سورية… بين «فَشلِنا» و «هُزمنا»: عمر قدور

18

كان يمكن للعالم أن يكون أقل قباحة في التعاطي مع القضية السورية، هذا لم يحدث. وبقدر ما كانت مطالب التغيير، التي انطلقت مع موجة «الربيع العربي»، جذرية بقدر ما يبدو اليوم الاتفاق على استئصالها التام جذرياً أيضاً. انطلاقاً من سورية، يُراد للنهاية أن تكون ساحقة بكل ما تحمل الكلمة من قهر، والبدء بالإشارة إلى التواطؤ الدولي يضمر ذلك الإحساس المتنامي بأن طالبي التغيير أشبه بالمنبوذين من قبل القوى الخارجية التي عوّلوا عليها، والتي كان يُفترض أن تتضمن قوى اجتماعية مؤثرة لا الطبقة السياسية حصراً.

إذا أخذنا الهزيمة التي أوقعت بطالبي التغيير في سورية، لن يصعب ملاحظة ذلك النموذج الاستثنائي الذي كان منذ البداية ينص على استعداد مُوالي الأسد لتحمل خسارة كلية تسحق باقي السوريين، مقابل تحمل خسارات تسحقهم بدرجة أقل. هذا الاستعداد الانتحاري يغادر المفاهيم الوطنية كنتيجة فرعية لغياب أي تصور مجتمعي عقلاني، وأي تصور براغماتي بعيد النظر. القبول بالخضوع لسلطات احتلال، بدل القبول بتقاسم السلطة مع سوريين آخرين، كفيل بالتعبير عن عدمية النصر لا انعدامه فقط بالمعنى السياسي الكلاسيكي.

إدعاءات النصر في معسكر الأسد لها وظيفة التغطية على فحواه، واتخاذها طابعاً ثأرياً يدلل على خلوها من معنى إيجابي لقاعدتها الاجتماعية المفترضة. في المقابل، يمكن القول إن خطاب الهزيمة «وحده» قد يتولى التغطية على الفشل أو تمويهه، أو اعتباره شأناً ثانوياً بالقياس إلى مسببات خارجية لا يُشك بفاعليتها الشديدة.

تطابق النتيجة بين «هُزمنا» و «فشلنا» يساعد على حجب الفوارق بينهما، ومن المعتاد أن تكون الأولى أسهل تقبّلاً ولو حملت معها جلداً عمومياً للذات. فلجلد الذات وظائف متعددة، منها اعتبارها مستحقة مصيرها جرّاء ضعفها أو تخاذلها، ومنها ذلك التحفيز الثأري المرتبط بتشكيل المظلومية، وفي عموم الحالات يذهب إلى تحقيرها على نحو تبدو فيه محكومة بما كانت عليه.

ربما يلزمنا تنحية النتيجة المأساوية جانباً، تجنباً لنقاش لا طائل منه حول حتميتها ضمن موازين القوى المعروفة. وقد لا تخرج عن الإطار نفسه سرديات مبسَّطة، تجد ضالتها سريعاً في الأسباب والمقدمات، وتكشف عن نزوع تأريخي يدّعي الحيادية، بينما أصحاب الحدث بالمفهوم الكلي، وبمسؤولياتهم الصريحة عنه، لم يدخلوا حيز التاريخ بعدُ بوصفه وبوصفهم ماضياً.

الوقفة أمام «فشلنا» تبدو مطلوبة من أولئك الذين ساروا في أسوأ الخيارات المتاحة لديهم، مثلما هي مطلوبة من الذين استطاعوا فعل أفضل المتاح، فالحصيلة الكلية للطرفين وما بينهما هي واحدة. فضلاً عن ذلك، سيحضر مرة أخرى التساؤل عما جعل الخيارات الأفضل مع أصحابها في موقع هامشي؟ وعما جعل الخيارات الأسوأ تتقدم وتمتلك قوة مضاعفة، داخلياً وخارجياً؟

