عقيدة أوباما….الرئيس الأمريكي يتحدث عن أصعب قراراته حول دور أمريكا في العالم: ترجمة ديمة الغزي

25

بقلم: جيفري جولدبيرج

 

يوم الجمعة 30 آب (أغسطس) 2013، يوم أوصل باراك أوباما الضعيف الولايات المتحدة إلى نهاية مبكرة لحكمها للعالم كقوة عظمى وحيدة في العالم لا يمكن الاستغناء عنها، أو- في رواية أخرى- يوم ألقى باراك أوباما الحصيف نظرة على هاوية الشرق الأوسط وابتعد عن ذاك الفراغ الذي يهلك كل من يدنو منه. بدأ هذا اليوم بخطبة رنانة ألقاها وزير الخارجية جون كيري نيابة عن أوباما في وزارة الخارجية في واشنطن العاصمة، ودار كلام كيري الشبيه بكلام تشرتشل حينها على غير العادة حول استهداف بشار الأسد للمدنيين بالغاز الكيماوي.

 

المواضيع المطروحة:

  1.   السبب وراء فخر أوباما بعدم استهداف الأسد في 2013
  2. ضرورة التحول عن الشرق الأوسط إلى آسيا ومناطق أخرى
  3. لهذه الأسباب ستكون أوكرانيا دوماً عرضة لسيطرة روسيا
  4. رفض طلبات جون كيري بمهاجمة أهداف تابعة للنظام السوري
  5. لماذا يتوجب على المملكة السعودية مشاركة الشرق الأوسط مع إيران
  6. كيف يشبه داعش الجوكر
  7. لماذا بوتين “ليس غبياً تماماً”
  8. كيف ساهمت فرنسا وبريطانيا في الفوضى في ليبيا
  9. لماذا لا يشكل داعش خطراً وجودياً، يبنما التغير المناخي يفعل
  10. لماذا تثير محاضرات نتنياهو حنق أوباما

 

يميل أوباما نفسه إلى الخطب العصماء، إلا أن خطبه ليست من النوع العسكري المقترن بخطابات تشرتشل، فهو يؤمن أن خطب تشرتشل المثالية والمنمقة كان لها ما يبررها في صعود هتلر والصراع ضد الاتحاد السوفيتي. لكنه يعتقد أيضاً أن الخطاب يجب ألا يستخدم كسلاح إلا في حالات نادرة إن توجب استعماله على الإطلاق في الساحة الدولية اليوم بتعقيداتها وغموضها. ويعتقد الرئيس أن خطب تشرتشل وطريقة تفكيره ساهمت في إيصال سابقه جورج بوش إلى حرب مدمرة في العراق.

لذا جاء أوباما إلى البيت الأبيض حاملاً معه إصراراً على الخروج من العراق وأفغانستان، ولم يكن يبحث عن أعداء جدد ليدمرهم، وحرص بشكل خاص على عدم تقديم الوعود بانتصارات في نزاعات لا يرى فيها إمكانية للنصر، حيث قال لي نائب مستشار الأمن القومي ومساعد أوباما في السياسة الخارجية بِن رودز منذ فترة بسيطة “إن قلت مثلاً أننا سنخلص أفغانستان من الطالبان ونؤسس ديمقراطية بدلاً عنها، يدرك الرئيس أن هناك من سيسألك عن وعدك هذا بعد سبع سنوات”.

 

لكن كلمات كيري الرنانة في ذاك اليوم، والتي شارك رودز بكتابتها، حوت في طياتها غضباً مبرراً ووعوداً جريئة من ضمنها تهديد يكاد يكون صريحاً بهجوم وشيك، إذ روعت جرائم النظام السوري في محاولته سحق التمرد الذي دام عامين كلاً من كيري وأوباما نفسه، ففي ضاحية الغوطة الدمشقية قبل تسعة أيام قتل جيش الأسد أكثر من ألف وأربعمائة مدني بغاز السارين، وعمّ شعور قوي ضمن إدارة أوباما بأن الأسد قد استحق عقاباً رهيباً. وفي الاجتماعات التي تلت الاعتداء على الغوطة، كان كبير موظفي البيت الأبيض دينيس ماكدونو هو الوحيد الذي حذر بشدة من مغبة التدخل، في حين علا صوت جون كيري بالحض على التحرك، إذ قال كيري في خطابه: “كما شاهدنا في أحداث التاريخ العاصفة التي خلت، عندما تم ارتكاب جرائم مروعة كان بإمكاننا إيقافها، تلقينا تحذيرات من غض النظر عنها. والتاريخ يزخر بقادة حذروا من عدم التدخل وعدم المبالاة، وخصوصاً من الصمت في الملمات”.

 

احتسب كيري الرئيس أوباما من أولئك القادة. فعندما شكت الإدارة بعزم نظام الأسد باستخدام الأسلحة الكيماوية قبل عام، صرح أوباما قائلاً: “لقد كنا واضحين جداً مع نظام الأسد… أن تحريك أواستخدام كميات من الأسلحة الكيماوية هو خط أحمر بالنسبة لنا. وسيغير ذلك من حساباتي، وسيغير المعادلة.”

إلا أن أوباما بدا بارداً ومنفصلاً عن معاناة السوريين الأبرياء بنظر العديد من النقاد رغم ذاك التحذير. فقد دعا الأسد للتنحي في أواخر صيف 2011 عندما قال “من أجل الشعب السوري، حان الوقت للرئيس الأسد أن يتنحى”. لكنه لم يقم بالكثير في البداية للوصول إلى نهاية الأسد.

 

تعود بعض مقاومته للمطالب بالتحرك إلى افتراضه أن الأسد سيسقط دون مساعدته بناء على تحليل الاستخبارات الأمريكية، فقد قال لي مستشار أوباما السابق لشؤون الشرق الأوسط دينيس روس “كان (أوباما) يعتقد أن الأسد سيرحل كما رحل مبارك”، منوهاً للرحيل السريع للرئيس المصري حسني مبارك في بداية 2011 في لحظة كانت ذروة الربيع العربي. لكن تمسك الأسد بالسلطة زاد من رفض أوباما للتدخل المباشر. وبعد عدة أشهر من المباحثات، سمح للمخابرات الأمريكية بتدريب وتمويل الثوار السوريين، لكنه أيضاً تبنى رؤية وزيره السابق للدفاع روبرت جيتس الذي كان يسأل خلال الاجتماعات بشكل روتيني “أليس حرياً بنا أن ننهي الحربين اللتين نخوضهما قبل أن نبحث عن أخرى؟”

 

وقد حثت سفيرة الولايات المتحدة للأمم المتحدة حالياً سامانثا باور على تسليح ثوار سوريا منذ البدايات، وكانت حينها ضمن فريق مستشاري الأمن القومي، وهي بطبيعتها الأكثر ميلاً للتدخل من بين كبار مستشاري أوباما. كانت باور قد ألفت كتاباً اشتهر بنقده اللاذع لمجموعة من الرؤساء الأمريكيين على فشلهم في الحؤول دون الإبادات الجماعية، وقد شد الكتاب المعنون “معضلة من الجحيم” والمنشور عام 2002، شد أوباما لباور عندما كان في مجلس الشيوخ الأمريكي رغم أنهما لم يكونا متوافقين بشكل واضح في الأيديولوجيات، فباور منحازة لعقيدة تعرف بـ “مسؤولية الحماية” التي تقضي بعدم احترام سيادة دولة ما عندما تقوم بذبح شعبها. وحاولت إقناعه بتبني تلك العقيدة في خطابه الذي ألقاه عند استلامه جائزة نوبل للسلام في عام 2009 لكنه رفض، فأوباما بشكل عام لا يؤمن بأن يعرض الرئيس الجنود الأمريكيين لأخطار جمة من أجل منع الكوارث الإنسانية ما لم تشكل تلك الكوارث خطراً أمنياً مباشراً على الولايات المتحدة.

 

وقد تجادلت باور في بعض الأحيان مع أوباما أمام مسؤولي مجلس الأمن القومي لدرجة لم يعد معها قادراً على إخفاء غضبه إذ أجابها مرة بقوله: “سامانثا كفى، سبق أن قرأت كتابك”.

بعكس الليبراليين المنحازين للتدخل، يبدي أوباما إعجاباً بواقعية سياسة الرئيس جورج بوش الأب الخارجية وبالأخص بمستشاره للأمن القومي برينت سكوكروفت (قال لي عنه ذات مرة “أحب ذاك الرجل”)، إذ طرد بوش وسكوكروفت جيش صدام حسين من الكويت عام 1991، وتعاملا مع انهيار الاتحاد السوفيتي بمهارة، كما احتفى سكوكروفت نيابة عن بوش بزعماء الصين بعد مذبحة ساحة تيانانمن. وعندما كان أوباما يكتب كتابه “جرأة الأمل” في عام 2006، أشارت إليه سوزان رايس، وكانت حينها مستشارة غير رسمية له، أن يكتب سطراً على الأقل يمدح فيه سياسة الرئيس بيل كلينتون الخارجية، كي يعيد بعضاً من التوازن أمام المديح الذي كاله لبوش وسكوكروفت.

 

في بداية الثورة السورية في عام 2011، قالت باور أن الثوار، وهم مواطنون عاديون، يستحقون دعماً أمريكياً قوياً، فيما أشار آخرون إلى أن الثوار هم مزارعون وأطباء وعاملو نجارة، مشابهون لأولئك الذين فازوا في الحرب الأمريكية لنيل الاستقلال.

إلا أن أوباما قلب ذاك النداء رأساً على عقب، حيث قال لي مرة: “عندما تملك جيشاً محترفاً مدججاً بالعتاد ومدعوماً من دولتين (إيران وروسيا) لهما مصالح كبيرة في الأمر، ليحارب المزارع والنجار والمهندس الذين بدؤوا كمتظاهرين وفجأة وجدوا أنفسهم وسط نزاع أهلي….” توقف برهة وتابع “إن فكرة أنه كان يمكننا – بطريقة نظيفة لا تلزم قوات الولايات المتحدة العسكرية- أن نغير المعادلة على الأرض لم تكن صحيحة يوماً”. والرسالة التي أطلقها أوباما في الخطابات والمقابلات كانت واضحة: لن ينتهي به الأمر مثل الرئيس بوش الابن، وهو رئيس أنهك نفسه في الشرق الأوسط بشكل كارثي، وأدت قراراته إلى امتلاء أجنحة مركز والتر ريد الطبي بجنود يعانون جروحاً بليغة، ولم يملك أن يوقف انهيار سمعته حتى عندما عدّل من سياساته خلال فترة حكمه الثانية. وكان أوباما يقول في الدوائر الخاصة أن أول مهمة منوطة بالرئيس الأمريكي بعد بوش على المسرح الدولي هي أن “لا يرتكب الحماقات”.

 

أثار تحفظ أوباما حنق باور وغيرها من أفراد فريقه للأمن القومي الذين كانوا ميالين للتحرك. وقد دعت هيلاري كلينتون عندما كانت وزيرة خارجيته إلى استجابة مبكرة وحازمة على عنف الأسد. وفي 2014 عندما تركت الوزارة قالت لي “إن الفشل بالمساعدة في بناء قوة مقاتلة مؤلفة من الناس الذين بدؤوا المظاهرات ضد الأسد.. ترك فراغاً كبيراً ملأه الجهاديون”. وعندما نشرت مجلة الأتلانتيك هذا التصريح ومعه تقدير كلينتون بأن “الدول الكبرى بحاجة لمبادئ تنظم عملها، و”لا ترتكب الحماقات” ليس مبدأً يُعمل به”، استشاط أوباما غضباً بحسب ما قاله أحد مستشاريه الكبار. لم يستوعب الرئيس كيف يمكن اعتبار “لا ترتكب الحماقات” شعاراً مثيراً للجدل. ويذكر بِن رودز أن “أسئلتنا في البيت الأبيض كانت “من هم بالضبط المنتمون لتجمع الحماقات؟ من يدعم الحماقات؟”. كان أوباما يعتقد أن غزو العراق درسٌ لمحابي التدخل الديمقراطيين مثل كلينتون التي صوتت لصالحه ليتعلموا منه مخاطر ارتكاب الحماقات. (اعتذرت كلينتون لأوباما من فورها على تعليقاتها، وصرح متحدث باسمها بأنهما سوف “يتعانقا ويتصالحا” عندما يتقابلان لاحقاً في جزيرة مارثاز فينيارد).

 

داخل قرار الرئيس في اللحظة الأخيرة بعدم قصف سوريا في 2013

راى أوباما في سوريا منحدراً يحتمل أن يكون زلقاً كما العراق. وفي ولايته الأولى أضحى يؤمن أن عدداً محدوداً فقط من الأخطار القادمة من الشرق الأوسط يدعو لتدخل عسكري أمريكي مباشر، منها خطر القاعدة، وتهديدات لاستمرارية اسرائيل (قال لي ذات مرة “سيكون فشلاً أخلاقياً لي كرئيس للولايات المتحدة” إن لم يدافع عن إسرائيل)، والخطر الناجم من وصول إيران للسلاح النووي على أمن إسرائيل. لكن خطر نظام الأسد على الولايات المتحدة لم يرقَ لمستوى تلك التحديات.

وبالنظر إلى تحفظ أوباما على التدخل، كان الخط الأحمر الذي رسمه للأسد في صيف عام 2012 مذهلاً لدرجة أنه فاجأ حتى مستشاريه، إذ قال لي ليون بانيتا وزير الدفاع آنذاك “لم أكن أدري أنه سيقوم بذلك”، وعلمت أن نائب الرئيس جو بايدن قد حذر أوباما مراراً من وضع خط أحمر على الأسلحة الكيماوية خوفاً من أن يضطر يوماً ما لتنفيذ وعيده.

 

وفي كلامه يوم 30 آب (أغسطس) ألمح كيري أنه يجب معاقبة الأسد لأن ذلك يضع “مصداقية ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائنا” على المحك، مضيفاً أن “الأمر مرتبط بشكل مباشر بمصداقيتنا وبإن كانت الدول ما تزال تصدق الولايات المتحدة عندما تقول شيئاً. إنهم يراقبون ليروا إن كانت سوريا ستنفذ بفعلتها، لأنهم حينها قد يستطيعون هم أيضاً وضع العالم في خطر أكبر.”

وأكد أوباما كلام كيري في تصريح علني بعد تسعين دقيقة في البيت الأبيض قال فيه: “من المهم بالنسبة لنا أن نعي أنه عندما يُقتل أكثر من 1000 شخص، من ضمنهم مئات الأطفال الأبرياء، باستخدام سلاح تنهى 98 أو 99 بالمائة من الإنسانية عن استخدامه حتى في الحرب، ولا يكون هناك تبعات، فنحن حينها نرسل رسالة بأن المعايير الدولية لا تعني الكثير، وهذا خطر على أمننا القومي.”

 

بدا وكأن أوباما قد توصل إلى نتيجة مفادها أن الضرر الذي سيلحق بمصداقية أمريكا في منطقة ما من العالم سينتشر من تلك المنطقة إلى غيرها، وأن مصداقية الولايات المتحدة في منع أمر هي فعلاً على المحك في سوريا. بدا وكأن الأسد قد نجح في دفع الرئيس إلى موقف لم يكن ليظن أن يجد نفسه فيه. ويعتقد أوباما بشكل عام أن مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن، التي يكرهها سراً، تعطي أهمية كبيرة لـ “المصداقية” وخصوصاً ما يُشترى منها بالقوة، والحفاظ على المصداقية على حد قوله هو ما أدى إلى فيتنام. وفي داخل البيت الأبيض يناقش أوباما بقوله أن “القصف بالقنابل لإثبات قدرتك على ذلك يكاد يكون أسوأ سبب لاستخدام القوة.”

 

إن مصداقية الأمن القومي الأمريكي بحسب الفهم الشائع لها في البنتاغون ووزارة الخارجية ومجموعة مراكز البحوث التي تقع مقارها على مرمى حجر من البيت الأبيض، هي قوة غير مرئية لكنها عظيمة، فهي ما يطمئن أصدقاء أمريكا ويُبقي النظام العالمي مستقراً عندما يتم الاعتناء بها بشكل جيد.

وخلال اجتماعات البيت الأبيض في ذلك الأسبوع الحرج في آب (أغسطس)، كان بايدن الذي عادة ما يشارك أوباما في مخاوفه حول الانخراط الزائد لأمريكا يحاجج بقوة أن “الدول العظمى لا تراوغ”. فقد بات حلفاء أمريكا في أوروبا وعبر الشرق الأوسط يعتقدون أن أوباما ومستشاريه أيضاً يهددون بعمل عسكري. وفي مؤتمر صحفي مشترك مع أوباما في البيت الأبيض في شهر أيار (مايو) السابق، قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون “تاريخ سوريا يُكتب بدم شعبها ويتم ذلك تحت أنظارنا”. كان هذا التصريح من كاميرون يهدف إلى تشجيع أوباما على الإقدام على عمل أكثر حسماً، وذلك بحسب ما أطلعني عليه أحد مستشاري كاميرون مضيفاً “كان لدى رئيس الوزراء انطباع أكيد بأن الرئيس سينفذ تهديده بالخط الأحمر”. كما أن السفير السعودي في واشنطن آنذاك ووزير الخارجية الحالي عادل الجبير أخبر أصدقاءه ورؤساءه في الرياض أن الرئيس كان مستعداً أخيراً للهجوم، إذ قال لأحد محدثيه أن أوباما “أدرك أهمية الأمر وسيضرب بالتأكيد.”

