجحنا بفضل وعي الثوار واستجابتهم لنداء العقل والحكمة والموقف الوطني. وبسبب ذلك وجه لي رستم غزالي تهمة “تشكيل إمارة إسلامية في قطنا” خلال التحقيق معي في الاعتقال الثاني في تموز/ يوليو 2011. والمضحك المبكي أنني حوكمت أمام القضاء بهذه التهمة، وبُرِّئت منها.

ذكرياتي عن تلك الفترة مفعمة بالشغف والفخر والاعتزاز بشباب الثورة وتحركاتهم ونشاطاتهم التي تنهل من جوهر الثورة السورية بسلميتها ووطنيتها ومسعاها المخلص نحو الحرية والكرامة. ففي الجمعة 22 نيسان/ أبريل 2011 التي سمتها الثورة “الجمعة العظيمة” خرجت أول مظاهرة من جامع الغلاييني في قطنا، وكنت وقتها معتقلاً في سجن عدرا المركزي. وأثناء الزيارة، أعلمني الأهل بذلك، وأن المتظاهرين خرجوا من المسجد يحملون لافتات تطالب بإطلاق سراحي، في الوقت الذي كان أكثر من 20 شاباً من أبناء المدينة المسلمين سجناء في سجن صيدنايا العسكري منذ سنوات. عدت إلى زملائي في مهجع السجن دامع العينين لأخبرهم عن أول مظاهرة في قطنا، وعن “طائفية” الثورة والشعب السوري. كان شرفاً لي أن أشارك شباب الثورة في المظاهرات وفي مواكب تشييع الشهداء وفي مهاجع السجون والمعتقلات خلال العام 2011 في دمشق وريفها، أعلمهم وأتعلم منهم، ونولد معاً في فضاء الثورة من جديد.

بعدها ترأست المجلس الوطني.. هل يمكن مدنا بكواليس تشكيل المجلس ورئاستك له، والظروف التي أحاطت بتلك المرحلة؟ والترتيبات التي حدثت في سياق تشكيل الائتلاف بعد ذلك؟

كنت في السجن لفترة الاعتقال الثاني خلال الثورة، عندما بدأت الجهود التمهيدية الموزعة بين الدوحة واسطنبول لتشكيل المجلس الوطني. وعندما تشكل المجلس في 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2011 كنت خارجاً للتو من السجن وعائداً للتخفي والملاحقة من جديد، فلم أشارك في الخطوات والإجراءات التي أدت إلى ولادة المجلس وإشهاره. لكن رفاقي وزملائي في “إعلان دمشق” فعلوا ذلك. ولأن معظم أعضاء المكتب التنفيذي للمجلس الوطني عند نشأته كانوا من الذين عاشوا طويلاً في الخارج، ولم يكونوا من المشاركين في نشاطات الثورة في الداخل، فقد استوجب الأمر دعوة بعض السياسيين والنشطاء من الداخل للمشاركة في أعمال المجلس ومؤسساته، وكنت بين هؤلاء. خرجت من سوريا إلى فرنسا برفقة ولدي الذي انشق عن الجيش، وعبرنا الحدود السورية – الأردن سيراً على الأقدام في 20 ديسمبر/ كانون الأول 2011. وصرت عضواً في المكتب التنفيذي للمجلس والناطق الرسمي باسمه.  لم نقدر القيمة الحقيقية لسوريا.. استسهلنا التعامل مع القضية!   

وفي 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 انتخبت رئيساً للمجلس الوطني في اجتماع الأمانة العامة للمجلس في الدوحة مرشحاً من قبل الحراك الثوري (المجلس الأعلى لقيادة الثورة). وكان مشروع تشكيل “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة” قد نضج، ودخل حيز التنفيذ. وبينما كنت ملتزماً بقرار إعلان دمشق بعدم الموافقة على تشكيل الائتلاف؛ لأنه سيقوض المجلس وعمله، ويلغي دوره (وهذا ما حصل بالفعل)، لكن وجدت نفسي ملزماً بالتوقيع على الوثيقة التأسيسية للائتلاف كرئيس للمجلس الذي قررت أكثرية مكوناته الانضمام إلى الائتلاف في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012.

