عندما يبتسم محمد بن سلمان لبوتين

178

كان الرجلان الجالسان في المنصة يراقبان مباراة كرة القدم التي تجمع منتخبي بلديهما، وهما يتبادلان ابتسامات مصطنعة باردة يمثلان أنموذجي محاكاة متغايرين في الشكل متقاربين في المضمون.

فأنموذج المحاكاة الذي تستخدمه التقنيات الحديثة في علوم مختلفة يعبر عن ترميز لواقع عبر تحويله إلى أرقام، وهو تطور مرموق في محاولة فهم الواقع، وحل مشكلاته، والقبض على فحواه القابل للقبض.

وقد شبهت بعض الأدبيات من يصممونه بمحركي الخيوط في مسرح الدمى الذين يشدون الخيوط حينًا ويرخونها حينًا حسب ما تتطلب الغاية.

فبوتين الذي تربع على المنصة باستعلاء واضح تلمح فيه كل الموروث الامبراطوري القومي الأرثوذكسي كان قد أحكم شد الخيوط  عند الحاجة، وأتقن إرخاءها وجعل من أنموذج المحاكاة الذي مثله منتخب بلاده يتحرك برشاقة و لم يكن ليتمكن من ذلك لولا ارتباك نظيره بزيه البدوي ومحاولاته المفضوحة للتزلف، و الذي أحكم شد الخيوط، ولم يحسن إرخاءها فبدت العرائس في أنموذجه ثقيلة الحركة بليدة عاجزة.

والتغاير المذكور في الشكل بين ممثلين لهويتين استاتيكيتين، ومتاجرين بالمؤسسة الدينية في بلديهما لم يكن قادرًا على إخفاء ذلك التمثيل وتلك المتاجرة.

ولقد بدت عرائس الأول ممثلة ناجحة لمبادرة هجومية ساحقة في مقابل محاولات بائسة تافهة للثاني للانسلاخ من أسربدويته وفواته التاريخي.

وبينما كان التمثيل ممكن التحقق بهزيمة معقولة تحققت كل شروطها، فقد سرت روح الانهزام من ماسك خيوط العرائس البليدة إلى عرائسه، فاستقبلت هزيمة ثقيلة مخجلة، وهي تمشي الهوينا في مشهد يشبه مشهد الاغتصاب الذي تمثل فيه الضحية الرفض وهي مستمتعة بفض بكارتها.

وإن التشابه في البنية العميقة لا يجوز أن يحجب التغاير بين مكوناتها أيضًا، فصحيح أن الثقافة السياسية الروسية والسعودية تقومان على أسس ثلاثة متشابهة هي: الهوية الاستاتيكية، والسلطوية، والقوة المادية، ولكنها في الأولى هوية تقبل الحذف والإضافة بحسب متطلبات البراغماتية.

بينما هي في الثانية هوية غطاها الغبار، وتحولت إلى كتلة مصمتة لا تقبل الاختراق إلا بترقيعات مثيرة للسخرية.

والسلطوية في الأولى سلطوية يبررها الشعب بما تعد به من استعادة أمجاد العظمة، أما في الثانية فهي سلطوية لا تعد  بشيء خلا المزيد من التخلف والقهر.

والقوة في الأولى تحقق التوسع الذي يدغدغ مشاعر الروسي وتوقه للهيمنة وتمركزه حول ذاته، بينما هي في الثانية تمارس على المواطن، وتعجز عن تحقيق أي انتصار على سواه.

ولأجل هذا فقد مثل أنموذجا المحاكاة تمثيلًا صادقًا المسافة الهائلة التي تفصل السعودي حتى عن شبيهه في الثقافة البدائية المتخلفة، وكشفا عواره وفواته البالغين حدهما الأقصى في القبح.

في المنصة اجتمع مستبدان متخلفان، أحدهما حليف للنظام السوري والآخر حليف للمعارضة السورية، وفي الساحة الخضراء تجلى سبق حليف النظام على حليف المعارضة الذي اخترقت كل خطوطه وجسدت عرائس الدمى خاصته عجزه وبلادته، ومثل الجالس في المنصة وهو يحاول التقرب من نظيره حجم هزاله ومبلغ ضعفه.

لم تجهض مطالبنا إلا لأننا قبلنا التحالف مع حليف يبتسم لحالة الاغتصاب، ويكاد لولا بقية من حياء أن يتقدم بالشكر لفاعلها.

رئيس التحرير

 

مشاركة