 

كان أوباما قد أصدر أوامره سابقاً للبنتاغون بإعداد لائحة بالأهداف، وكان هناك خمسة مدمرات من فئة آرلي بيرك في البحر المتوسط متأهبة لإطلاق صواريخ كروز نحو أهداف تابعة للنظام، وأخذ الرئيس الفرنسي فرانسواه أولاند، وهو الأكثر حماسة للتدخل من بين الرؤساء الأوروبيين، يستعد للهجوم أيضاً. كما عمد مسؤولو البيت الأبيض طيلة ذاك الأسبوع إلى الحشد ضد الأسد لارتكابه جريمة ضد الإنسانية. وكان خطاب كيري بمثابة ذروة تلك الحملة.

لكن الرئيس أضحى متردداً، ففي الأيام التي تلت الهجوم بالكيماوي على الغوطة، أخبرني أوباما لاحقاً أنه وجد نفسه يتراجع عن الإقدام على ضربة بدون موافقة القانون الدولي أو الكونغرس الأمريكي. والشعب الأمريكي بدا غير متحمس لتدخل في سوريا وكذلك بعض الرؤساء الذين يكن لهم أوباما الاحترام مثل المستشارة الألمانية آنغيلا ميركيل، إذ أخبرته أن بلادها لن تشارك في حملة على سوريا. وفي تطور مذهل يوم الخميس التاسع والعشرين من آب (أغسطس)، رفض البرلمان البريطاني طلب ديفيد كاميرون بتنفيذ الهجوم، وقال لي جون كيري لاحقاً أنه عندما سمع الخبر أدرك أنهم في مأزق.

 

أضف إلى ذلك زيارة رئيس الاستخبارات القومية جيمس كلابر المفاجئة في وقت سابق من ذلك الأسبوع مقاطعاً جلسة الرئيس اليومية التي يتلقى فيها تقريراً بالتهديدات المحدقة من محللي كلابر، جاء كلابر ليخبر الرئيس بأن المعلومات الاستخباراتية حول استخدام سوريا لغاز السارين كانت قوية لكنها ليست “دامغة”، وكان حريصاً في اختياره ذاك التعبير، فبعد إخفاقات الإدارة التي أدت إلى حرب العراق، لم يشأ كلابر أن يعطي وعوداً كبيرة كما فعل رئيس المخابرات السابق جورج تينيت الذي اشتهر بضمان أدلة “دامغة” لجورج بوش بشأن العراق.

 

وفيما كانت وزارة الدفاع وجهاز الأمن القومي للبيت الأبيض ماضيين في سعيهما نحو الحرب (أخبرني جون كيري أنه كان يتوقع ضربة في اليوم التالي لخطابه)، بات الرئيس يعتقد أنه سيقع في فخ نصبه الحلفاء والأعداء والتوقعات المعتادة من الرئيس الأمريكي وما يجب عليه فعله.

لم يدرك العديد من مستشاري الرئيس عمق شكوكه، ومن المؤكد أن وزراءه وحلفاءه لم يكونوا على دراية بها، لكن ظنونه كانت تكبر. وفي عصر يوم الجمعة قرر أوباما أنه ببساطة غير مستعد ليأمر بضربة. وطلب من كبير موظفيه دينيس ماكدونو أن يتمشى معه في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض. لم يكن اختياره لماكدونو عشوائياً، فهو مساعده الأكثر نبذاً لتدخل عسكري أمريكي، وهو يفكر “من منظور الأفخاخ” كما قال عنه أحد زملائه. كان أوباما يبحث عمن يؤكد له شكوكه رغم ثقته فوق العادية بنفسه، ويحاول إيجاد طرق لتبرير هذا التحول أمام معاونيه وأمام العامة. ظل أوباما يمشي مع ماكدونو على مدى ساعة، أطلعه خلالها على مخاوفه من استخدام الأسد للمدنيين كـ “دروع بشرية” حول الأماكن التي ستسهدف حتماً، وأشار إلى خطأ أساسي في الضربة المقترحة، وهو أن الصواريخ الأمريكية لن تستهدف مخازن الأسلحة الكيماوية خوفاً من نشر الغازات السامة في الأجواء، وأن الضربة ستكون ضد الوحدات العسكرية التي أطلقت تلك الأسلحة وليس ضد الأسلحة ذاتها.

 

كما أطلع أوباما ماكدونو على أمر يقض مضجعه منذ زمن، وهو أنه سئم مشاهدة واشنطن تنجرف بلا تفكير نحو حروب في دول مسلمة. فقبل أربع سنوات “دفعه” البنتاغون نحو إرسال مزيد من الجنود إلى أفغانستان، والآن بدأ يشعر أنه مدفوع مرة أخرى بشأن سوريا.

عند عودتهما إلى المكتب البيضاوي، أخبر الرئيس موظفيه في الأمن القومي أنه ينوي التراجع ولن يكون هناك هجوم في اليوم التالي، وأنه يريد أن يحيل الأمر للكونغرس للتصويت. فصُدم الموظفون في الغرفة، وحاولت سوزان رايس (مستشارة أوباما للأمن القومي حالياً) إثناءه بقولها أن الضرر الذي سيلحق بمصداقية أمريكا سيكون خطيراً ودائماً، في حين استعصى على آخرين تخيل كيف يتراجع الرئيس عن موقفه قبل يوم من الضربة المخطط لها. لكن أوباما كان هادئاً تماماً، “من يعرفه يعرف عندما يكون متردداً في أمر ما، عندما يتأرجح الأمر بين 49 و51 بالمائة.” بحسب ما أخبرني بِن رودز، وأضاف “لكنه كان هنا مرتاحاً تماماً”.

 

طلبت من أوباما قبل فترة بسيطة أن يصف ما كان يفكر به في ذلك اليوم، فمضى يسرد المخاوف العملية التي ساورته “كان لدينا مراقبين من الأمم المتحدة على الأرض يقومون بعملهم، وما كان لنا أن نخاطر بضربة وهم هناك. وعامل مهم آخر هو فشل كاميرون في الحصول على الموافقة من برلمانه”.

وكان العامل الثالث والأهم بحسب ما قال “تقديرنا بأننا يمكننا إلحاق بعض الضرر بالأسد ولكننا لن نتمكن من التخلص من الأسلحة الكيماوية نفسها بالصواريخ. وكنت حينها لأواجه احتمال نجاة الأسد من الضربة ليزعم أنه نجح في تحدي الولايات المتحدة، وأن الولايات المتحدة تصرفت بشكل غير قانوني في ظل غياب قرار من الأمم المتحدة، مما كان سيقوي موقفه بدلاً من أن يضعفه.”

 

أما العامل الرابع فقال أنه يحمل أهمية فلسفية أعمق وأنه “يقع ضمن أمر بات يؤرقني لفترة من الوقت. لقد تسلمت الرئاسة بإيمان قوي بأن إطار تأثير السلطة الرئاسية في أمور الأمن القومي كبير لكنه ليس بلا حدود”.

أدرك أوباما أن قراره بعدم قصف سوريا سيكدر على الأغلب حلفاء أمريكا وقد فعل، فقد أخبرني رئيس وزراء فرنسا مانويل فالس عندما علم بالتراجع بأن حكومته كانت قلقة فعلاً بشأن تبعات عدم التحرك سابقاً في سوريا، وأضاف “لقد خلقنا وحشاً بعدم تدخلنا من قبل. كنا على ثقة تامة بأن الإدارة الأمريكية ستوافق (على الهجوم)، وباعتبارعملنا مع الأمريكان كنا نعرف الأهداف مسبقاً. كانت مفاجأة عظيمة. لو قمنا بالهجوم كما كان مخططاً أعتقد أن الأمور كانت ستختلف اليوم.” أما أمير أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان الذي ضايقه “تخلي” أوباما عن الرئيس المصري السابق حسني مبارك، فقد أعرب عن سخطه أمام زوار أمريكان بقوله أن الولايات المتحدة يقودها رئيس “غير جدير بالثقة”. بينما تذمر الملك الأردني عبد الله الثاني سراً بقوله “أعتقد أنني أؤمن بالقوة الأمريكية أكثر مما يؤمن بها أوباما.”، وكان قلقاً مسبقاً مما عده رغبة غير منطقية من أوباما بإقصاء الولايات المتحدة عن حلفائها السنة المعتادين وخلقه تحالفاً جديداً مع إيران وهي الداعم الشيعي للأسد. كذلك السعوديون استعروا غضباً، فهم لم يثقوا بأوباما يوماً إذ وصفهم في وقت سابق لتقلده الرئاسة بـ “الحليف المزعوم” للولايات المتحدة، وقال السفير السعودي في واشنطن الجبير لرؤسائه في الرياض “أصبحت إيران هي القوة العظمى الجديدة في الشرق الأوسط، والولايات المتحدة هي القديمة.”

 

كان لقرار أوباما تبعات هزت  واشنطن كذلك. فقد التقى السيناتورين الجمهوريين جون ماكين وليندزي جرام بأوباما في البيت الأبيض في وقت سابق من ذلك الأسبوع وتلقوا وعوداً بالهجوم، لذا أغضبهما التراجع. كما وقع ضرر داخل الإدارة، إذ لم يكن وزير الدفاع حينها تشاك هيغل ولا جون كيري في المكتب البيضاوي عندما أعلم الرئيس فريقه بما ينوي، ولم يعلم كيري بالتغيير الذي حصل إلا في وقت لاحق من ذاك المساء، واشتكى لصديق بحدة عقب حديثه مع أوباما بأنه دمره. (عندما سألت كيري مؤخراً عن تلك الليلة الصاخبة قال “لم أتوقف لأحلل الموضوع. أدركت أن للرئيس أسبابه لاتخاذ هذا القرار وبصراحة تفهمت رأيه.”)

 

كانت الأيام التالية مليئة بالفوضى، فقد توجه الرئيس للكونغرس طالباً الموافقة على استخدام القوة العسكرية، وكان كيري أكبر مروج لها، واتضح سريعاً في البيت الأبيض أن الكونغرس لم يكن مهتماً بتنفيذ الضربة. وعندما تحدثت مع بايدن مؤخراً حول قرار الخط الأحمر، حرص على ذكر تلك النقطة وقال “من المهم أن يكون الكونغرس في صفك حتى تتمكن من مواصلة ما بدأته”، أوباما “لم يذهب إلى الكونغرس ليخلي مسؤوليته، كانت لديه شكوكه في تلك المرحلة لكنه أدرك أنه إن كان سيقوم بأي شيء، لا بد أن يحظى بتأييد الشعب، وإلا ستكون مهمة مقتضبة.” أقنع فتور الكونغرس بايدن بأن أوباما كان مصيباً في تخوفه من المنحدر الزلق وقال “ماذا سيحدث عندما يتم إسقاط إحدى طائراتنا؟ ألن نذهب لننقذ طاقمها؟ أنت بحاجة لدعم الشعب الأمريكي.”

وسط هذا الارتباك، جاء المنقذ على هيئة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ففي الأسبوع الذي تلا الرجوع عن قرار سوريا انعقدت قمة دول العشرين في سان بطرسبرغ،و قال لي أوباما أنه انفرد ببوتين وقال له أنه “إن أجبر الأسد على التخلي عن الأسلحة الكيماوية، سينفي ذلك الحاجة لضربة عسكرية منا.” فعمل كيري مع نظيره الروسي سيرغي لافروف على مدى أسابيع على التخطيط للتخلص من معظم الترسانة السورية من الأسلحة الكيماوية، التي رفض الأسد حتى ذلك الحين الاعتراف حتى بوجودها.

 

أكسبت تلك الخطة أوباما ثناءً من بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي دائماً ما كانت علاقته معه متوترة، وقد قال نتنياهو لي بعد الإعلان عن الصفقة أن التخلص من ترسانة الأسلحة الكيماوية في سوريا يمثل “الشعاع الوحيد للأمل في منطقة ظلماء”.

واليوم لا يملك جون كيري صبراً مع أولئك الذين يعتقدون -كما كان هو سابقاً- أنه كان على أوباما قصف مواقع نظام الأسد لتأكيد قدرة أمريكا على الردع، ويقول “ستبقى الأسلحة الكيماوية هناك وسيكون علينا غالباً قتال داعش” للسيطرة على تلك الأسلحة. “لا يبدو ذلك منطقياً، ولكن لا يمكنني أن أنكر أن قصة تخطي الخط الأحمر وعدم قيام (أوباما) بشيء حياله كانت محط جدل.”

 

يدرك أوباما أن قراره بالتراجع عن تنفيذ الضربات الجوية وسماحه بانتهاك الخط الأحمر الذي رسمه هو نفسه بلا عقوبة سيكون عرضة لنقد لا يرحم من المؤرخين، لكن ذاك القرار هو مصدر رضا عميق بالنسبة له اليوم إذ قال “أنا فخور جداً بهذه اللحظة. لقد بلغ عبء الحِكمة التقليدية وآلية جهازنا للأمن القومي أشواطاً بعيدة، وكانت الفكرة أن مصداقيتي ومصداقية أمريكا على المحك. لذلك أدركت أن ضغطي على زر الإيقاف في تلك اللحظة سيكلفني سياسياً. وكوني استطعت أن أتملص من الضغوطات المباشرة وأتفكر بنفسي بما هو في مصلحة أمريكا، ليس فقط فيما يخص سوريا بل أيضاً فيما يخص ديمقراطيتنا، كان من أصعب القرارات التي اتخذتها، وأعتقد أنه في النهاية القرار الصحيح.”

 

كانت تلك هي اللحظة التي يعتقد الرئيس أنه تخلى أخيراً عما يسميه ساخراً “كتاب واشنطن لقواعد اللعبة”.

 

“متى أكون مثيراً للجدل؟ عندما يتعلق الأمر باستخدام القوة العسكرية. هذا هو مصدر الجدل. هناك كتاب لقواعد اللعبة ينبغي على الرؤساء اتباعه، وهي قواعد وضعتها مؤسسة السياسة الخارجية، يصف ردوداً على مختلف الأحداث، وتميل تلك الردود تميل إلى الطابع العسكري. يجب العمل به حيث تكون أمريكا تحت خطر مباشر، لكنه يمكن أيضاً أن يكون فخاً يؤدي إلى قرارات سيئة. وفي خضم تحدٍ دوليٍ مثل سوريا، ستُنتقد بشدة إن لم تتبعه حتى وإن كانت هناك أسباب مقنعة لعدم فاعليته.”

لقد توصلت إلى قناعة بأن أوباما يعتقد أن يوم 30 آب (أغسطس) 2013 كان يوم تحرره، فهو اليوم الذي تحدى فيه ليس فقط مؤسسة السياسة الخارجية وكتابها لصواريخ السكود، بل أيضاً مطالب حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط المتطلبين وصعبي الإرضاء، وهي دول تذمر منها سراً لأصدقائه ومستشاريه بقوله أنها تسعى لاستغلال الـ “عضلات” الأمريكية لخدمة غاياتها المحدودة والطائفية. ومع حلول عام 2013 كان سخط أوباما قد بلغ مبلغه، إذ بدأ يبغض الرؤساء العسكريين الذين يعتقدون أنهم بإمكانهم إصلاح أي مشكلة إذا ما أعطاهم القائد ما يريدونه، وكان مستاءً من عقدة مراكز البحوث للسياسة الخارجية، إذ طغى شعور في البيت الأبيض بأن العديد من أبرز مراكز البحوث للسياسات الخارجية في واشنطن تنطلق من رغبات مموليها العرب والموالين لإسرائيل، وقد سمعت مسؤولاً في الإدارة ينعت جادة ماسيتشوسيتس حيث تقع العديد من تلك المراكز بأنها “منطقة محتلة من العرب”.

 

بالنسبة لبعض خبراء السياسة الخارجية حتى ضمن إدارته نفسها، كان تراجع أوباما عن الخط الأحمر لحظة مخيبة أبدى فيها تردداً وسذاجة، وأضر ضرراً دائماً بموقف أمريكا في العالم، حيث قال الرئيس الأسبق للمخابرات الأمريكية ووزير الدفاع خلال فترة الحكم الأولى لأوباما عن تلك اللحظة “عندما يرسم القائد الأعلى خطاً أحمراً أعتقد أن مصداقيته ومصداقية الدولة تصبح على المحك إن لم يطبقه”. وبعد تراجع أوباما فوراً قالت هيلاري كلينتون سراً “عندما تقول أنك ستضرب يجب أن تضرب. ليس هناك خيار.”

في حين كتب شادي حميد الباحث في معهد بروكينغز للأتلانتيك حينها “بالمحصلة نال الأسد مكافأة على استخدام الأسلحة الكيماوية بدلاً من العقوبة كما كان مخططاً، ونجح في التخلص من خطر عمل عسكري أمريكي مقابل التنازل عن نذر يسير.”

حتى المعلقين الذين أبدوا تأييداً بالعموم لسياسات أوباما رأوا الأمر كارثياً. فمحرر مجلة فورين أفيرز جدعون روز كتب مؤخراً أن تعامل أوباما مع هذه الأزمة “معلناً عَرَضاً في البداية عن التزام كبير، ثم التردد في تنفيذه، ثم إلقاء الكرة بفزع في ملعب الكونغرس لاتخاذ القرار، هو مثال نموذجي لارتجال محرج غير متمرس.”