وهنا كنت أعرف أنني رئيس لمجلس حكم عليه بالموت البطيء؛ تنفيذاً لحكم إعدام صدر من المحيط الإقليمي والدولي. لكن موت المجلس وانتهاء دوره لم يكن بسبب الخارج فحسب، إنما كان نتيجة مباشرة لتهاون معظم مكوناته بالحفاظ عليه، وتفريطها به استجابة لمصالح مادية ومآرب سياسية من خلال الائتلاف. وسرعان ما انفرط عقد المجلس داخل الائتلاف، وفقد ممثلوه قدرتهم على العمل بشكل موحد. قاوم المجلس هذا الحكم وهذا الواقع بإرادة الحياة والتصميم على استمرار الدور والعمل حتى العام 2015، حيث انتهى دوره واقعياً. واستمر وجوده رسمياً وشكلياً فقط، حتى أغلق مكتبه في اسطنبول مع نهاية العام 2018.

كان المجلس الوطني أشد تمسكاً بخط الثورة وأصلب عوداً في الدفاع عن أهدافها، وقد تحصن بثقة الشعب وتفويض تمثيل الثورة عندما سمَّت الثورة إحدى جمع التظاهرات باسم “جمعة المجلس الوطني”، ورفع الثوار شعار “المجلس الوطني يمثلني”. وهذا لم يحصل لأي من قوى الثورة ومؤسساتها. كما كان أكثر اهتماماً وقدرة في الحفاظ على استقلاليته واستقلالية قراراته في مواجهة التدخلات الإقليمية والدولية، لذلك كان في عين العاصفة وفي قلب دائرة الاستهداف.

هل ثمة مواقف وقرارات ندمت عليها في أي فترة من تلك الفترات، ولو عاد بك الزمن للوراء لتخليت عنها؟

ارتكبنا في إطار قوى الثورة والمعارضة –أفراداً وجماعات ومؤسسات– أخطاءً وخطايا عديدة، ومن المؤكد أن الباحث الموضوعي النزيه أكثر قدرة على رصدها وتحليلها وتقييم دورها فيما حصل. ومن واجب الجميع الحديث عنها بشجاعة أمام الرأي العام. ومن حق السوريين أن يطلعوا عليها كي تعالج أو لا تتكرر.. نحن مازلنا في قلب معركة تحرير بلدنا من الاحتلال والاستبداد، وفي هذا الإطار أذكر :  كنت أعرف أنني رئيس لمجلس حكم عليه بالموت البطيء تنفيذاً لحكم إعدام صدر من المحيط الإقليمي والدولي   

لم نقدر القيمة الحقيقية لسوريا والأهمية الخاصة والخطيرة لها في المنطقة؛ فاستسهلنا التعامل مع القضية بالآني والمؤقت والمنظور، مخدوعين بإمكانية الانتصار السهل والسريع، دون النظر إلى الآفاق الاستراتيجية للصراع الإقليمي والدولي والأبعاد الجيوسياسية لسورية في تاريخ المنطقة وجغرافيتها والعلاقات بين الدول فيها.

عدم الدخول إلى الداخل السوري وتأسيس مرتكزات لوجود حقيقي للمؤسسات وعلاقات حيوية مع الناس بالشكل والوقت المناسبين.

إهمال فكرة تأسيس صندوق وطني للثورة، يوفر لها إمكانية المحافظة على استقلالية قرارها وأسباب التلبية الدائمة لاحتياجاتها، ويرفع عنها مخاطر المال السياسي واستتباعاته.

عدم بذل ما يكفي من الجهود لتوحيد مرجعية العمل بين العسكري والسياسي في فضاء الثورة.

إهمال فئة الضباط والقضاة والمحامين المنشقين وعدم الاستفادة من خبراتهم الضرورية.

عدم الاهتمام بالجاليات السورية في بلاد المهجر، وعدم إيلاء العناية اللازمة للعلاقة معها.

ويبقى التقصير والعجز عن حماية القرار الوطني المستقل، وفتح النوافذ والأبواب لتدخلات الدول والمؤسسات الأممية والدولية ومنظمات المجتمع المدني العالمية دون تدقيق ومراجعة وحساب، من أكبر الأخطاء التي ارتكبت.  وجه لي رستم غزالي تهمة “تشكيل إمارة إسلامية في قطنا” خلال التحقيق معي!   