لقد خضنا صراعاً مركّباً ومعقّداً بآليات بسيطة أو ساذجة أحياناً، ولم يخلُ الأمر من أفكار وكتابات تبسيطية محايثة. هذا بدأ على الأقل منذ الاستسلام تباعاً، ومن ثم كلياً، لآليات الصراع الخارجي الذي كان في صلبه عدم تطوير آليات دفاع ذاتية، وعدم تطوير آليات تفكير مشتركة بين سوريي الثورة أنفسهم. قبلها كان لتضعضع تنظيم الأسد على كافة المستويات أن يمنح أملاً قريباً، وأن يعزز كسلاً فكرياً ما دامت العدة الموجودة أعلى وأرجح في أية مقارنة مع الأسديين الصريحين أو المواربين. لندع هنا ما سيُقال لاحقاً، خاصة بعد التدخل الروسي لإنقاذ الأسد، عن مكر الأخير، وعن استدراجه الثورة إلى ملعبه، هذه مزايا يسهل إلصاقها بالمنتصر في كل زمان ومكان.

مثلما كان ممكناً للعالم أن يكون أقل قباحة في التعاطي مع القضية السورية كان ممكناً لأصحاب القضية أنفسهم العمل على فشل أقل فداحة، لكن مع كل ما في هذا الواقع من مرارة ثمة حافز لمراجعة أسباب الفشل واستدراكه، يتجلى في طبيعة الهزيمة وطبيعة النصر من الجهة الأخرى، إذ قلّما نكون أمام فئة منتصرة تذهب حثيثاً لتكون خارجية بالنسبة لمجتمعها. نحن لسنا على موعد مع صعود قوى مجتمعية أو انتصارها على حساب قوى مجتمعية أخرى، ولسنا على موعد مع صعود طبقة جديدة لأن فئة لصوص الحرب أحط على جميع المستويات من مفهوم الطبقة، ولسنا بالتأكيد مع صعود تيار أيديولوجي (أو حتى توتاليتاري) ليغطي كل ما سبق بشبهة المعنى.

الخارج المشرِف على تدبير الوضع الحالي هو أيضاً في حال من الرثاثة، يكشف عنها التراجع الفظيع في السلّم القيمي، والتصالح مع التراجع أو اعتباره تكفيراً عن خطأ النزعة العالمية. بهذا المعنى، لا يحمل الخارج حالياً حتى إدّعاءات التنوير والتقدم الكولونياليتين، وأقصى ما يفصح عنه من تطلعات هو فك الاشتباك العالمي الحديث الذي بدأ مع المرحلة الكولونيالية وتسارع بعد الحرب العالمية الثانية. وبقدر ما تثير النزعة الانعزالية عوامل اليأس خارج المركز الغربي فهي من جهة أخرى عرضة للشكوك في ما يخص استمرارها، لأن فرضية استمرارها تعني هزيمة قوى غربية كبرى، وهذه قوى راسخة بالمعنى المجتمعي وإن آلت إلى حال من التراجع بسبب عجزها عن خلق ديناميكيات وأطروحات جديدة.

القوى المنتصرة الآن، سورياً وإقليمياً وعالمياً، تجمعها الرثاثة الأخلاقية والفكرية، ولا أفق لديها لتكون سوى ما هي عليه، وما يميز حصتنا السورية انحدارها إلى مستوى العصابة، أي ما دون مستوى المافيا السابق. ذلك يزيد من وقع الفشل والهزيمة معاً، إلا أنه يجعلها دائماً في موقع الفشل الذي يعتاش على فشل أكبر، والمشكلة أن واحداً من المظاهر المجرّبة لفشلنا هو الشروع في عملية تأخذ طابع التمرين الذهني المديد، وتتوالد بذاتها بلا أثر واقعي ملموس.

لا يدخل في الرطانة الخطابية القول إننا لسنا في نهاية التاريخ، ولا نحن في مستهل مرحلة جديدة منه بقدر ما نحن إزاء قوى تقاوم التغيير. هذا الفهم يتضمن العبور بمرحلة من عدم الاستقرار، أو الاضطرابات بما فيها التي لا تأخذ طابعاً منظماً، لغاية الوصول إلى تسوية مجتمعية تملك مقومات الاستمرار. القوى التي تملك أرجحية أخلاقية وفكرية لم تفقد فرصة المنافسة في هذا الصراع، إذا امتلكت ديناميكية الإجابة عن سؤال فشلها الراهن.

مشاركة