 

بيد أن المدافعين عن أوباما يقولون أنه لم يؤذِ مصداقية الولايات المتحدة، بحجة موافقة الأسد على التخلص من أسلحته الكيماوية، حيث قال السيناتور الديمقراطي لولاية فيرجينيا تيم كين “كان التهديد باستخدام القوة كافياً لجعلهم يتخلون عن أسلحتهم الكيماوية. هددنا بعمل عسكري فاستجابوا، وهذه مصداقية ردع.”

قد يسجل التاريخ يوم 30 آب (أغسطس) 2013 على أنه اليوم الذي منع فيه أوباما الولايات المتحدة من دخول حرب كارثية أخرى بين المسلمين، واليوم الذي أزال فيه خطر الأسلحة الكيماوية عن إسرائيل وتركيا والأردن. أو قد يسجله كاليوم الذي ترك فيه الشرق الأوسط يفلت من قبضة أمريكا إلى أيدي روسيا وإيران وداعش.

 

تحدثت لأوباما أول مرة حول السياسة الخارجية في عام 2006 وكان حينها يشغل منصب سيناتور، كنت وقتها ملماً بعموم فحوى خطاب ألقاه قبل أربعة أعوام أمام جمع معادٍ للحروب في شيكاغو. كان الخطاب غير مألوف بالنسبة لتجمع معادٍ للحروب لأنه لم يكن معادياً للحرب، فقد نبذ أوباما كسيناتور لولاية إلينوي حرباً واحدة بالتحديد وكانت حينها حرباً نظرية فقط حيث قال “لست واهماً بشأن صدام حسين، إنه رجل قاسٍ ووحشي.. لكنني أعلم أيضاً أن صدام لا يشكل خطراً محدقاً ومباشراً على الولايات المتحدة أو على جيرانها.” وأضاف “أعلم أن غزو العراق بلا منطق واضح ولا دعم دولي قوي سيزيد نيران الشرق الأوسط اشتعالاً، وسيشجع أسوأ النزعات عوضاً عن أفضلها في العالم العربي وسيقوي فرع تجنيد القاعدة.”

 

أثار ذاك الخطاب فضولي حول كاتبه، وأردت أن أعرف كيف وصل سيناتور ولاية إلينوي، وهو أستاذ بالحقوق قضى أيامه في السفر بين شيكاغو وسبرينفيلد، إلى فهم غيبي للمعضلة القادمة أكثر من أكثر المفكرين خبرة في السياسة الخارجية من أفراد حزبه، بمن فيهم أشخاص مثل هيلاري كلينتون وجو بايدن وجون كيري، وبالطبع أغلب الجمهوريين والعديد من محللي وكاتبي السياسة الخارجية ومن ضمنهم أنا.

 

منذ ذاك اللقاء الأول في عام 2006، قابلت أوباما بشكل دوري في أمور متعلقة بالشرق الأوسط بشكل رئيسي. ولكن على مدى الأشهر القليلة المنصرمة قضيت عدة ساعات أتحدث معه عن أعرض الخطوط لـ “سياسته الخارجية على المدى الطويل”،  ومن ضمنها ما هو متحمس لمناقشته من أمور لا علاقة لها بالشرق الأوسط.

 

“داعش ليس خطراً وجودياً على الولايات المتحدة”، بحسب ما قاله لي في أحد حواراتنا، “بينما يمكن للتغير المناخي أن يكون خطراً وجودياً على العالم كله إن لم نفعل شيئاً حياله”. وشرح أوباما أن التغير المناخي يقلقه بالذات لأنه “مشكلة سياسية مصممة بشكل محكم لصد تدخل الحكومات، وهي تمس كل دولة. وتشكل حالة طارئة تتحرك ببطء نسبياً، لذا هناك دوماً على الأجندة ما هو مستعجل أكثر.” وتمثل سوريا في الوقت الحالي أكبر حالة مستعجلة طبعاً، ولكن يمكن أن يتغير ذلك في أي لحظة وتتغير رئاسة أوباما كلها تحت وقع عدوان من كوريا الشمالية، أو اعتداء من روسيا على عضو من الناتو، أو هجوم يخطط له داعش على أراضٍ أمريكية. لم يمر رؤساء كثر باختبارات على المسرح الدولي كما فعل أوباما، وكان التحدي أمامه دوناً عن بقية الرؤساء هو التمييز بين ما هو بالكاد عاجل وما هو مهم فعلاً، والتركيز على المهم.

 

كان هدفي من خلال أحاديثنا الأخيرة هو رؤية العالم كما يراه أوباما، وفهم ما يعتقد أنه يجب أن يكون دور أمريكا في العالم. هذه المقالة تتضمن معلومات من سلسلة أحاديثنا الأخيرة التي دارت في المكتب البيضاوي، وخلال تناول الغداء في غرفة الطعام الخاصة به، وعلى متن طائرة الرئاسة الأمريكية، وفي كوالا لامبور خلال آخر زيارة له إلى آسيا في نوفمبر. وفيها أيضاً معلومات من مقابلاتي السابقة معه ومن خطاباته ومن تأملاته المعلنة، كذلك من أحاديث دارت مع كبار مستشاريه في الأمن القومي والسياسة الخارجية، ورؤساء أجانب وسفرائهم في واشنطن، وأصدقاء للرئيس وغيرهم ممن تحدثوا إليه حول سياساته وقراراته، بالإضافة إلى أعدائه ونقاده.

 

خلال مجرى أحاديثنا أصبحت أرى أوباما كرئيس تحول شيئاً فشيئاً إلى الاعتقاد بالقدرية بشأن القيود التي تحد من قدرة أمريكا على توجيه سير الأحداث العالمية، مع أنه حقق عدداً من الإنجازات في السياسة الخارجية التي قد تكون تاريخية، من المؤكد أنها مثيرة للجدل ومؤقتة، لكن ذلك لا يقلل من شأنها كإنجازات، ومنها الانفتاح على كوبا، واتفاقية تغير المناخ في باريس واتفاقية حرية التبادل التجاري عبر المحيط الهادي، وبالطبع اتفاقية السلاح النووي الإيراني.وقد أنجزها بالرغم من إحساسه المتعاظم بأن ثمة قوى أكبر كثيراً ما تتآمر على أمريكا مهما فعلت، مثل مشاعر القبلية المسيطرة على عالم كان ينبغي أن يكون قد تخلى عنها، ومرونة رجال صغار يحكمون دولاً كبيرة بطرق تتعارض مع مصالحهم، ودوام الخوف كشعور مسيطر على الإنسان. لكنه أدرك كما أخبرني، أنه بدون القيادة الأمريكية لا يتحقق شيء يذكر في مجال العلاقات الدولية.

 

وقد أوضح لي أوباما هذا التناقض البادي بقوله “أريد رئيساً يعي أنه ليس بالإمكان إصلاح كل شيء”، ومن جهة أخرى “إن لم نُعد الأجندة لن نحصل على ما نريد.” وفسر ما يعنيه بقوله “في الحقيقة ما من قمة حضرتها منذ أن أصبحت رئيساً إلا وكنا نحن من يحدد الأجندة فيها، أو كنا نحن المسؤولون عن النتائج المهمة. وهذا ينطبق على كل من الأمن النووي، وإنقاذ النظام المالي العالمي والمناخ.”

 

وفي يوم ما خلال وقت الغداء في غرفة الطعام الخاصة بالمكتب البيضاوي، سألت الرئيس عن كيفية فهم المؤرخين لسياسته الخارجية باعتقاده، فبدأ بوصف أربعة مكونات تمثل التوجهات الرئيسية للفكر الأمريكي في السياسة الخارجية، سمى أول توجه بالعزل، وصرفه من فوره إذ قال “العالم آخذ بالانكماش، والانسحاب (منه) غير ممكن”. في حين سمى التوجهات الأخرى بالواقعية والتدخل الليبرالي والعالمية قائلاً “أعتقد أنه بإمكانك أن تقول أني واقعي في اعتقادي بأننا لا نستطيع في أي وقت مفترض أن نحل كل مآسي العالم. وعلينا أن نختار المكان الذي يمكننا أن نؤثر فيه بشكل حقيقي.”، مضيفاً أنه عالمي بشكل واضح، حيث أنه مخلص في سعيه لتقوية المنظمات متعددة الأطراف والمعايير الدولية.

 

أخبرته أن لدي انطباعاً يقول بأن صدمات السنوات السبع الماضية قد زادت التزامه بتحفظ مدفوع بالواقعية، فهل أدت فترتي رئاسة في البيت الأبيض إلى العزف عن التدخل؟

“رغم عيوبنا من الواضح أن الولايات المتحدة قوة خيّرة في العالم. إن قارنت بيننا وبين القوى العظمى السابقة ترى أننا نتصرف بشكل أبعد عن المنفعة الشخصية الصرفة، وأظهرنا اهتماماً بإقامة معايير يستفيد منها الجميع. وإن أتيح لنا فعل الخير بتكلفة معقولة لإنقاذ الأرواح سنقوم به.”

 

وقال أوباما أيضاً أنه إن لم تستوفى الشروط الواجبة في مقياسه الصارم في أزمة ما أو في كارثة إنسانية ما لتكون خطراً مباشراً على الأمن القومي، فهو لا يعتقد أنه يجب أن يلتزم الصمت، مشيراً إلى أنه ليس واقعياً لدرجة أنه لن يصدر أحكاماً على الرؤساء الآخرين. ورغم أنه استبعد استخدام القوة الأمريكية للإطاحة بالأسد، لم يكن مخطئاً كما قال بدعوته الأسد للرحيل “في كثير من الأحيان يشير نقاد سياستنا في سوريا إلى هذه النقطة: “لقد قلت للأسد أن يرحل لكنك لم تجبره على الرحيل، ولم تغزُ (البلد)” مدعين أنك إن لم تكن على استعداد للإطاحة بالنظام كان حرياً بك ألا تقول شيئاً. وتلك حجة غريبة بالنسبة لي، القول بأننا عندما نقول من منطلق سلطتنا الأخلاقية “هذا نظام وحشي ولا ينبغي على قائد أن يعامل شعبه بهذه الطريقة، أننا مضطرون عندها لغزو ذاك البلد لنضع فيه الحكومة التي نحب.”

 

وقال أوباما في حديث لاحق “أنا عالمي جداً، كما أنني مثالي في اعتقادي بأننا يجب أن نروج لقيم مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والمعايير والقيم، فكلما تبنى الناس تلك القيم التي نتشارك بها لا يخدم ذلك مصالحنا فقط بل يجعل العالم مكاناً أفضل أيضاً، بنفس الطريقة التي تحصل على الصعيد الاقتصادي عندما يتبنى الناس حكم القانون وحقوق الملكية وما إلى ذلك، فهو في صالحنا. وأنا مستعد لقول ذلك بطريقة عاطفية جداً على الأغلب لن تراها من برينت سكوكروفت”

ومع ذلك أعتقد أيضاً أن العالم مكان صعب ومعقد وفوضوي ولئيم ومليء بالصعوبات والكوارث. ولكي نحقق تقدماً في مصالحنا الأمنية وتلك المثل والقيم التي تهمنا، علينا أن نتحلى بالعناد بنفس درجة تحلينا باللطف والكرم، وعلينا أن نختار مواقعنا وأن ندرك أنه سيكون هناك اوقات أفضل ما يمكننا فعله خلالها هو أن نسلط بقعة ضوء على شيء فظيع، بدون أن نعتقد أنه بإمكاننا إصلاحه تلقائياً. سيكون هناك أوقات تتعارض فيها مصالحنا الأمنية مع مخاوفنا بشأن حقوق الإنسان، وسيكون هناك أوقات يمكننا فيها التحرك إزاء قتل الأبرياء وأخرى لا.”

 

ليس لدى أوباما شك بأن أمريكا هي فعلاً الدولة الأهم في العالم، لكنه من الرؤساء القلائل الذين يستاؤون من ذلك أحياناً بدلاً من تقبله حيث قال لي “المنتفعون منا يثيرون حنقي”. وفي هذا الصدد حذر أوباما بريطانيا من أنها لن تتمتع “بعلاقة خاصة” مع الولايات المتحدة إن لم تخصص 2%على الأقل من إجمالي الناتج القومي للدفاع، “عليكم بدفع حصتكم العادلة” هذا ما قاله أوباما لديفيد كاميرون الذي التزم بالحد المفروض فيما بعد.

ويوضح أوباما كذلك أن جزءً من مهمته كرئيس هو تحفيز الدول الأخرى على القيام بأعمالهم بانفسهم بدلاً من انتظار الولايات المتحدة لأخذ دور القيادة، ويعتمد الدفاع عن النظام العالمي الليبرالي ضد الإرهاب الجهادي والمغامرات الروسية والتسلط الصيني بشكل جزئي على استعداد الأمم الأخرى بتقاسم العبء مع الولايات المتحدة. لهذا السبب أزعجه الجدال الدائر حول سياسته بـ “القيادة من الخلف”، والذي أطلقه مجهول من أحد مسؤولي الإدارة لصحيفة نيويوركر خلال الأزمة الليبية عام 2011، فقال لي مدافعاً “ليس بالضرورة أن نكون دائماً في المقدمة. أحياناً سنحصل على ما نريده بالضبط لأننا تقاسمنا الأجندة. والمفارقة أن إصرارنا  (على تولي الدول العربية والأوروبية القيادة خلال مهمة إزالة معمر القذافي من السلطة في ليبيا) جاء منعاً لتمسك الأوروبيين والدول العربية تحديداً بذيول انتصاراتنا بينما نقوم نحن بكل القتال. كان جزءاً من حملتنا ضد المنتفعين.”

 

يبدو أن الرئيس يعتقد أيضاً أن مقاسمة القيادة مع دول أخرى يخدم أمريكا بإبقاء نزعاتها الجامحة تحت السيطرة إذ قال “أحد الأسباب التي تجعلني أركز على اتخاذ أفعال مشتركة حيث مصالحنا المباشرة ليست في خطرهو أن ذلك يكبح الغطرسة”. وهو حريص على التذكير بما يعده إخفاقات أمريكا السابقة ما وراء البحار كوسيلة لتصويب استقامة الدولة حيث يقول “لدينا سوابق  في إيران وفي إندونيسيا وأمريكا الوسطى. لذا علينا أن نراعي تاريخنا عندما نتكلم عن التدخل، وأن نتفهم مبعث شكوك الشعوب الأخرى.”

 

في مساعيه لتحميل بعض مسؤوليات أمريكا في السياسة الخارجية على حلفائها، يبدو أوباما مشابهاً للرئيسين الأسبقين دوايت آيزنهاور وريتشارد نيكسون في سياسات النكوص، والنكوص في هذا السياق يعني بحسب ما شرح لي خبير السياسات الخارجية للرؤساء في مجلس العلاقات الخارجية ستيفن سيستانوفيتش “التراجع وتخفيض النفقات والحد من المخاطرونقل الأعباء إلى الحلفاء”، مضيفاً “لو تم انتخاب جون ماكين في عام 2008 كنت سترى بعضاً من النكوص أيضاً، فهذا ما تريده الدولة. إن وصلت إلى السلطة في وقت كانت البلد فيه تخوض حرباً لا تسير لصالحها، تخلص إلى قناعة مفادها أن الشعب الأمريكي قد وظفك لتخفف من انخراطك فيها”. وهناك فرق بين آيزنهاور ونيكسون من جهة وأوباما من جهة أخرى بحسب سيستانوفيتش وهو أن أوباما “يبدو ملتزماً بشكل شخصي وعقائدي بالاعتقاد أن السياسة الخارجية قد استهلكت الكثير من موارد واهتمام الدولة.”

 

سألت أوباما عن النكوص فقال “كل الدول العظمى تقريباً رضخت” للإفراط”، واستطرد قائلاً “أعتقد أنه من الخطأ إرسال قواتنا لفرض النظام كلما ظهرت مشكلة. لا يمكننا القيام بذلك.”

إلا أنه ما إن يقرر أن تحدياً ما يمثل خطراً مباشراً على الأمن القومي، يبدي استعداداً للتحرك بشكل فردي، وهذه إحدى أكبر المفارقات في رئاسة أوباما، فقد شكك بلا هوادة بمدى فاعلية تطبيق القوة، لكنه أصبح أيضاً أحد أنجح صيادي الإرهابيين في تاريخ الرئاسة، وسيترك لخلفه مجموعة من الأدوات يحسده عليها القتلة المحترفون، حيث قال بِن رودز بهذا الشأن “يطبق (أوباما) معايير مختلفة على الأخطار المباشرة على الولايات المتحدة، فهو مثلاً لم يتوانَ بشأن الطائرات بدون طيار رغم شكوكه حول سوريا.”

 

يحاجج بعض النقاد بأنه كان يجب أن يفكر ملياً فيما يرون أنه استخدام مفرط للطائرات غير المأهولة، لكن رئيس استخباراته السابق جون برينر أخبرني مؤخراً أنه والرئيس “يحملون آراءً متشابهة، ومنها أنه عليك في بعض الأحيان أن تقتل شخصاً لإنقاذ المزيد من الأرواح. وآراؤنا بنظرية الحرب العادلة متشابهة، فالرئيس يتطلب شبه تأكيد بعدم وقوع أضرار جانبية، لكنه إن ارتأى ضرورة للتحرك لا يتردد.”