البعض ذكر أن المعارضة كانت مخترقة.. ما مدى اتفاقك مع ذلك باعتبارك شاهداً على كثير من التفاصيل والكواليس؟

 ليس لأحد أن يتصور أن نظاماً أمنياً بجوهره ووظيفته، كان يحصي علينا أنفاسنا في الداخل لزمن طويل، ويتمتع بقدرات وخبرات كبيرة وعلاقات دولية متعددة ومتشعبة سيعف عن متابعة نشطاء الثورة في الداخل والخارج، في النشاط الفردي وفي المؤسسات، وسيكف عن التنصت عليها عن قرب، لتخريب العلاقات والنشاطات فيها ومن خلالها، وله يد طويلة وخبرة تمتد لعقود في هذا المجال. فمن المؤكد وجود الاختراقات. بعضها ظهر وانكشف في أماكن عديدة في الداخل، وبعضها ظهرت آثاره التخريبية دون أن ينكشف كلياً في الخارج. وللأسف كان التهاون في الحماية الأمنية للمؤسسات وعملها هو سيد الموقف. وأعتقد أن الأبعاد الحقيقية لهذه الاختراقات والمخاطر والتخريب الذي أورثته للثورة لم يظهر كلياً بعد. وبالمناسبة فإن الاختراقات لم تقتصر على النظام وأجهزته، إنما تعدتها لأجهزة الدول المخابراتية والمنظمات والمؤسسات الخارجية المعنية بالتدخل وجمع المعلومات.

أنت واحد من أولئك الذين شاركوا فيها.. هل كانت جنيف وغيرها من المؤتمرات برأيك لتضيع الوقت من طرف النظام والروس؟ وحتى أمريكا كانت تبحث عن حل حقيقي؟

بالنسبة لنا خضنا المفاوضات خلال عامي 2016 و2017 بأعلى درجة من الجدية من خلال الهيئة العليا للمفاوضات، وقدمنا العديد من الوثائق للجانب الأممي تعبيراً عن هذه الجدية والمسؤولية. تم ذلك في ظروف معاناة صعبة لشعبنا في الداخل بعد الاحتلال الروسي في أيلول/ سبتمبر 2015. ما اضطرنا لقطع العملية التفاوضية مرتين من أجل الضغط لإدخال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة.

غير أن الوضع الدولي كان في مكان آخر. فالتوافق الأمريكي الروسي على الحل السياسي وتطبيق القرارات الأممية لم يحصل. حتى الاتفاق الجزئي بين كيري ولافروف لوقف إطلاق النار لم يصمد لحظة واحدة. وصار النظام منتشياً بقوة الاحتلال الروسي على الأرض، ومحمياً في مجلس الأمن الدولي بالفيتو. كل ذلك في ظل سياسة أمريكية انسحابية ومترددة، تمارس التضليل والنفاق، ولا تفعل اللازم من أجل تفعيل العملية السياسية، فأفسحت المجال للنظام وراعييه الروسي والإيراني بكسب المزيد من الوقت، وقضم المناطق المحررة بالتدريج عبر التسويات وعقود الإذعان التي استجاب لها الضفادع من السياسيين وقادة الفصائل في غير منطقة. ويأتي ضمن ذلك عملية إسقاط حلب. وهذا أفسح في المجال لولادة سيرورة روسية اسمها مسار أستانة ومسار سوتشي لحرف العملية السياسية عن مسارها ومرجعيتها الأساس. وللأسف كان بعض السوريين جزءاً من دخانها التضليلي.

لم تختلف الإدارة الأمريكية الجديدة عن سابقتها بشأن الجدية في ولوج الحل السياسي إلا بالكلام فقط. فقد أعلنت معالم استراتيجية جديدة. لكنها بقيت مكبلة بالتصرفات المتناقضة أزاء حلفائها في العالم ( أوروبا ) وفي المنطقة ( تركيا ) والإجراءات التي لا تتسق مع الأهداف الموضوعة. وصرفت الاهتمام إلى مناحي أخرى في سورية وفي إطار المنطقة أيضاً. ولم تقدم حتى الآن ما يوحي باعتماد الحل السياسي بصرامة.