يقول من يتكلمون مع أوباما حول الفكر الجهادي أنه ليس واهماً في فهمه لدوافع العنف المروع بين المسلمين المتطرفين، لكنه توخى الحذر في حديثه العلني عن ذلك خوفاً من مفاقمة الخوف من المسلمين، ولديه فهم عميق وواقعي للخطيئة والجبن والفساد، وكيف يشكل الخوف سلوك الإنسان. لكنه لا يفتأ يصرح بتفاؤله بان العالم يميل نحو العدالة.

 

لا تتوقف التناقضات هنا، فرغم ما عرف عنه من حذر، أبدى أوباما حماسة لتحدي بعض الفرضيات القديمة التي يقوم عليها فكر الولايات المتحدة التقليدي في السياسة الخارجية. إذ يبدي استعداداً كبيراً للنظر في أسباب معاداة أعداء أمريكا لها، أوأسباب محاباة أصدقائها لها. ورمى بنصف قرن من التوافق بين الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) من أجل إعادة العلاقات مع كوبا. وتساءل عن السبب الذي يوجب على الولايات المتحدة أن تتجنب إرسال قواتها إلى باكستان لقتل قادة القاعدة، كما تساءل سراً عن السبب الذي يجعل باكستان (التي يعتقد أنها دولة تعاني خللاً كارثياً) تعد حليفاً للولايات المتحدة على الإطلاق. وبحسب ما قال ليون بانيتا، تساءل أيضاً عن السبب الذي يجعل الولايات المتحدة تحافظ على ما يعرف بتفوق إسرائيل النوعي العسكري، الذي يمنحها حرية الحصول على منظومات أسلحة متطورة أكثر مما يصل لحلفاء أمريكا العرب، لكنه تساءل أيضاً (بحدة مرات عديدة) عن الدور الذي تلعبه الدول السنية الحليفة في التحريض على الإرهاب المعادي لأمريكا. من الواضح أنه منزعج من المعتقد التقليدي في السياسة الخارجية الذي يجبره على معاملة المملكة السعودية كحليف. وهناك طبعاً قراره منذ زمن أن يتواصل مع ألد أعداء أمريكا في الشرق الاوسط -إيران رغم النقد العظيم الذي واجهه. كما أن الصفقة التي أبرمها مع إيران تثبت أكثر ما تثبت أن أوباما لا ينأى عن المخاطرة، إذ راهن بالأمن العالمي وبإرثه هو أن إحدى أبرز الدول دعماً للإرهاب ستلتزم باتفاقية تحد من برنامجها النووي.

 

يفترض نقاده على الأقل أن أوباما قد سعى إلى إبرام صفقة مع إيران لأنه يحمل رؤية لتقارب تاريخي أمريكي-إيراني، لكن رغبته بالوصول إلى اتفاقية السلاح النووي كانت وليدة التشاؤم بقدر ما كانت وليدة التفاؤل، فقد أطلعتني سوزان رايس على أن اتفاقية إيران “لم تكن أبداً متمركزة حول محاولة بدء عهد جديد من العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، بل كانت أكثر واقعية ومحدودية من ذلك بكثير. كان الهدف ببساطة هو تحجيم خطر دولة خطرة، ولم يتوقع أحد أن تصبح إيران لاعباً مسالماً أكثر مما كانت.”

 

ذكرت لأوباما مرة مشهداً من الجزء الثالث لفيلم العراب، يتذمر فيه مايكل كورليون بغضب من فشله في الهرب من قبضة الجريمة المنظمة، وقلت لأوباما أن الشرق الأوسط بالنسبة لرئاسته هو بمثابة المافيا بالنسبة لكورليون وبدأت ألقي عليه ما قاله آل باتشينو “بمجرد ما ظننت أنني خرجت منها…”، فأكمل المقولة أوباما قائلاً “تجرك إليها من جديد”

 

تتبع قصة أوباما مع الشرق الأوسط قوساً من الخيبة، فخلال سطوع نجمه وشهرته كمرشح رئاسي في 2008، كان كلامه عن المنطقة غالباً ما ينم عن الأمل. وفي برلين في صيف ذاك العام قال في خطابه أمام مائتي ألف ألماني من معجبيه “هذه هي اللحظة التي يجب أن نلبي فيها النداء لفجر جديد في الشرق الأوسط.”

 

وفي العام التالي ألقى كلمة بصفته رئيساً في القاهرة كان الهدف منها أن تعيد العلاقات بين الولايات المتحدة ومسلمي العالم إلى نصابها، فتحدث عن المسلمين في عائلته وعن سنوات طفولته في أندونيسيا، واعترف بخطايا أمريكا حتى عندما انتقد أولئك في العالم الإسلامي الذي يشيطنون الولايات المتحدة. لكن أكثر ما لفت الانتباه كان وعده بمعالجة النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي الذي كان يُعتقد أنه الهم المحرك الأكبر للعرب المسلمين. حرك تعاطفه مع الفلسطينيين الجمهور، لكنه أدى إلى تعقيد علاقته برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خصوصاً مع قراره بعدم زيارة القدس خلال زيارته الرئاسية الأولى للشرق الأوسط.

 

وعندما سألت أوباما مؤخراً عما كان يأمل بتحقيقه من خطابه في القاهرة، قال أنه كان يحاول (واعترف بفشله) أن يقنع المسلمين بأن يتمعنوا أكثر في أسباب تعاستهم.

“كانت حجتي كالتالي: دعونا نتوقف جميعاً عن الادعاء بأن إسرائيل هي سبب مشاكل الشرق الأوسط. نريد أن نعمل على الوصول إلى إنشاء دولة للفلسطينيين وحفظ كرامتهم، لكني كنت آمل أن خطابي سيفتتح النقاش، وأنه قد يخلق مساحة للمسلمين لمواجهة المشاكل الحقيقية التي يعانون منها، مشاكل في الحكم وعدم إصلاح بعض تيارات الإسلام بشكل يخول الناس تطوير عقائدهم الدينية لتتماشى مع الحداثة. كان هدفي أن أوصل رسالة مفادها أن الولايات المتحدة لا تقف في طريق هذا التقدم، وأننا سنساعد بأي طريقة ممكنة لتحقيق أهداف أجندة عربية عملية ناجحة توفر حياة أفضل للناس العاديين.”

استمر تفاؤل أوباما في حديثه عن مستقبل الشرق الأوسط خلال الدورة الأولى للربيع العربي في عام 2011، مقترباً بذلك لأقصى حد من تقبل ما يعرف بأجندة الحرية التي تبناها جورج بوش، والتي عرفت باعتقادها بإمكانية زرع قيم الديمقراطية في الشرق الأوسط، كما ساوى بين المتظاهرين في تونس وميدان التحرير من جهة وبين روزا باركس والوطنيين الذين أشعلوا الثورة الأمريكية.

 

“بعد عقود من تقبل العالم كما هو في المنطقة، لدينا فرصة للوصول إلى العالم كما ينبغي أن يكون”، هذا ما قاله في أحد خطاباته في ذاك الوقت، وتابع “تدعم الولايات المتحدة مجموعة من الحقوق العالمية، وهذه الحقوق تتضمن حرية التعبير، وحرية التظاهر السلمي، وحرية الدين، والمساواة بين الرجال والنساء تحت حكم القانون، والحق في اختيار الحاكم… دعمنا لهذه المبادئ ليس من باب المصلحة الثانوية.”

 

ولكن عبر السنوات الثلاث التالية، ومع تخلي الربيع العربي عن وعوده الأولى وحلول الوحشية والخلل في الشرق الأوسط محله خاب أمل الرئيس. وكان قادة الشرق الأوسط أنفسهم هم مصدر بعض أعمق الخيبات. فمن جهة هناك بنيامين نتنياهو، الذي اعتقد أوباما لوقت طويل بقدرته على التوصل إلى حل ينتج عنه دولتين يحمي وضع إسرائيل كدولة ديمقراطية ذات أغلبية يهودية، لكن خوفه وشلله السياسي منعاه من ذلك. كما أن أوباما لم يتقبل تشكيك نتنياهو والقادة العرب بفهمه للمنطقة. وفي إحدى اجتماعات نتنياهو مع الرئيس بدأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بما يشبه المحاضرة عن الأخطار في المنطقة التي يعيش فيها، وشعر أوباما أن نتنياهو يتصرف بفوقية ويتحاشى الموضوع الذي جاء لأجله، وهو مفاوضات السلام.

 

قاطعه أوباما أخيراً بقوله “بيبي عليك أن تفهم شيئاً، أنا أمريكي من أصل أفريقي، ربتني أمي من دون أب، وأعيش هنا في هذا البيت. في البيت الأبيض. استطعت أن أفوز بانتخابي رئيساً للولايات المتحدة. أنت تعتقد أنني لا أفهم ما تتحدث عنه، لكني أفهمه.”

كما يثير القادة الآخرون حفيظته كثيراً، فقد قابل أوباما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باعتباره قائداً مسلماً معتدلاً بمقدوره أن يردم الهوة بين الغرب والشرق، لكنه الآن يعده قائداً فاشلاً وديكتاتوراً يرفض أن يوظف جيشه الضخم في إرساء الاستقرار في سوريا. ومن جهة أخرى وعلى هامش قمة حلف الأطلسي في ويلز عام 2014، انفرد أوباما بالملك عبد الله الثاني ملك الأردن وسأله عم سمعه من أن الملك قد اشتكى لأصدقائه في الكونغرس الأمريكي من القيادة الأمريكية، وأخبر الملك بأنه إن كانت لديه مأخذ عليه أن يطلعه عليها بشكل مباشر، لكن الملك أنكرأنه ذكره بسوء.

 

وفي الأيام الأخيرة أخذ الرئيس يمزح سراً بقوله “كل ما أحتاجه في الشرق الأوسط هو حفنة من الطغاة الأذكياء”، إذ طالما فضل أوباما حكام التكنوقراط من الواقعيين والمستقرين عاطفياً حيث قال لمعاونيه “لو أن الجميع حذا حذو الاسكندنافيين لكانت الأمور على ما يرام.”

 

أعتم تفكك الربيع العربي رؤية الرئيس لما يمكن للولايات المتحدة تحقيقه في الشرق الأوسط، وجعله يدرك كم كانت الفوضى فيه تصرف الانتباه عن أولويات أخرى، وفي معرض ذلك قال لي جون برينان مؤخراً الذي عمل في فترة رئاسة أوباما الأولى ككبير مستشاريه لمحاربة الإرهاب “لاحظ الرئيس خلال فترة الربيع العربي أن الشرق الأوسط بات يستنفذنا”.

 

لكن فشل تدخل إدارته في ليبيا عام 2011 كان له أكبر الأثر في تغيير وجهة نظر أوباما، فقد جاء ذاك التدخل بهدف منع ديكتاتور تلك الدولة آنذاك معمر القذافي من ارتكاب مذبحة بشعب بنغازي كما توعد. لم يكن أوباما يريد أن ينضم للمعركة إذ نصحه جو بايدن ووزير دفاعه حينها روبرت جيتس بأن يبقى بعيداً عنها. لكن فصيلاً قوياً ضمن فريق الأمن القومي بذل جهداً عظيماً لحماية بنغازي ونجح في ذلك، كان فيه وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون وسفيرة الأمم المتحدة آنذاك سوزان رايس مع سامانثا باور وبِن رودز وآنتوني بلينكن الذي كان مستشار بايدن في الأمن القومي. (كان بايدن منزعجاً من نهج هيلاري كلينتون في السياسة الخارجية وقال سراً “تريد هيلاري أن تكون جولدا مائير.”) سقطت القنابل الأمريكية وتم إنقاذ الناس في بنغازي من مذبحة محتملة، وتم القبض على القذافي وإعدامه.

 

إلا أن أوباما اليوم يصف التدخل هذا بأنه “لم ينجح”، ويعتقد أن الولايات المتحدة خططت للعملية بعناية، لكن الوضع في تلك الدولة ما يزال كارثياً. لماذا إذاً قبل بمقترحات مستشاريه بالتدخل وهو متردد بطبيعته إزاء التدخل العسكري عندما لا يكون أمن أمريكا القومي تحت خطر مباشر؟

 

شرح أوباما طريقة تفكيره حينها بقوله “لقد انحل النسيج الاجتماعي في ليبيا. لدينا مظاهرات ضخمة ضد القذافي، وانقسامات قبلية داخل ليبيا. وبنغازي هي معقل المعارضة ضد النظام، والقذافي يرسل جنده نحوها قائلاً :سنقتلهم كالفئران”.

أحد الخيارات كان ألا نفعل شيئاً، وأيد البعض في الإدارة ذلك بقولهم أنه رغم سوء الوضع الليبي إلا أنه ليس مشكلتنا. نظرتي للأمر كانت أنه سيصبح مشكلتنا إذا انتشرت الفوضى والحرب الأهلية في ليبيا. لكن ذلك يبقى خارج نطاق لب المصلحة الأمريكية بحيث لا يدفعنا للانفراد بقصف نظام القذافي، في تلك الأثناء كان هناك أوروبا وعدد من دول الخليج التي تكره القذافي أو قلقة بشأن الوضع الإنساني تدعو للتحرك. ولكن تحول الأمر إلى عادة عبر العقود القليلة الماضية تحت هذه الظروف أن يدفعنا الناس لعمل ولا يظهرون أي استعداد للمشاركة فيه.”

قاطعته بقولي “المنتفعون؟” فأجاب “المنتفعون” وأكمل “فقلت عندها أنه علينا أن نتحرك كجزء من تحالف دولي. ولأن الأمر لا يمس صلب مصالحنا علينا أن نحصل على قرار أممي، ويجب على الأوروبيين ودول الخليج أن يكونوا فاعلين في التحالف، سنوظف قدراتنا العسكرية التي نتميز بها، لكن يجب على الجميع أن يقوموا بأدوارهم. وعملنا مع فرق الدفاع لدينا لضمان استراتيجية عمل لا تحتاج لإرسالنا جنوداً على الأرض أو لالتزام طويل الأمد في ليبيا.

 

“نفذنا تلك الخطة بأحسن ما توقعت، إذ حصلنا على قرار أممي وبنينا تحالفاً كلفنا مليار دولار، وهو رقم بسيط جداً في نطاق العمليات العسكرية. فتفادينا أعداداً كبيرة من الجرحى ومنعنا ما كان شبه مؤكد أن يكون نزاعاً أهلياً طويلاً ودموياً، ورغم كل ذلك ليبيا تعمها الفوضى.”

 

الفوضى هو التعبير الدبلوماسي الذي يستخدمه الرئيس، أما في الدوائر الخاصة فيصفها بـ “فشل خرائي”، بعض من ذلك يعود لكونها أصبحت مرتعاً لداعش بعد أن تم استهداف تلك المناطق بالقصف من قبل. والأسباب وراء تحولها لفشل خرائي بنظر أوباما تعود لسلبية حلفاء أمريكا وهيمنة القبلية فيها وليس لقلة الكفاءة الأمريكية.

 

حول ذلك قال أوباما “عندما أعود بالزمن وأراجع ما حصل، أجد مساحة للنقد، لأنني وثقت بالأوروبيين أكثر نظراً لقربهم الجغرافي من ليبيا وظننت أنهم سيهتموا بمتابعة الأمر.” وأشار إلى أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي خسر منصبه في العام التالي، وأن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون لم يعد يهتم للأمر، وأصبح “منشغلاً بعدة أمور أخرى”. وقال عن فرنسا “أراد ساركوزي أن يفاخر بمساهمته بها في الحملة الجوية، رغم أننا كنا قد قضينا على كل الدفاعات الجوية وهيأنا البنية التحتية بكاملها” للتدخل. وأضاف أن هذا النوع من التباهي لا بأس به، لأنه أتاح للولايات المتحدة “شراء مشاركة فرنسا بطريقة جعلت المسألة أقل خطورة وتكلفة علينا.” وبعبارة أخرى، كان إعطاء فرنسا فضلاً كبيراً في الحملة مقابل تكلفة وخطورة أقل على الولايات المتحدة مقايضة مجدية، إلا أنه “من وجهة نظر العديدين في مؤسسة السياسة الخارجية، كان الأمر فظيعاً. فإن كنا نريد أن نقوم بأمر ما يجب طبعاً أن نكون في الصف الأمامي وألا يشاركنا أحد في المجد.”

كما ألقى أوباما باللوم أيضاً على العلاقات الداخلية الليبية حيث قال “بلغت الانقسامات القبلية في ليبيا مبلغاً لم يتوقعه خبراؤنا. وسرعان ما تبخرت قدرتنا على تأسيس أي نظام هناك يمكننا من خلاله التفاعل والبدء بالتدريب وتوفير الموارد.”

 

أثبتت ليبيا لأوباما أنه من الأفضل تجنب الشرق الأوسط، حيث قال مؤخراً لزميل سابق في مجلس الشيوخ “لا يمكن أن نلزم أنفسنا بحكم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. سيكون ذلك خطأ أساسياً فادحاً.”

 

لم يكن الشرق الأوسط الشغل الشاغل لأوباما عند قدومه إلى الرئاسة، فهو أول رئيس من أصول تعود إلى المحيط الهادي، إذ ولد في هاواي ونشأ فيها، وعاش في أندونيسيا لأربعة أعوام. وجل ما يريده هو تحويل الاهتمام الأمريكي إلى آسيا، فهي بالبنسبة له تمثل المستقبل، كما تستحق كل من أفريقيا وأمريكا اللاتينية برأيه اهتماماً من الولايات المتحدة أكبر بكثير مما تتلقيان. أما أوروبا غير المغرم بها فهي مصدر للاستقرار العالمي يتطلب رعاية أمريكية، الأمر الذي يزعجه أحياناً. والشرق الأوسط منطقة يجب تفاديها، وبفضل ثورة الطاقة في أمريكا ستكون قريباً ذات أهمية مغفلة بالنسبة للاقتصاد الأمريكي.