في جنيف انحرف التفاوض من المرحلة الانتقالية إلى السلال الأربع.. من يتحمل ما جرى في جنيف من انحراف مسار؟

كان انحراف المسار في جنيف حصيلة جهود روسية في سوتشي واجتهادات أممية (ديمستورا) قبل بها بعض السوريين باعتماد سلة الدستور كسبيل وحيد وإهمال التساوق والتزامن مع بقية السلال وخاصة الانتقال السياسي. وبدأ البعض بنشر بروباغندا تضليلية تدعي أن سلة الدستور واللجنة الدستورية هي التي ستفتح باب الحل، وتطلق عملية الانتقال السياسي. وقد تفاقم هذا التضليل بعد مؤتمر الرياض 2 ومخرجاته. بحيث شهدنا بدعة بالقول والفعل، لا تشارك في مؤتمر سوتشي، لكنها توافق على مخرجاته، وتنخرط في تفعيلها. ويضع أصحابها أنفسهم بين أيدي الدول في إطار ما يسمى اللجنة الدستورية.

في أي ثورة حقيقية كما هي الثورة السورية هناك الرماديون الذين يستندون إلى مقولة “الواقعية” المزيفة، ويروجون للقبول بما يعرض باعتباره الممكن الوحيد. ومن أسطع الأمثلة على ذلك ما حصل في الجنوب بوساطة سياسيين وعسكريين معروفين، قلبوا ظهر المجن لحقوق الشعب وقضية الثورة.   سياسيون وعسكريون معروفون قلبوا ظهر المجن لحقوق الشعب وقضية الثورة  

انحسرت كل أشكال التفاوض بين المعارضة والنظام على تشكيل اللجنة الدستورية.. ومازالت حتى الآن هناك بعض الإشكاليات على بعض الأسماء.. هل كانت مشكلة الشعب السوري منذ 8 سنوات هي في صياغة دستور جديد للبلاد؟

اللجنة الدستورية ملهاة نجح الروس في وضعها ضمن دائرة الاهتمام عند الفريق الأممي وبعض الدول. وكان المتلهفون السوريون تحت شعار إملاء الكرسي الفارغ ضمن هؤلاء. هي خديعة كبيرة يراد لها أن تنطلي على السوريين بأيديهم. لكن المواطن العادي يعرف أن جوهر القضية في بلدنا ليس الدستور، إنما النظام السياسي برمته متضمناً الدستور. فقد تغير الدستور عام 2012، فهل تغير شيء من ممارسات السلطة ومن رؤية جلاوزة النظام للحل السياسي؟ وكيف يقبل سوري أن يصوغ الخارج (كائناً من كان) دستوراً لسوريا، وهو يعرف أن بلدنا عرفت الحياة الدستورية بيد أبنائها منذ مئة عام. وشاركت بتأسيس وقوننة النظام العالمي في الأمم المتحدة ومؤسساتها والنظام الإقليمي في الجامعة العربية ومؤسساتها. لذلك لم يكن عبثاً وبغير معنى أن تكون اللجنة الدستورية موضع رفض من قبل السوريين في الداخل والخارج. وأي نوع من الدساتير الوطنية يكون إذا تشكلت لجنته بمعرفة الروس والإيرانيين والأتراك والأمم المتحدة خارج إرادة الشعب السوري، صاحب الحق الوحيد والحصري في هذا الأمر ؟ !

برأيك، هل ثمة اتجاه دولي لتأهيل الأسد بعد أن فشلت المعارضة في إيجاد البديل وفي ضوء تلك التطورات التي مرت بها الثورة؟

بالمعنى السياسي العام والوطني السوري، لا أعتقد بوجود إمكانية لإعادة تأهيل النظام ككل وبشار الأسد على وجه الخصوص. لكن ما يجري يندرج تحت عنوان الحفاظ عليه أطول فترة ممكنة ضماناً لدور مميز في الحل السياسي السوري القادم وفي معالجة قضايا المنطقة، وتأميناً للمصالح الخاصة الاقتصادية والاستراتيجية للدول التي حافظت على النظام، وساعدته في جرائمه، واستمر بفضلها (روسيا – إيران).

كما تندرج هذه الجهود والإجراءات المتخذة من قبل بعض الدول العربية ( بعض دول الخليج ولبنان ) في سعيها لحجز حصة معتبرة في مرحلة إعادة الإعمار في سورية في إطار وهم سائد بأنه صار راهناً، وأن التسابق غدا مشروعاً لتصدير أزمتها الاقتصادية ومعالجتها بتسليف الدعم للنظام وحجز تذكرة مسبقة.

كان لك موقفك من جبهة النصرة في العام 2012.. كيف تقيم دور الجبهة في الثورة الآن وعلى مدار تلك السنوات؟

فيما يتعلق بجبهة النصرة فهو أمر ذو شؤون وشجون. فالموقف منها منذ البداية كان موقفاً عاماً للمؤسسات ( المجلس الوطني والائتلاف ) ولم يكن موقفاً شخصياً لأي من المعارضين. يعود ذلك لنهاية 2012 وبداية 2013 عند بداية تشكلها، حيث لم تؤثر عنها أعمال تسلط وإرهاب، ولم تكن قد بايعت القاعدة بعد. وعندما صنفها الأمريكيون كمنظمة إرهابية، سألنا وليم بيرنز مساعد وزيرة الخارجية السيدة كلينتون، الذي أبلغنا القرار في مؤتمر مراكش: وهل قامت النصرة بأعمال إرهابية ؟ فقال: لا. لكن لديها صلات مع بعض إرهابيي القاعدة في العراق. فقلنا: هذا تصنيف للدول. أما نحن فتصنيفنا يعتمد على أعمالها ضد السوريين، وليس في سجلها –كما تقولون– حتى الآن أعمال إرهابية.  سألنا وليم بيرنز عن سبب تصنيف النصرة كمنظمة إرهابية فقال: “لديها صلات مع القاعدة”.. قلنا له: “هذا تصنيف للدول وتصنيفنا يعتمد على أعمالها ضد السوريين”   

كان موقفنا يستند إلى حقيقة أن معظم مقاتليها من السوريين، وتستقطب العديد من الشباب في شمالي البلاد. وكنا نأمل بعزلها واستعادتهم إلى صفوف الجيش الحر. وتوافق ذلك مع إرادة الفصائل في الداخل، التي أشارت إلى رفضها التصنيف محذرة من خطورة الاقتتال بين الفصائل إن حدث. واستمرت الحوارات الداخلية بالأمر، ولم يوافق المجلس الوطني ولا الائتلاف على التصنيف. لكن عندما كشفت النصرة عن وجهها الإرهابي، وتعرض السوريون من المدنيين والفصائل لأعمال إرهابية متعددة الأشكال من قبلها، بدأ الحديث عن النصرة بين السوريين والفصائل وفي المؤسسات كمنظمة إرهابية. وقد شكلت على الدوام عقبة أمام إدارة حكيمة للمناطق المحررة، وتشكل اليوم كوة لاستجلاب مخاطر حقيقية على الأوضاع في إدلب.

أخيراً، ماذا تقول للشعب السوري في الذكرى الثامنة للثورة؟

أقول لأهلنا السوريين المشردين في جميع المحافظات وفي بلدان اللجوء والاغتراب : إن صبركم ومعاناتكم وآلامكم تعز عن الوصف. ومحنتنا الوطنية لا شبيه لها بكل المعايير. لكن صوت ثورتكم الكاشفة الفاضحة بعمقها وعظمتها بقي مسموعاً – رغم كل التشوهات التي تعرضت لها – من خلال مواجهتها لنظم الطغاة في الإقليم وعلى مستوى العالم. ونداء ” الحرية والكرامة ” و ” الشعب يريد إسقاط النظام ” الذي صدح به أبناؤكم واستشهدوا من أجله بمئات الآلاف، مازال ملهماً لطالبي الحرية والديمقراطية في البلدان العربية، آخذاً مكانه في تاريخ المنطقة لإيقاظها وفرض إرادة الشعوب.

حقكم أن تتوجعوا من أخطائنا وخطايانا ومن خذلان العرب ونفاق العالم. لكن جميع الجهود لوأد الربيع العربي في دمشق قد فشلت، فهاهو صدى هتافاتكم يتردد من جديد في شوارع السودان والجزائر. فوهم انتصار النظام سيتبدد سريعاً، وانتصار إرادتكم ليس ممكناً فحسب، لكنه قادم بإذن الله. فبلادكم التي أضاءت العالم بالمعرفة، ووضعت الأبجدية على لسان البشر ليتفاهموا ويتحضروا، وأخرجت لهم الديانات السماوية مبشرة بالحق والعدل والسلام، يبدو أن لها ولكم مهمة رسولية جديدة، أن تحملوا رسالة التضحية والتغيير لغسل وجه هذا العالم القبيح من التسلط والاستبداد والإرهاب، وليبدأ زمن الحرية. أعتز بالانتماء لكم، وأنحني لشجاعتكم وصبركم.

مشاركة