 

ولعل صادرات الشرق الأوسط من الإرهاب، وليس النفط، هي ما يشكل فهم أوباما لمسؤولياته هناك. وفي أوائل عام 2014 قال مسؤولو المخابرات لأوباما أن أهمية داعش هامشية، أما رئيس القيادة المركزية المطلعة بالعمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط الجنرال لويد أوستن فقد نُقل عنه أنه وصف الدولة الإسلامية بأنها مجرد “صدفة لن تتكرر”. مما دفع أوباما في لقاء مع صحيفة النيويوركرلوصف المجموعات الجهادية في سوريا والعراق بأنها “فريق من الهواة اليافعين”. (أود أن أذكر هنا عن متحدث باسم أوستن قوله لي أن “الجنرال أوستن لم يعتبر داعش “صدفة لن تتكرر” في أي وقت من الأوقات).

 

ومع حلول أواخر ربيع عام 2014 وبعد أن استولى داعش على الموصل في شمال العراق، رأى أوباما أن المخابرات الأمريكية أساءت تقدير خطورة التنظيم وقلة كفاءة الجيش العراقي فتغير موقفه. وبعد أن قطع داعش رؤوس ثلاثة أمريكيين مدنيين في سوريا، اتضح لأوباما أن هزيمة المجموعة أولوية أهم للولايات المتحدة من إسقاط بشار الأسد.

يذكر مستشارون استشهاد أوباما بلحظة مفصلية من فيلم فارس الظلام (فيلم باتمان لعام 2008) ليشرح فهمه لدور داعش والبيئة التي نشأ فيها، حيث يقول “هناك مشهد في البداية تجتمع فيه عصابات جوثام وهم من قسّموا المدينة، كانوا مرتزقة ولكن كان هناك نوع من النظام يسيطر بموجبه كلٌ على منطقته، ثم أتى الجوكر وأضرم النيران في المدينة كلها. داعش هو الجوكر. لديه القدرة على إضرام النار في المنطقة بأسرها، ولهذا يجب علينا محاربته.”

وهكذا عمّق صعود الدولة الإسلامية من قناعة أوباما بأن الشرق الأوسط لا يمكن إصلاحه خلال رئاسته ولا حتى خلال الجيل القادم.

 

وقف أوباما على مسرح في مانيلا ذات أربعاء ممطر في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) خلال قمة التعاون الاقتصادي الآسيوي-الهادي (APEC)، وكان معه جاك ما – مؤسس شركة صينية للتجارة الإلكترونية تعرف باسم علي بابا، ومخترعة فيليبينية في الحادية والثلاثين من عمرها تدعى آيسا ميجينو. كانت القاعة مكتظة برؤساء الشركات الآسيوييين ورجال الأعمال الأمريكيين والمسؤولين الحكوميين من مختلف دول المنطقة. وبعد ترحيب حار به، بدأ أوباما بإلقاء بعض الملاحظات غير الرسمية التي دارت بشكل رئيسي حول التغير المناخي. ولم يأتِ على ذكر الأمر الذي يشغل بال معظم بقية العالم، وهو الهجمات التي شنها داعش في باريس قبل خمسة أيام وراح ضحيتها مائة وثلاثين شخصاً. وكان أوباما قد وصل إلى مانيلا بعد حضوره قمة دول العشرين في أنطاليا في تركيا حيث كانت هجمات باريس محور الأحاديث التي دارت وأجرى أوباما فيها مؤتمراً صحفياً مشحوناً حول الأمر.

 

أمطر صحفيو البيت الأبيض أوباما بوابل من الأسئلة مثل “ألم يحن الوقت لتغيير استراتيجيتك؟” و “هل لي أن أطلب منك رداً على نقادك الذين يقولون أن ترددك في الخوض في حرب أخرى في الشرق الأوسط وتفضيلك للدبلوماسية على العسكرة يضعف الولايات المتحدة ويقوي أعداءنا؟”. ثم جاء هذا السؤال الخالد من صحفي في قناة سي إن إن “اعذرني على التعبير: لماذا لا نقتل أولئك الأوغاد؟” ليتبعه سؤال آخر “هل تعتقد أنك فعلاً تعرف هذا العدو بما يكفي لتهزمه وتحمي الوطن؟”

 

ازداد أوباما ضيقاً مع كل سؤال. شرح استراتيجيته بشأن داعش مطولاً، لكن المرة الوحيدة التي أظهر فيها شيئاً من مشاعره غير الازدراء كانت عندما تحدث عن الجدل المتزايد حول سياسة أمريكا بشأن اللاجئين. فقد أخذ الحكام الجمهوريون ومرشحو الرئاسة فجأة يطالبون بمنع الدولة للاجئين السوريين من المجيء إلى أمريكا. واقترح تيد كروز قبول السوريين المسيحيين فقط، بينما قال كريس كريستي أن كل اللاجئين بمن فيهم “الأيتام تحت سن الخامسة” يجب أن يُمنعوا من الدخول حتى يتم تطبيق عمليات تدقيق مناسبة. بدا أن هذا المنطق يُغضب أوباما كثيراً حيث كان رده أمام الصحفيين “عندما أسمع الناس يقولون ربما يجب علينا أن نسمح بدخول المسيحيين فقط وليس المسلمين، وعندما أسمع قادة سياسيين يقترحون خوض اختبارات دينية لتحديد من يمكنه الدخول ممن هربوا من بلد مزقته الحرب، أمريكا ليست هكذا.. وهذا ليس منا. تعاطفنا لا يتطلب اختبارات دينية.”

 

غادرت طائرة الرئاسة أنطاليا وحطت بعد عشر ساعات في مانيلا، حينها أدرك مستشارو الرئيس أن “الجميع في الوطن قد فقدوا عقولهم” على حد تعبير أحد المسؤولين. وفي محاولتها لفهم القلق المتزايد، أخذت سوزان رايس تبحث بين قنوات تلفاز غرفتها في الفندق على محطة سي إن إن بلا فائدة، فبقيت تغير القناة بين بي بي سي وفوكس نيوز، لتكوّن تصوراً معتدلاً  كما قالت لرفاقها في الرحلة.

 

قال الرئيس بعد ذلك أنه لم يحسن تقدير خوف العديد من الأمريكيين من هجوم محتمل على الولايات المتحدة على غرار ما حدث في باريس، حيث حالت رحلته الرئاسية حول العالم دون ذلك مع تبعاتها من بُعد المسافة وجدول الأعمال المزدحم والاضطراب المصاحب للسفر وتغيير الوقت، لكنه لم يتصور أبداً أن الخطر الذي يمثله الإرهاب على أمريكا هو بحجم الخوف الذي ولّده، وقد بقيت عواطفه تحت السيطرة حتى خلال تلك الفترة في 2014 عندما أعدم داعش رهائنه الأمريكان في سوريا. وقالت له إحدى أقرب مستشاريه فاليري جاريت أن الناس كانوا متخوفين من قيام تلك المجموعة بنقل حملة قطعها للرؤوس إلى الولايات المتحدة، فكان رده “لن يأتوا هنا لقطع رؤوسنا”. كثيراً ما يذكّر أوباما أفراد طاقمه أن الإرهاب يحصد أرواحاً في أمريكا أقل مما تفعل المسدسات وحوادث السيارات والوقوع في حوض الاستحمام، وبهذا الصدد عبر لي قبل عدة سنوات عن إعجابه بـ “مرونة” الإسرائيليين في مواجهتهم الدائمة مع الإرهاب. من الواضح أنه يود أن يرى المرونة تحل محل الذعر في المجتمع الأمريكي، إلا أن مستشاريه في صراع دائم لمنعه من وضع الإرهاب في ما يعتقد أنه مكانه “المناسب” خوفاً من أن يبدو غير مكترث لمخاوف الشعب الأمريكي.

 

ملأ الإحباط مستشاري أوباما وفاض بهم إلى أن وصل إلى أروقة البنتاغون ووزارة الخارجية، حيث يبدو جون كيري قلقاً بشأن داعش أكثر من الرئيس نفسه، وعندما سألت وزير الخارجية مؤخراً سؤالاً عاماً: هل ما زال الشرق الأوسط مهماً بالنسبة للولايات المتحدة؟، أجابني بالحديث عن داعش فقط: “إنه خطر يهدد الكل حول العالم”، وهي مجموعة “تعهدت علانية بتدمير الناس في الغرب والشرق الأوسط. تخيل ما يمكن أن يقع إن لم نصدهم ونحاربهم، إن لم نقُد تحالفاً كما نفعل الآن. إن لم نقم بذلك قد يسقط حلفاؤنا وأصدقاؤنا، وقد نشهد هجرة جماعية إلى أوروبا تقضي عليها وتؤدي إلى دمارها بالكامل وتنهي المشروع الأوروبي، فيهرع الجميع للاختباء ويتكرر سيناريو ثلاثينات القرن الماضي مرة أخرى حيث انتشرت القومية والفاشية وغيرهما. بالطبع يهمنا هذا الشأن، يهمنا كثيراً.”

 

وعندما أشرت لكيري أن رواية الرئيس لا تشبه روايته قال “الرئيس أوباما يرى كل ذلك، لكنه لا يضخمه إلى هذا النوع من…. ، يعتقد أننا على المسار الصحيح. كثّف جهوده لكنه لا يحاول أن يخلق حالة من الهيستيريا… أعتقد أن الرئيس دائماً يميل لمحاولة إبقاء الأمور متزنة، وأنا أحترم ذلك.”

 

يعدّل أوباما في أحاديثه عن الإرهاب لعدة أسباب: فهو بطبيعته يؤمن أن نظرة رعب أو كلمة في غير محلها أو زعم مضخم قد يشعل حالة ذعر في البلد. وأكثر ذعر يثير قلقه هو ما يتجلى بصورة الخوف من المسلمين أو بصورة تحدٍ للانفتاح الأمريكي ونظام الدستور.

 

كما أن سيطرة الإرهاب على مساحة كبيرة من أجنادته الأكبر يحبط الرئيس، خصوصاً عندما يكون على حساب إعادة التوازن لأولويات أمريكا العالمية. فقد كان “التحول إلى آسيا” الأولوية القصوى له، إذ يعتقد أن مستقبل أمريكا الاقتصادي يكمن في آسيا، والتحدي المتمثل في صعود الصين المستمر يحتاج إلى انتباه دائم. ومن أول أيامه في الرئاسة كان تركيزه منصباً على إعادة بناء العلاقات المهترئة بين أمريكا وشركائها في معاهدة آسيا، وهو يبحث دوماً عن فرص لجذب دول آسيوية أخرى إلى فلك الولايات المتحدة. وانفتاحه على بورما كان أحد تلك الفرص، وكذا فيتنام وكل دول جنوب شرق آسيا المتوجسة من الهيمنة الصينية.

 

كان أوباما مصمماً في مانيلا على إبقاء الحديث مركزاً على هذه الأجندة وليس على داعش الذي يرى أنه تحدٍ يمكن السيطرة عليه. وقد أخبرني وزير الدفاع آشتون كارتر منذ فترة بسيطة أن أوباما أبقى تركيزه على آسيا حتى مع استمرار النزاعات في سوريا والشرق الأوسط، فهو يعتقد كما قال أن آسيا “أهم جزء من العالم بالنسبة للمستقبل الأمريكي، ولا يمكن لأي رئيس أي يصرف نظره عن ذلك.” وأضاف كارتر “يسأل دائماً حتى وسط كل ما يجري: أين وصلنا في عملية إعادة موازنة العلاقات مع آسيا ودول المحيط الهادي؟ أين وصلنا بشأن الموارد؟ إنه مصر جداً على ذلك حتى في الأوقات التي يتصاعد فيها التوتر في الشرق الأوسط.”

 

بعد أن أنهى أوباما خطابه عن تغير المناخ انضم إلى ما وميجينو الذين جلسا على أريكتين مجاورتين استعداداً لعقد أوباما لقاء معهما على نمط البرامج الصباحية، مما أربك الجمهور الذي لم يتعود على أفعال كهذه من قادته. بدأ أوباما بسؤال ما عن تغير المناخ، فأعرب ما عن موافقته بأنه أمر مهم جداً، ثم استدار أوباما نحو ميجينو (وهي مهندسة شابة اخترعت مع أخيها مصباحاً يضيء بواسطة الماء المالح) بحماسة منقطعة النظير وقال “إذاً آيسا، الآلة التي اخترعتها يمكنها بواسطة الماء المالح -صحيح؟- أن تعطينا إضاءة لمدة ثمانية ساعات؟” فأجابت “حوالي ثمانية ساعات من الإضاءة”.

أوباما: “والمصباح يكلف عشرين دولاراً”

ميجينو: “حوالي العشرين”

 

“أعتقد أن آيسا هي أكبر مثال على ما نراه في العديد من الدول، من رواد أعمال يافعين يخترعون تقنيات بارعة، بطريقة تشبه ما حصل في مناطق واسعة من آسيا وأفريقيا حيث لم يتم إنشاء خطوط هاتف أرضية”…  لأن تلك المناطق اتجهت فوراً إلى استخدام الهواتف الخليوية. وشجع أوباما جاك ما ليمول عملها وقال “على فكرة، لقد فازت بالعديد من الجوائز وحصلت على الكثير من الاهتمام. وليس هذا كما ترونه من دعايات لأشياء تشترونها ولا تستطيعون تشغيلها” ليقابله الجمهور بالضحك.

 

في اليوم التالي وعلى متن طائرة الرئاسة في الطريق إلى كوالا لامبور، ذكرت لأوباما أنه بدى سعيداً بحق عند وقوفه على المسرح مع ما وميجينو، ثم غيرت الحديث مبتعداً عن آسيا وسألته إن كان هناك ما يسعده في الشرق الأوسط، فكان جوابه “حالياً لا أعتقد أن هناك من يسعده الوضع في الشرق الأوسط. فهناك دول لم توفر الفرص والحياة الكريمة لمواطنيها، وهناك أيديولوجية أو أيديولوجيات من العنف والتطرف تنتشر كالنار في الهشيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهناك دول ليس لديها من العادات المدنية إلا ما ندر، لذا نرى أنه مع تفتت الأنظمة المستبدة تبقى المبادئ الوحيدة المنظمة طائفية.” وتابع حديثه بالقول “بينما في جنوب شرق آسيا، ومع المشاكل الكبيرة التي لديهم من فقر واسع وفساد، لكنها مليئة بناس مفعمون بالطموح والعزم يبذلون قصارى جهدهم كل يوم لبناء أعمالهم وللحصول على التعليم والعثور على عمل وبناء البنى التحتية. الفرق كبير جداً.”

 

في آسيا، كما في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، يقول أوباما أنه يرى الشباب متعطشاً لتحسين أوضاعه وللوصول إلى الحداثة والتعليم والثروة العينية، ويقول “إنهم لا يفكرون بقتل الأمريكان، بل يتساءلون كيف أحصل على تعليم أفضل، كيف أصنع شيئاً قيماً؟” ثم أفصح عن ملاحظة أدركت بعدها أنها تمثل أعتم وأعمق فهم لديه عن الشرق الأوسط، وهو ليس فهماً تعلن عنه إدارة أمريكية متمسكة بالأمل والتغيير، حيث قال “إن لم نبدأ حواراً معهم” في إشارة إلى الشباب في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية “لأننا مشغولون بالتخطيط لتدمير أو تطويق أو السيطرة على مجموعات الشر والعدمية والعنف، سيفوتنا القطار.”

 

يقول نقاد أوباما أنه لم ينجح في تطويق العدميين العنفيين من الإسلام المتطرف لأنه لا يفهم خطرهم. وهو بالفعل لا يصبغ الإسلام المتطرف بمنظور “صراع الحضارات” الذي أشاعه عالم السياسة المتوفي صامويل هانتينغتون، وهذا لأنه كما يقول هو ومستشاروه، لا يريد أن يضخم حجم العدو، إذ قال جون برينان “فالهدف هو عدم صبغ هذا الصراع بمفهوم هانتينغتون.”

في حين تحدث كل من فرانسواه أولاند وديفيد كاميرون عن خطر الإسلام المتطرف بطريقة أقرب لمنظور هانتينغتون، وسمعت كلا الرجلين يتمنيان لو أن أوباما يستخدم لغة صريحة أكثر في حديثه عن هذا الخطر، وعندما ذكرت ذلك لأوباما قال “استخدم أولاند وكاميرون عبارات مثل الإسلام المتطرف لم نستخدمها نحن بشكل معتاد في حديثنا عن الإرهاب، لكنهم لم يقولوا مرة: لم لا تستخدم هذه العبارة كما يفعل الجمهوريون؟”. ويقول أوباما أنه طالب الرؤساء المسلمين أن يبذلوا المزيد للتخلص من خطر التطرف والعنف، “قصدي واضح جداً وهو أنه هناك فهم عنيف ومتطرف وعدمي للإسلام لدى مجموعة -صغيرة جداً- في المجتمع المسلم هي عدونا ويجب هزيمته.”

 

ثم قدم نقداً بدا مشابهاً لما يقوله كاميرون وأولاند “هناك حاجة أيضاً ليتحدى الإسلام ككل هذا الفهم له وليعزله، ولبدء النقاشات الجادة في مجتمعاتهم عن كيفية دمج الإسلام كجزء من مجتمع حديث مسالم” لكنه أضاف “لن أنجح في إقناع المسلمين السلميين والمنفتحين للانخراط في هذه النقاشات إن لم أتفهم مخاوفهم من التعميم.” وفي لقاءاته الخاصة مع رؤساء العالم بيّن أوباما أنه لن يكون هناك حل شامل لإرهاب الإسلاميين ما لم يتقبل الإسلام الحداثة والإصلاحات التي غيرت الديانة المسيحية.

 

ورغم أنه أطلق زعماً أثار الجدل بأن نزاعات الشرق الأوسط “تعود إلى ألفيات خلت”، إلا أنه يعتقد أيضاً أن غضب المسلمين الزائد خلال السنوات القليلة الماضية ضخمته دول تعد صديقة للولايات المتحدة. وفي اجتماع خلال قمة APEC مع رئيس الوزراء الأسترالي الجديد مالكولم تورنبول، شرح أوباما كيف شاهد أندونيسيا تتحول تدريجياً من إسلام مسالم وجامع إلى فهم آخر أكثر تعصباً وصرامة حيث أضحت الكثير من النساء محجبات، وحين سأله تورنبول عن السبب وراء ذلك أجاب بأن السعودية ودول الخليج الأخرى قد أرسلت الأموال والأئمة والأساتذة إلى تلك الدولة، إذ أغدق السعوديون في تسعينات القرن الماضي الأموال على المدارس الوهابية حيث يُدرّس الإسلام المتعصب الذي تفضله العائلة الحاكمة السعودية. فاتخذ الإسلام في أندونيسيا اليوم طابعاً أكثر عروبة بكثير عما كان عليه في الفترة التي عاش فيها هناك بحسب قوله.

 

فسأله تورنبول “أليس السعوديون أصدقاءك؟”، فابتسم أوباما وقال “إنها قصة معقدة.”

 

كان صبر أوباما دوماً محدوداً مع المملكة السعودية، ففي أول تعليق رسمي له حول السياسة الخارجية في خطابه في التجمع المناهض للحرب عام 2002 في شيكاغو قال “أتريد معركة أيها الرئيس بوش؟ دعنا نعمل على ضمان كف حلفائنا المزعومين في الشرق الأوسط، السعوديين والمصريين، عن قمع شعوبهم وسحق المعارضة وعن تقبل الفساد وعدم المساواة.” وفي البيت الأبيض حالياً يمكن للمرء أن يسمع مسؤولي أوباما في الامن القومي يتعمدون تذكير الزوار بأن الأغلبية العظمى من مختطفي طائرات 11 أيلول (سبتمبر) لم يكونوا إيرانيين، بل سعوديين، وينتقد أوباما بنفسه سياسة الدولة السعودية في نبذ النساء بقوله في الدوائر الخاصة “لا يمكن لدولة أن تنجح في العالم الحديث وهي تقمع نصف سكانها.” كما قال خلال لقاءاته مع زعماء أجانب “يمكنك الحكم على نجاح مجتمع ما من خلال معاملته لنسائه.”

 

يؤثر ضيقه من السعوديين في تحليله للقوى السياسية في الشرق الأوسط، إذ ذكرت له مرة ملاحظتي بأنه أقل عرضة من غيره من الرؤساء للوقوف تلقائياً في صف المملكة العربية السعودية في خلافها مع غريمتها إيران، ولم يختلف معي حيث قال “إيران التي هي عدو للولايات المتحدة منذ عام 1979 ومتورطة في أعمال الإرهاب، تشكل خطراً حقيقياً على إسرائيل وعلى العديد من حلفائنا، وتشارك بكل أنواع الأعمال المدمرة. ولم يكن رأيي يوماً أننا يجب أن نرمي بحلفائنا التقليديين” أي السعوديين “لصالح إيران”.

ثم استطرد بقوله أن على السعوديين أن “يتشاركوا” مع أعدائهم الإيرانيين في الشرق الأوسط، “المنافسة التي بين السعوديين والإيرانيين والتي ساهمت بإذكاء حروب الوكالة والفوضى في سوريا والعراق واليمن، تتطلب منا أن نقول لأصدقائنا وللإيرانيين بأن عليهم أن يجدوا طريقة فعالة لتقاسم المنطقة وإرساء نوع من السلام البارد، إن اتبعنا نهجاً يقول لأصدقائنا: “معكم حق، إيران هي سبب كل المشاكل وسندعمكم في التعامل معها” فسيعني ذلك أن تستمر النزاعات الطائفية وأصدقاؤنا التقليديين في الخليج لا يستطيعون إخمادها أو تحقيق نصر ساحق بمفردهم، وسيعني أيضاً أن يتعين علينا الذهاب إلى هناك وتوظيف قوتنا العسكرية لتصفية الحسابات، وهذا لن يكون في صالح الولايات المتحدة ولا الشرق الأوسط.”

 

يعتقد أوباما أن القبلية هي أحد أكثر القوى تدميراً في الشرق الأوسط، وهي قوة لا يمكن لرئيس أن يحيدها. فالقبلية في عودتها إلى الطائفة أو المجموعة أو القرية، هي قانون يتبعه مواطنون يائسون في دول فاشلة، وهي مصدر الكثير من مشاكل الشرق الأوسط، كما أنها مصدر آخر لحتميته. وهو يعي تماماً مرونتها المدمرة حيث تكلم في جزء من مذكراته “أحلام أبي” عن دور القبلية في كينيا بعد الاستعمار بتدمير حياة والده، وهذا يوضح السبب وراء إصراره العنيد على تجنب التورط في النزاعات القبلية. وقد قال لي عنها “توجسي من القبلية يدخل في تكويني حرفياً. فأن أفهم النزعات القبلية، وأدرك سلطة الانقسامات القبلية حيث قضيت حياتي كلها أخوض فيها. إنها في النهاية مصدر الكثير من الأفعال المدمرة.”

خلال سفري إلى كوالا لامبور مع الرئيس، ذكرته بما قاله لي ذات مرة حول فكرة الكاتب توماس هوبز عن الحكومة القوية كعلاج للطبيعة التي لا ترحم، فعندما ينظر أوباما إلى مناطق كبيرة من الشرق الأوسط يرى ما وصفه الكاتب في كتابه “حرب الكل ضد الكل”. “أعلم أن قيامنا بدور متسلط يخفف من حدة تلك النزعات.” ومن هنا حاولت أن أعيد فتح هذا الموضوع بسؤال مسهب عن “رؤية هوبز بأن الناس ينظمون أنفسهم في مجموعات درءاً لخوفهم الأكبر، وهو الموت.”

 

كان بِن رودز وجوشوا إيرنست (المتحدث باسم البيت الأبيض) في ذلك الحين جالسين على أريكة بجانب مكتب الرئيس على طائرة الرئاسة، وبالكاد استطاعا كبح أنفسهما من الضحك على عشوائيتي، فتوقفت عن كلامي وقلت “أراهن بأنني إن سألت هذا السؤال في مؤتمر صحفي لطردني زملائي خارج الغرفة.”

فقال أوباما “كان ليعجبني السؤال جداً لكن الجميع سيتذمرون منه.”، وقال رودز مقاطعاً “لم لا نقتل أولئك الأوغاد؟”، مقلداً مراسل محطة سي إن إن الذي طرح هذا السؤال على الرئيس خلال مؤتمر صحفي في تركيا.

 

عدت حينها للرئيس وقلت: “صحيح، وأيضاً… لماذا لا نقتل أولئك الأوغاد؟”، فأجابني على السؤال الأول بقوله: “حسناً، لا أعتقد أن الناس أشرار بطبيعتهم. أعتقد أن الخير في الإنسانية أكبر من الشر، وبالنظر إلى مجرى التاريخ نجد أني متفائل بقولي هذا. أعتقد أن الإنسانية ككل أصبحت أقل عنفاً وأكثر تقبلاً، وأكثر صحة ولديها ما يكفي من الغذاء، وأضحت أكثر تعاطفاً وقادرة على التعامل مع الاختلافات. ولكن هناك تفاوت كبير، وقد اتضح خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين أن التقدم الذي أحرزناه في التنظيم الاجتماعي والتحكم بغرائزنا الأساسية وتهدئة مخاوفنا يمكن محوه بسرعة، حيث يبدأ التنظيم الاجتماعي بالتفكك عندما يقع الناس تحت ضغوطات عظيمة، فيحل محله منطق القبيلة، نحن وهم، في عداء ضد المجهول.”

 

وتابع: “ترى اليوم حول العالم أماكن تعاني من توتر شديد بسبب العولمة وصدام الثقافات الذي ولّدته الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وبسبب شح الموارد، الذي سيكون بعض منه نتيجة لتغير المناخ خلال العقود القادمة، وبسبب النمو السكاني. وفي هذه المناطق، وأولها منطقة الشرق الأوسط، يعود الناس إلى طبيعتهم القبلية ورفض الآخر المختلف عنهم. ومجموعة مثل داعش تمثل خلاصة كل نزعة سيئة في هذا الصدد، وفكرة أن مجموعة صغيرة تعرف عن نفسها بشكل رئيسي بمدى إمكانيتها على قتل الآخرين المختلفين عنا، وتحاول فرض حكم صارم غير منتج وغير مفيد ومنافٍ لكل تقدم أحرزته الإنسانية، يبين لأي درجة تستطيع تلك العقلية أن تتجذر وتجمع وراءها الموالين في القرن الواحد والعشرين.”

 

فبادرت بسؤاله: “إذاً معرفتك بقوة القبلية هو ما يجعلك تبقى بعيداً؟ بمعنى آخر، عندما يقول الناس لماذا لا ننال من أولئك الأوغاد، تتراجع؟”، وكان جوابه “علينا أن نحدد أفضل الأدوات التي يمكنها أن تخفف من تلك التصرفات. سيكون هناك أوقات علينا فيها للأسف أن نمتنع عن الاندفاع فيها إما لأنها ليست خطراً مباشراً علينا أو لأننا لا نملك الأدوات اللازمة في جعبتنا لتحقيق تأثير كبير فيها.”

 

سألت أوباما إن كان ليرسل قوات البحرية إلى رواندا عام 1994 لوقف الإبادة الجماعية فيما لو كان الرئيس حينها، فأجاب “مع سرعة القتل فيها والمدة اللازمة لحشد آلة الحكومة الأمريكية أستطيع تفهم سبب عدم تحركنا بالسرعة اللازمة. وعلينا أن نتعلم من ذلك، في الواقع أعتقد أن رواندا مثال جيد لأنه من الممكن -وليس أكيداً، لكنه من الممكن- أن تكون تلك حالة ربما نجح فيها استخدام القوة بشكل سريع.”

 

وقاس ذلك على سوريا فقال: “من المفارقة أنه يسهل القول بأننا لو سارعنا باستخدام قوة محدودة نسبياً بدعم دولي لكنا منعنا الإبادة بنجاح أكبر في رواندا مما نرى في سوريا اليوم، حيث اختلاف المجموعات فيها ودرجة تسليحها والدعم الذي تتلقاه من الأطراف الخارجية ذات الموارد الوفيرة يتطلب عدداً أكبر بكثير من الجنود.”

 

يقول مسؤولون في إدارة أوباما أنه طريقته في محاربة الإرهاب واضحة، تتمثل في قوات جوية من الطائرات بدون طيار، وغارات من القوات الخاصة، وجيش عتيد من عشرة آلاف من الثوار المقاتلين في سوريا المدعومين من الاستخبارات الأمريكية. لماذا يتعثر أوباما إذاً عندما يشرح للشعب الأمريكي أنه هو أيضاً يهتم بالإرهاب؟ قلت له أن المؤتمر الصحفي في تركيا “كان لحظة يجب أن تقول فيها كسياسي: نعم أنا أيضاً أكره أولئك الأوغاد، وعلى فكرة أنا بالفعل أعمل على القضاء عليهم.” كان من السهل طمأنة الأمريكان بشكل قاطع أنه سيقتل من يريد قتلهم، فهل يخشى من ردة فعل تأخذه إلى غزو آخر في الشرق الأوسط؟ أم أنه سلمي حتى النهاية؟

 

رد بأن “لكل رئيس نقاط ضعفه ونقاط قوته، ومما لا شك فيه أنه هناك أوقات لم أُعر فيها اهتماماً كافياً للمشاعر والعواطف والسياسة في توضيح ما نفعل وكيف نفعله”، وتابع أنه  لتنجح أمريكا في قيادة العالم “أعتقد أن علينا أن نتجنب البساطة الزائدة، وأن علينا أن نتحلى بالمرونة ونعمل على أن تكون نقاشاتنا السياسية مربوطة بالواقع، لست ضد البهرجة في التواصل السياسي، لكن عاداتنا كإعلاميين وكسياسيين وكيفية تناولنا لتلك المواضيع أحياناً تبدو أبعد ما يمكن عما يجب علينا فعله لدرجة تجعلنا نتخذ قرارات أسوأ فأسوأ إن جارينا تهويل شبكات الأخبار.”

 

مع بدء الطائرة هبوطها التدريجي نحو كوالا لامبور ذكر الرئيس الجهود الناجحة التي قادتها الولايات المتحدة لدحر وباء الإيبولا في غرب أفريقيا كمثال إيجابي عن معالجة رصينة غير هيستيرية لأزمة مرعبة، وقال “خلال أول شهرين وعندما كان الجميع على ثقة بأن الإيبولا سيدمر الأرض وكان هناك تغطية إخبارية على مدار 24 ساعة، لو أنني أذكيت الشعور بالذعر أو حدت عن نهج العمل بأن”هذا ما لدينا من حقائق وهذا ما علينا عمله وهذه الطريقة التي نتعامل بها مع الأمر، احتمال إصابتك بالإيبولا ضعيف جداً، وهذا ما علينا فعله محلياً وخارجياً للقضاء على هذا الوباء”، لربما قال الناس عندها ان أوباما مهتم بالأمر كما يجب أن يكون.” لكن تضخيم الذعر بالمبالغة كان يمكن له أن يوقف السفر من وإلى ثلاث دول أفريقية تعاني من فقر شديد مما قد يدمر اقتصادها، و كان سيؤدي على الأرجح إلى عودة المرض وإلى تبعات أخرى، وأضاف أوباما “وكان ذلك سيعني أيضاً أننا ربما أنفقنا كمية رهيبة من الموارد من أنظمتنا للصحة العامة كان من الأجدى الاستفادة منها في توفير لقاحات للانفلونزا وغيرها من الأمراض التي تقتل الناس بالفعل” بأعداد كبيرة في أمريكا.

 

هبطت الطائرة ولم يلاحظ الرئيس ذلك وهو مسترخٍ في كرسي مكتبه بربطة عنق عوجاء وبدون معطف. رأيت في الخارج على الأسفلت ما بدا أنه جمع كبير من الجيش الماليزي أتى للترحيب به. مع استمراره بالحديث بدأت أقلق من شعور الجنود وكبار الشخصيات بحرارة الجو، فقلت “أعتقد أننا في ماليزيا، يبدو أنها خارج هذه الطائرة”.

 

وافقني الرئيس لكنه بدا غير مستعجل، فواصلت بسؤالي عن ردة فعله العلنية على الإرهاب: ألن يعمل إظهاره لمشاعره أكثر على تهدئة الناس بدلاً من تهييجهم؟ فكان جوابه: “لدي أصدقاء أطفالهم في باريس حالياً، وأنا وأنت وغيرنا الكثيرين ممن كتبوا عما جرى في باريس قد مشينا في نفس الشوارع التي قُتل فيها الناس، ومن الطبيعي أن نشعر بالخوف، ومن المهم بالنسبة لنا ألا نشعر بالارتياح الزائد أبداً، هناك فرق بين المرونة والغطرسة.” ثم أخذ يصف فرقاً آخر بين اتخاذ قرارات متأنية وأخرى سريعة وعاطفية فقال “يدل ذلك على أنك مهتم جداً لدرجة أنك تريد أن تقوم بالصواب، ولن تقدم رداً متهوراً أو مرتب مسبقاً ليكون خبراً ساخناً لكنه لا يأتي بنتيجة، الخطر الأمر لا يحتمل ممارسة هذه الألاعيب.”

 

وقف أوباما عندها وقال “حسناً، علي الذهاب”، وخرج من مكتبه إلى الدرج ثم السجادة الحمراء وحرس الشرف ومجموعة المسؤولين الماليزيين الذين كانوا بانتظاره، ومن ثم إلى سيارته الليموزين المصفحة التي وصلت إلى كوالا لامبور قبله. (في وقت مبكر من فترة رئاسته الأولى ومع عدم اعتياده على العمليات العسكرية الهائلة التي يتطلبها نقل الرئيس من مكان لآخر، قال متأسفاً لمعاونيه “أنا صاحب أكبر بصمة كربونية في العالم.”)

 

كانت محطة الرئيس الأولى في محفل آخر يسلط الضوء على اهتمامه بآسيا، وكان هذا الحدث يضم طلاباً ورواد أعمال مشاركين في مبادرة القادة الشباب في جنوب شرق آسيا، دلف أوباما إلى قاعة المحاضرات في جامعة تايلور على وقع تصفيق حاد، ألقى كلمة افتتاحية تبعها بجلسة مطولة من الأسئلة سحر جمهوره فيها.

 

لكن انتباهنا نحن الجالسين في قسم الصحفيين تشتت بفعل الأخبار التي وردت على هواتفنا عن هجوم جهادي جديد، في مالي هذا المرة. لم يعلم أوباما به وسط انشغاله بافتتان معجبيه من رواد الأعمال الآسيويين حتى وصل إلى سيارته مع سوزان رايس.

 

زرت الرئيس في جناحه في فندق الريتز كارلتون وسط مدينة كوالا لامبور في وقت لاحق من تلك الليلة. كانت الشوارع مغلقة حول الفندق، وأحاط المبنى عدد من السيارات المصفحة، بينما غصت الردهة الأمامية للفندق بفرق المهام الخاصة. استقليت المصعد إلى طابق يعج بعملاء الاستخبارات أرشدوني نحو السلالم إذ تم تعطيل المصعد المؤدي إلى طابق أوباما لأسباب أمنية. صعدت طابقين إلى ردهة فيها المزيد من العملاء، وبعد برهة من الانتظار فتح أوباما الباب. اتسم جناحه ذو الطابقين بالفخامة  مع ستائره الجميلة وأرائكه الوثيرة، وكان ضخماً ويبعث على شعور بالوحدة وضيق المساحة في آن واحد.

 

علقت بقولي “يشبه قلعة هيرست”، فرد أوباما “إنه بالتأكيد ليس كنُزُل هامبتون في دي موينز”، وكان صوت قناة الرياضة في الخلفية. بعد أن جلسنا أشرت لأوباما حول تحدٍ كبير يواجه تحوله إلى آسيا. ففي وقت سابق من ذاك اليوم، وبينما كان يحاول أن يثير إلهام مجموعة من المحجبات الأندونيسيات من الموهوبات ورائدات الأعمال والمخترعين من بورما، تحول الاهتمام إلى الهجوم الإرهابي الإسلامي الأخير.

 

كونه كاتب بطبيعته قال: “لعلها مدخل سهل لبدء القصة” قاصداً هذه المقالة. فقلت ربما.. لكنها خدعة رخيصة، ورد: “رخيصة ولكنها ناجحة، ها نحن نتحدث مع أولئك الشباب، ليأتي هذا الهجوم.”

 

بدأت أحداث اليوم المتناقضة حديثاً حول اجتماعين حضرهما مؤخراً، أثار واحد منهما الكثير من الجدل وشغل عناوين الأخبار حول العالم، بينما الآخر لم يفعل. ألمحت إلى أن الاجتماع الذي استرعى الانتباه لن يُحسب له أثر يذكر، وهو قمة الخليج التي انعقدت في شهر أيار (مايو) 2015 في كامب ديفيد، التي كانت معنية بطمأنة مجموعة الشيوخ والأمراء المتوجسين من الصفقة القادمة مع إيران. أما الاجتماع الثاني فقد جمع في المكتب البيضاوي بين أوباما والأمين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي نجاين فو ترونج، وقد تم هذا الاجتماع تحت ضغط جون كيري على البيت الأبيض لكسر العرف الدولي إذ أن الأمين العام ليس رئيس دولة. لكن الأهداف التي يرمي إليها أهم من الاكتراث لذلك، فقد أراد أوباما أن يضغط عليهم للانضمام للشراكة الاقتصادية الاستراتيجية عبر المحيط الهادي، ونجح مفاوضو أوباما في الظفر بوعد من الفيتناميين بالسماح بإنشاء أحزاب مستقلة للعمال، كما أراد أن يعمق التعاون بينهما في أمور استراتيجية. وقد ألمح لي بعض المسوؤلين مراراً أن فيتنام قد تستضيف قريباً قاعدة أمريكية دائمة، وذلك للحد من طموحات الدولة التي تخشاها وهي الصين. وستكون عودة البحرية الأمريكية إلى خليج كام رانه تطوراً غير متوقع في التاريخ الأمريكي الحديث، وعن ذلك قال أوباما: “لقد دفعنا لتونا الحزب الشيوعي الفيتنامي للاعتراف بحقوق العمال بشكل ما كان ليتحقق من خلال التخويف أو الترهيب” معتبراً ذلك نصراً أساسياً في حملته لاستبدال سياسة العصا بالإقناع الدبلوماسي.

 

لاحظت أن الشباب الآسيوي الذي اجتمع ذاك اليوم، ومن ضمنه مواطنون من دول شيوعية، بدا محباً لأمريكا، وافق أوباما بقوله “إنهم كذلك فعلاً، فأمريكا تحظى بنسبة تأييد 80% في فيتنام حالياً.” التأييد لأمريكا عبر جنوب شرق آسيا يعني أننا “يمكن أن نحقق الكثير مما من شأنه أن يؤثر على جميع الأصعدة” بحسب قوله، “لأن انضمام  ماليزيا للحملة المضادة لداعش يزيد مصداقيتنا ومواردنا في الحرب ضد الإرهاب. وعندما تربطنا علاقات قوية بإندونيسيا سيساعدنا ذلك عندما نذهب إلى باريس للتفاوض على صفقة للمناخ، في حين قد يكون اهتمام روسيا أو غيرها من تلك الدول منصباً على تغيير الصفقة وإبطال فاعليتها.”

 

ثم أشار أوباما إلى تأثير أمريكا المتزايد في أمريكا اللاتينية، وقال أن بعضاً من ذلك يعود إلى إزاحته لعقبة كبيرة أمام المنطقة عندما أعاد العلاقات مع كوبا، كدليل على أن مقاربته المدروسة وغير المهددة والمرتكزة على الدبلوماسية للعلاقات الخارجية ناجحة. فقد ضعف تأثير حركة ألبا خلال فترة رئاسته، وهي مجموعة من حكومات أمريكا اللاتينية تعادي أمريكا، وقال أوباما حول ذلك “عندما وصلت للرئاسة، وعند حضوري أول قمة للأمريكتين، كان هوغو تشافيز” (الديكتاتور الفنزويلي السابق المعادي لأمريكا) “ما يزال أكبر الشخصيات فيها. فاتخذنا قراراً استراتيجياً جداً مسبقاً بعدم تضخيمه بصورة عدو عملاق لنا، بل وضع الأمر ضمن جحمه الواقعي بقولنا “لا يعجبنا ما يدور في فينزويلا لكنه ليس خطراً على الولايات المتحدة””

 

قام أوباما بذلك ليعيد التوازن، وللوصول إلى ذلك كان على الولايات المتحدة أن تمتص الخطابات الهجومية والإهانات من قبل كاسترو العجوز الفاشل، حيث وصف أوباما الأمر بقوله “عندما قابلت تشافيز وصافحته ألقى علي نقداً ماركسياً للعلاقة بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، ثم أجبرت على الاستماع لأورتيجا” (دانيال أورتيجا هو الرئيس اليساري المتطرف لنيكاراجوا) “وهو يسترسل في خطاب محتد ضد الولايات المتحدة. لكن وجودنا هناك وعدم أخذنا لكل ذلك على محمل الجد لأنه لم يكن خطراً علينا” ساهم بتحييد عداء المنطقة لأمريكا.

 

قلت أن عدم رغبته بالرد على أعداء أمريكا قد يكون غير مُرضٍ عاطفياً، وقلت له أنني أود أن أراه يزعج فلاديمير بوتين بين الفينة والأخرى، وانطلاقاً من فهمي لطبيعة جمهوري أضفت أن ذلك سيذكرنا بالماضي، فاجاب بهدوء “بالفعل، هذا ما يبغونه”. وأخذ يصف علاقة ببوتين لا تندرج تحت المفاهيم المعروفة، إذ أن انطباعي يقول  بأن أوباما ينظر لبوتين على أنه شخص شرير ووحشي وقصير، لكنه وصفه بأنه ليس شريراً حقاً: “في الحقيقة بوتين مهذب جداً في كل اجتماعاتنا وصريح جداً. تتسم اجتماعاتنا بالحرفية الشديدة، وهو لا يبقيني منتظراً لقاءه لساعتين كما يفعل مع الآخرين.” وقال أوباما أن بوتين يثمن علاقته بالولايات المتحدة أكثر مما يعتقد الأمريكان. “يهمه أن يبدو دوماً كنِدّ لنا وأنه ينسق معنا، لأنه ليس غبياً تماماً، فهو يفهم أن موقف روسيا بشكل عام في العالم قد انكمش، وغزوه للقرم أو محاولته دعم الأسد لا يجعلانه فجأة طرفاً فاعلاً. فأنت لا تراه يساهم في رسم أجندة أي من تلك الاجتماعات، بل لم يحصل في أحد اجتماعات الدول العشرين أن حدد الروس الأجندة حول أي من المواضيع المهمة.”

 

استدل نقاد أوباما على خسارة أمريكا هيبتها أمام العالم بعد الخط الأحمر بغزو روسيا للقرم في بدايات عام 2014 وبقرارها استخدام القوة لدعم حكم عميلها بشار الأسد. لذا عندما تحدثت مع الرئيس في المكتب البيضاوي في أواخر كانون الثاني (يناير) أثرت موضوع مصداقية الردع مجدداً وقلت “تقول الحجة أن فلاديمير بوتين قد راقبك في سوريا وقال “إنه مسرف في المنطقية والعقلانية وسياسة النكوص. سأتحداه أكثر في أوكرانيا.”

 

لم ينل سؤالي استحسان أوباما فقال “يمكن دحض هذه النظرية بسهولة لدرجة تجعلني أستغرب كيف يصدقها الناس. لا أعتقد أن أحداً ظن أن جورج  بوش الابن كان مفرطاً في عقلانيته أو حذره في استخدامه للقوة العسكرية. وحسبما أذكر، بعكس البقية في هذا البلد على ما يبدو، دخل بوتين إلى جورجيا خلال رئاسة بوش، في الوقت الذي كنا نرسل فيه مائة ألف جندي إلى العراق.” قصد أوباما غزو بوتين لجورجيا عام 2008، وهي جمهورية سوفيتية سابقاً، وقد قام بذلك مدفوعاً بالعديد من نفس الأسباب التي دفعته لغزو أوكرانيا لاحقاً، وهي إبقاء جمهورية سوفيتية سابقة تحت قبة السيطرة الروسية.

 

وقال أوباما “تحرك بوتين في أوكرانيا استجابة لوشوك إفلات دولة عميلة من قبضته، واخترع طريقة لإبقاء سيطرته عليها. وقد فعل الأمر نفسه في سوريا بتكلفة هائلة حمّلها لدولته. والقول بأن موقف روسيا أضحى أقوى الآن في سوريا أو في أوكرانيا قبل غزوه لأوكرانيا أو إرسال قواته العسكرية إلى سوريا ينم عن سوء فهم جذري لطبيعة النفوذ في العلاقات الخارجية أو في العالم ككل. فالنفوذ الحقيقي يعني أن تحصل على ما تريد دون أن تلجأ للعنف. وروسيا كانت أقوى بكثير عندما بدت أوكرانيا دولة مستقلة، حيث أنها كانت غارقة في الفساد وبإمكانه التحكم فيها.”

نظرية أوباما هنا بسيطة وتتلخص في أن أوكرانيا تقع في صلب المصلحة الروسية وليس الأمريكية، لذا ستتمكن روسيا دائماً من الإبقاء على سيطرتها عليها بشكل متزايد بحسب قوله “في الحقيقة ستكون أوكرانيا -وهي ليست عضواً في الناتو- عرضة لسيطرة روسيا العسكرية مهما فعلنا.”

 

سألت أوباما عندها إن كان موقفه حيال أوكرانيا واقعياً أم قدرياً، فرد “إنه واقعي، لكنه مثال يبين أننا يجب أن نكون واضحين جداً بشأن مصالحنا الأساسية وبشأن ما يمكن أن نخوض حرباً لأجله، وفي النهاية سيكون هناك دوماً بعض الغموض.” ثم ذكر نقداً كان قد سمعه ضده ليدحضه “أعتقد أن أفضل حجة يقدمها من ينقدون سياستي الخارجية هي أن الرئيس لا يستغل الغموض بشكل كافٍ، لا يتصرف بطريقة قد تجعل الناس تقول “قد يكون الرجل مجنوناً قليلاً.””، فقلت: “على طريقة نيكسون”، قاصداً إرباك وإخافة الخصم من خلال جعله يعتقد أنك قادر على ارتكاب أفعال غير منطقية.

 

فقال “فلنتفحص نظرية نيكسون، ولنفرض أننا أنزلنا كمية من العتاد على كامبوديا ولاووس أكبر من تلك التي أنزلت على أوروبا في الحرب العالمية الثانية، ورغم ذلك انسحب نيكسون في النهاية، وذهب كيسينجر إلى باريس، وكل ما تركاه خلفهما هو الفوضى والمذابح والحكومات الاستبدادية التي انبثقت في النهاية من ذلك الجحيم عبر فترة من الزمن. عندما أذهب لزيارة تلك الدول اليوم سيكون علي البحث عن طريقة لمساعدتهم على التخلص من القنابل التي ما زالت تفجر الأطفال. كيف خدمت تلك الاستراتيجية مصالحنا إذاً؟”

 

ولكن ماذا إن هدد بوتين بالتحرك ضد مولدوفا مثلاً، وهي دولة ضعيفة أخرى من العصر السوفيتي؟ ألن يستفيد بوتين من الاعتقاد أن أوباما قد يغضب ويصبح غير عقلاني حيال ذلك؟

 

“ما من دليل في السياسة الأمريكية الحديثة يشير إلى تصرف الناس بهذا الشكل. فالناس يتصرفون تبعاً لحاجاتهم، وإن كان الأمر مهماً جداً لطرف ما ولم يكن بتلك الأهمية لنا، يدرك كلانا ذلك. هناك طرق يمكن من خلالها وقف عمل ما، لكنها تتطلب منك أن تكون واثقاً تماماً بشكل مسبق مما هو جدير بخوض الحرب من أجله وما هو ليس كذلك. إن كان هناك أحد يزعم أننا يمكن أن نفكر بخوض حرب مع روسيا بسبب القرم وشرق أوكرانيا، عليهم أن يصرحوا بذلك بشكل واضح جداً. والاعتقاد بأن الخطب العصماء أو الانخراط في عمل عسكري هامشي بالنسبة لتلك المنطقة سيؤثر على قرارات روسيا أو الصين يخالف كل القرائن التي أطلعتنا عليها الخمسون عاماً الماضية.”

 

تابع أوباما بالقول أن الاعتقاد بما يمكن أن تحققه الصلابة يعود بالأصل إلى “أساطير” سياسة رونالد ريجان الخارجية.

“إن تمعنت بأزمة الرهائن في إيران مثلاً، ترى هناك رواية تم الترويج لها اليوم من قبل بعض المرشحين الجمهوريين تقول بأن صلابة ريغان جعلت إيران تقرر إطلاق سراح أولئك الرهائن في اليوم الذي تم انتخابه فيه. في الحقيقة ما حصل هو أنه كانت هناك مفاوضات مطولة مع الإيرانيين، ولأنهم كانوا يبغضون كارتر -ورغم إتمام المفاوضات- أبقوا على أولئك الرهائن حتى اليوم الذي انتخب فيه ريغان. موقف ريغان لم يكن له أي علاقة بإطلاق سراحهم. وعندما تتأمل في الأعمال العسكرية التي قام بها ريغان، غرناطة مثلاً التي ساهمت بالتأكيد في تعزير قدرتنا على تشكيل أحداث العالم و كانت حركة سياسية جيدة بالنسبة له في الوطن. وهناك قضية إيران كونترا التي دعمنا فيها القوات اليمينية شبه العسكرية ولم نفعل شيئاً لتحسين صورتنا في أمريكا الوسطى ولم تكن ناجحة بالمرة.”

وذكرني بأن عدو ريغان الكبير دانيال أورتيجا هو رئيس نيكاراجوا غير النادم على أفعاله.

 

كما ذكر أوباما قرار ريغان بسحب القوات الأمريكية بشكل شبه فوري من لبنان بعد مقتل 241 جندي في اعتداء لحزب الله عام 1983، وقال ساخراً “يبدو أن تلك الأشياء قد ساعدتنا في كسب المصداقية أمام الروس والصينيين” لأن “هذا ما قيل. أعتقد أن رونالد ريغان قد حقق نجاحاً كبيراً في السياسة الخارجية في إدراكه الفرصة التي قدمها غورباتشوف وانخراطه في العملية الدبلوماسية، التي كانت محط نقد نفس الأشخاص الذين يستخدمون مثال رونالد ريغان للترويج لفكرة أننا يجب أن نذهب ونقصف الناس.”

 

وفي حوار في نهاية كانون الثاني (يناير) طلبت من الرئيس أن يصف لي الأخطار التي تقلقه وهو يحضر خلال الشهور القادمة لتسليم السلطة إلى خليفته، فأجاب “عندما أتطلع إلى العشرين عاماً القادمة يقلقني تغير المناخ كثيراً بسبب تأثيره على كل المشاكل الأخرى التي نواجهها. إن بدأنا نرى الجفاف يستفحل والمجاعات تنتشرونزوح أكبر من شبه القارة الهندية والمناطق الساحلية في أفريقيا وآسيا، مع الشح المستمر واللاجئين والفقر والأمراض، سيفاقم ذلك جميع المشاكل التي نواجهها. وهذا يفوق مجرد الأمورالوجودية على كوكب بدأ يدخل في دوامة الأفعال السلبية ونتائجها.” كما قال أن الإرهاب مشكلة طويلة الأمد “عندما يجتمع مع مشكلة الدول الفاشلة.”

 

أي دولة تمثل أكبر تحدٍ لأمريكا في العقود القادمة بنظر أوباما؟ “في إطار العلاقات بين الدول الكبرى، أعتقد أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين ستكون الأهم. إن اتخذنا الخطوات الصحيحة واستمرت الصين في صعودها السلمي سيكون لدينا شريك ينمو بقدراته ويشاركنا بأعباء ومسؤوليات الحفاظ على النظام العالمي. وإن فشلت الصين ولم تستطع المحافظة على توجه يرضي سكانها ولجأت للقومية كمبدأ منظم، وإن شعرت بالارتباك لدرجة تجعلها لا تقوم بمسؤولياتها كدولة بهذا الحجم في الحفاظ على النظام العالمي، وإن رأت العالم من منظور السيطرة الإقليمية فقط، فلن يكون هناك احتمال بمواجهة معها فقط وإنما سنجد أنفسنا في مواجهة صعوبات متنامية في التعامل مع التحديات الأخرى القادمة.”

 

ذكرت له أن العديد من الناس يريدون من الرئيس أن يكون أكثر حزماً في مواجهة الصين خصوصاً في بحر الصين الجنوبي. فقد نُقل عن هيلاري كلينتون مثلاً قولها في الدوائر الخاصة “لا أريد لأحفادي أن يعيشوا في عالم يسيطر عليه الصينيون”، فقال “لقد كنت واضحاً جداً في قولي أننا يجب أن نخاف أكثر من دولة ضعيفة ومهددة في الصين من خوفنا منها كدولة ناجحة وصاعدة. أعتقد أننا يجب أن نكون حازمين عندما تهدد أفعال الصين المصالح الدولية، وإن نظرت لما فعلناه في بحر الصين الجنوبي، سترى أننا نجحنا في تحريك معظم آسيا لعزل الصين بشكل فاجأها ،وقد خدمنا مصالحنا بالتأكيد بتعزيز تحالفاتنا.”

 

كما أن روسيا ضعيفة ومتهالكة تشكل خطراً أيضاً، وإن كان غير كبير بنفس الدرجة حسب قوله “على عكس الصين لدى روسيا مشاكل في التركيبة السكانية والتركيبة الاقتصادية تتطلب رؤيا جديدة وجيلاً كاملاً للتغلب عليها. والنهج الذي يسلكه بوتين لن يساعدهم على تخطي تلك التحديات، ولكن تحت تلك الظروف يكون الإغراء باستخدام القوة العسكرية لإظهار العظمة قوياً، وهذا ما ينزع بوتين إليه، لذا لا أستهين بالمخاطر في ذلك”. ثم عاد إلى نقطة أثارها عدة مرات، يأمل أن تتفهمها الدولة والرئيس المقبل: “يعتقد معظم الناس أن القول بأن الدبلوماسية والبيروقراطية والتكنوقراطية لها دور في حماية أمن وأمان أمريكا غير صحيح، لكنه كذلك بالفعل. وعلى فكرة، إنه أحد عوامل قوة أمريكا ويعترف العالم بذلك بلا مواربة. عندما نرسل جندنا دائماً ما تشعر الدول الأخرى بأننا ننتهك السيادة وإن كان وجودنا ضرورة.”

 

زار جون كيري البيت الابيض مراراً خلال السنة الماضية ليطلب من أوباما انتهاك سيادة سوريا. وفي عدة مناسبات طلب منه أن يستهدف أماكن محددة تابعة للنظام تحت جنح الظلام بالصواريخ لـ “إرسال رسالة” للنظام، والهدف بحسب كيري ليس الإطاحة بالأسد بل لدفعه وروسيا وإيران على التفاوض للسلام. فعندما كانت كفة تحالف الأسد راجحة على أرض المعركة كما كانت خلال الأشهر القليلة الماضية، لم يظهر أي جدية تجاه مناشدات كيري للتفاوض. وبضعة صواريخ كروز كما قال كيري قد تجذب انتباه الأسد وداعميه. لكن مسؤولاً أمريكياً رفيعاً قال لي “يبدو كيري كالأحمق أمام الروس لأنه لا يملك ما يفاوض به.” وقد قال كيري لأوباما أنه ليس على الولايات المتحدة تبني تلك الهجمات، لكن الأسد سيعرف حتماً من أين أتت. وظل أوباما يقابل مطالب كيري بالرفض وبدا أن صبره قد نفذ، فعندما سلم كيري أوباما مؤخراً ملخصاً لخطوات جديدة من شأنها أن تزيد الضغط على الأسد قال أوباما “هه.. مقترح آخر؟”

 

هذا وقد أطلعني مسؤولون على أن نائب الرئيس جو بايدن أيضاً ضاق ذرعاً بمطالب كيري للتحرك، حيث قال سراً لوزير الخارجية “جون.. أتذكر فيتنام؟ أتذكر كيف بدأ الأمر هناك؟”. وفي اجتماع لمجلس الأمن القومي عقد في البنتاغون في كانون الأول (ديسمبر)، أعلن أوباما أنه لن يقبل مقترحات من أحد سوى وزير الدفاع، وقد فهم المسؤولون في البنتاغون إعلان أوباما ذاك على أنه رد موجه لكيري.

 

وفي أحد الأيام في كانون الثاني (يناير) وفي مكتب كيري في وزارة الخارجية قلت له أنه من الواضح أنه ميال للتحرك أكثر من الرئيس، فاعترف بذلك قائلاً “أنا كذلك على الأرجح. لكن الكلمة الفصل في أمور كهذه تعود له. أعتقد أن علاقتنا تكافلية أو تناغمية أو ما شئت أن تسميها، وهي تعمل بشكل فعال جداً لأنني أضيف إليها انحيازاً نحو “فلنحاول عمل هذا، أو عمل ذاك، ولننهي المهمة””.

 

لقد ضايق حذر أوباما حيال سوريا أولئك في الإدارة الذين رأوا فرصاً عبر السنوات الأربع الماضية لترجيح المعركة ضد الأسد. وخال البعض أن قرار بوتين بالقتال لصالح الأسد سيدفع بأوباما ليكثف الجهود الأمريكية لمساعدة الثوار المناهضين للنظام. لكن موقف أوباما لم يتغير، منذ كتابة هذه المقالة على الأقل، ويعود بعض من ذلك إلى أنه يعتقد أنه ليس من واجبه منع روسيا من ارتكاب ما يراه خطأً فادحاً. “إنهم منهكون وينزفون” كما قال، “وقد انكمش اقتصادهم كثيراً لثلاث سنوات متتاليات.”

 

خلال الاجتماعات التي دارت مؤخراً لمجلس الأمن القومي، وصفت استراتيجية أوباما بـ “‘طريقة توم سوير”، حيث كانت وجهة نظره تنص على أنه إذا أراد بوتين أن يصرف موارد نظامه على عمل غير مجدٍ في سوريا، يجب أن تدعه الولايات المتحدة وشأنه. ولكن تبين في أواخر الشتاء أن روسيا تحرز تقدماً في حملتها لتثبيت حكم الأسد، وبدأ البيت الأبيض يبحث في كيفية تعميق دعمه للثوار، وذلك رغم بقاء الرئيس على عدم رغبته بانخراط أكبر. وفي خلال حديثي مع مسؤولين في الأمن القومي على مدى الشهرين الماضيين شعرت بتوجس عام من هجمة أخرى مثلاً -على نمط سان بيرناندينو- قد تدفع الولايات المتحدة على القيام بتحرك جديد ومباشر في سوريا. سيكون ذلك كابوساً بالنسبة لأوباما.

 

قال أوباما أنه لولا ما حصل في العراق وأفغانستان وليبيا لكان أكثر تقبلاً لبعض المخاطرة في سوريا: “الرئيس لا يتخذ قرارات في وجود فراغ. فهو حينها لا يبدأ من الصفر. وأي رئيس متأنٍ برأيي سيدرك أنه بعد عقد من الحروب ومع الالتزامات القائمة حتى اليوم التي تتطلب كميات كبيرة من الموارد والانتباه في أفغانستان، وما حصل في العراق، ومع الضغوطات الواقعة على جيشنا، أي رئيس رصين سيتردد في التعهد بالتزام جديد في نفس المنطقة من العالم التي تحمل بعضاً من الدينامية ذاتها ونفس احتمالات النتائج غير المرضية.”

 

فسألته إن كان مبالغاً في حذره وأجاب “لا. هل أعتقد أنني كنت سأفكر بأخذ المجازفة في محاولة إعادة تشكيل الوضع في سوريا فيما لو لم نغزُ العراق ولم نزل نرسل مليارات الدولارات وعدد من المدربين العسكريين والاستشاريين إلى أفغانستان؟ لست أدري.”

 

ما صدمني هو أن أوباما لم يُعِد تصنيف الحرب الأهلية في سوريا كخطر من الدرجة الأولى على أمن الولايات المتحدة حتى مع تحذيرات وزير خارجيته من انهيار فظيع في أوروبا بسبب سوريا. يقول نقاده أن تردده في الانضمام للمعركة في سوريا دليل على أنه ساذج، وأن قراره في عام 2013 بعدم إطلاق الصواريخ دليل على أنه مراوغ.

 

وهذا النقد يضايق الرئيس إذ يقول “لم يعد أحد يتذكر بن لادن. لا أحد يتكلم عن أوامري بإرسال ثلاثين ألف جندي إضافي لأفغانستان”. ويقول أن أزمة الخط الأحمر “هي نقطة الهرم المقلوب التي تنبع منها كل النظريات الأخرى.” وذات عصر في أواخر كانون الثاني (يناير) عندما هممت بمغادرة المكتب البيضاوي ذكرت لأوباما لحظة من مقابلة في 2012 عندما أخبرني أنه لن يسمح لإيران أن تحصل على أسلحة نووية وقلت “قلت “أنا رئيس الولايات المتحدة، ولا أراوغ.” فقال “نعم لا أفعل ذلك”

 

قبل أربع سنوات، وبعد تلك المقابلة بوقت وجيز، سألني وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت ايهود باراك إن كنت أعتقد أن وعد أوباما بعدم المراوغة هو مراوغة بحد ذاته، أجبته بانني أجد من الصعب تصور رئيس الولايات المتحدة يراوغ حول أمر بهذه الأهمية. لكن سؤال باراك ظل يطاردني، لذا سألت الرئيس وأنا واقف معه على مدخل المكتب “هل كانت خدعة؟” وأضفت أن البعض يعتقد الآن أنه كان سيهاجم إيران لمنعها من الحصول على سلاح نووي، فقال بحياد “غريب” ، فبدأت بسؤالي “هل…” ليقاطعني قائلاً “كنت سأفعل ذلك حقيقة إن بدؤوا باستخدامها” أي أنه كان سيهاجم المفاعيل النووية في إيران، وأضاف “أما السؤال الذي لا يمكن معرفة جوابه لأنه مرتبط بالظروف تماماً هو كيف نعرف إن حصلوا على القنبلة، وهذا ما ناقشته مع بيبي نتنياهو”. أراد نتنياهو من أوباما أن يمنع إيران من بناء قدرتها على صناعة القنبلة، وليس فقط من امتلاكها.

 

وقال الرئيس “كنت محقاً في تصديقك”، ثم وضح نقطة مهمة وقال “كان ذلك يندرج تحت المصلحة الأمريكية.”

تذكرت حينها ما قاله لي المسؤول السابق في الأمن القومي ديريك شوليت: “أوباما مقامر وليس مراوغاً.”

 

وقد راهن الرئيس بالكثير، ففي شهر أيار (مايو) الماضي وسط محاولته الحصول على موافقة الكونغرس على الصفقة الإيرانية قلت له أن الصفقة تشعرني بالتوتر، فكان رده منبئاً “بعد عشرين عاماً من الآن سأكون على قيد الحياة إن شاء الله. وإن حصلت إيران على سلاح نووي فسيكون ذلك بذمتي. أعتقد أنه يمكنني القول بأنني بالإضافة إلى مصلحتنا الأمنية العظيمة في هذا الشأن، يهمني إنجازها على الصعيد الشخصي.”

 

راهن أوباما، ويبدو أنه مستمر بالمراهنة، فيما يخص النظام السوري ومموليه الروس والإيرانيين على أن تكلفة تحرك الولايات المتحدة ستكون أعلى من تكلفة عدم تحركها. وهو متفائل كفاية ليتصالح مع الغموض الخطر المحيط بقراراته. ورغم أنه قال في خطاب قبوله لجائزة نوبل للسلام عام 2009 أن “عدم التحرك يمزق ضمائرنا ويمكنه أن يؤدي إلى تدخل لاحق أبهظ ثمناً.”، إلا أن الأصوات التي تدعو للتدخل الإنساني لا يبدو أنها تؤثر فيه، على الأقل ليس بالظاهر. وهو يعرف بلا شك أن سامانثا باور ستكتب في المستقبل منتقدة عدم رغبته بعمل المزيد لمنع المذبحة الدائرة في سوريا. (في الواقع ستنتقد سامانثا باور حتى نفسها مستقبلاً). ومع وصوله إلى نهاية رئاسته، يعتقد أوباما أنه أسدى دولته معروفاً كبيراً بإبقائها خارج الدوامة، وأعتقد أنه مؤمن بأن المؤرخين سيرون أنه كان حكيماً بقيامه بذلك.

 

يقول المسؤولون داخل الجناح الغربي أن أوباما كرئيس ورث أزمة مالية وحربين قائمتين من الرئيس السابق، وهو مصر على ترك المكان ” نظيفاً” لمن بعده. ولهذا السبب يأتي قتال داعش كأهم أولوية لبقية رئاسته، وهي مجموعة يعتبرها خطراً مباشراً ولكن غير وجودي على الولايات المتحدة. وقتل من يدعى بخليفة الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي هو أهم هدف لجهاز الأمن القومي الأمريكي خلال سنة أوباما الأخيرة.

 

طبعاً كان لنظام الأسد يد في ولادة داعش، ولكن بحسب مقاييس أوباما الصارمة لا يزال حكم الأسد المستمر حتى اللحظة لا يرقى إلى مرتبة التحدي المباشر لأمن أمريكا القومي. وهذا ما يجعل نهج الرئيس مثار جدل الآن ولأعوام قادمة: المقياس الذي يستخدمه ليحدد ماذا بالضبط يشكل خطراً مباشراً.

 

لقد توصل أوباما إلى عدد من الاستنتاجات المرتبطة ببعضها عن العالم وعن دور أمريكا فيه، أولها أن الشرق الأوسط لم يعد ذي أهمية كبرى للمصالح الأمريكية، وثانيها أنه حتى وإن كان مهماً جداً لن يكون بإمكان رئيس أمريكي القيام بالكثير لجعله مكاناً أفضل، وثالثها أن الرغبة الأمريكية المتأصلة بإصلاح المشاكل التي تظهر بأبشع صورها في الشرق الأوسط تؤدي دوماً إلى الحروب وإلى موت جنود أمريكيين وإلى نزيف مصداقية ونفوذ الولايات المتحدة. رابعها أنه لا يمكن للعالم أن يتقبل تضاؤل نفوذ الولايات المتحدة.

 

وكما يرى عدة رؤساء دول حليفة للولايات المتحدة أن قيادة أوباما غير مؤهلة للمهام المطروحة أمامه، يرى هو أيضاً نواقص فيهم وبغيرهم من شركاء دوليين تعوزهم الرؤية والرغبة بإنفاق رأس المال السياسي سعياً وراء أهداف واسعة وتقدمية، وأعداء يرى أنهم ليسوا بعقلانيته. يؤمن أوباما أن أعداء أمريكا -وبعض ممن يعتقد أنهم أعداؤها- قد وقفوا على الجانب الخطأ من التاريخ حيث ما تزال القبلية والتعصب والطائفية والعسكرة مزدهرة. ولم يعوا أن التاريخ يميل للاتجاه الذي اتخذه هو.

 

“تقول مؤسسة السياسة الخارجية أن أوباما، بمنعه أمريكا من غمس نفسها في أزمات الشرق الأوسط، يسارع بانحدارنا” كما قال لي بِن رودز، “لكن الرئيس نفسه يتبنى الرأي المعاكس، وهو أن إجهاد أنفسنا في الشرق الأوسط سيؤذي اقتصادنا وقدرتنا على البحث عن فرص أخرى والتعامل مع تحديات أخرى، إضافة لما هو أهم من ذلك، سيعرض حياة جنود أمريكان للخطر لأسباب لا تمس مصلحة أمريكا في الأمن القومي بشكل مباشر.”

 

إن كنت تدعم الرئيس ستجد استراتيجيته منطقية جداً، تتلخص بمضاعفة الجهود المبذولة في المناطق التي تحمل فرصاً بالنجاح، والتقليل من تعريض أمريكا للبقية. إلا أن نقاده يعتقدون أن مشكلات كالتي يقدمها الشرق الأوسط لا تحل نفسها بنفسها، وأنها ستستشري بدون التدخل الأمريكي. وفي هذه اللحظة تشكل سوريا أكبر تحدٍ مباشر لرؤية الرئيس للعالم حيث يبدو التاريخ متجهاً نحو المزيد من الفوضى.

 

كان جورج بوش الابن مقامراً أيضاً وليس مراوغاً، وسيذكره التاريخ بقسوة لما فعل بالشرق الأوسط، بينما يراهن باراك أوباما أن التاريخ سيحكم عليه إيجابياً لما لم يفعل.

“السوري الجديد”

مشاركة