سلام الشرق الأوسط.. والخطة «ب» مؤقتاً

24

ستيوارت. إي. آيزنستات* ودنيس روس**

لزمن طويل، عملنا من أجل تعزيز السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مؤمنين بأن الحل الوحيد الواقعي للنزاع القائم بينهما، هو حل دولتين لشعبين. لكن لسوء الحظ، فإن احتمال تحقيق هذا الهدف لم يكن في أي وقت أقل مما هو عليه حالياً. ولذلك فنحن نعتقد أن الوقت قد حان لصياغة خطة «ب» أو خطة بديلة لسلام الشرق الأوسط، وهي خطة قد يتوسط الرئيس القادم دونالد ترامب من أجل وضعها موضع التنفيذ.
المفارقة هنا تتمثل في أن قرار مجلس الأمن الدولي، غير المدروس جيداً، والذي أدان فيه المجلس النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، قد جعل من الخطة «ب» هذه أكثر ضرورة من ذي قبل. فمن خلال نصه على أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية تمثل «انتهاكاً صارخاً لمواد القانون الدولي»، قوض هذا القرار الصيغة الوحيدة التي كانت توجد أمامها فرصة للتوفيق بين احتياجات الإسرائيليين والفلسطينيين بشأن الحدود النهائية، وذلك من خلال الانخراط في عملية مقايضات إقليمية. وحتى من دون هذا القرار، الذي أفضى لنتائج عكس المتوخاة منه في الأصل، فإن الحقائق على الأرض، والفجوات السياسية والنفسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، تجعل من اتفاقية السلام القائمة على حل الدولتين، اتفاقية وهمية في الوقت الراهن. وفي الوقت ذاته، يمثل عدم القيام بشيء، وصفةً للانجراف نحو حل قائم على دولة واحدة، وهي حقيقة تعني، بسبب حقائق الديموغرافيا، أن إسرائيل سوف تتحول بمرور الوقت إلى دولة ثنائية القومية، وليس دولة ديمقراطية ذات أغلبية يهودية، كما تصف وضعها الحالي.والخطة «ب» التي نقترحها، ستؤدي إلى تعزيز التعايش السلمي بين الشعبين، من خلال اتخاذ خطوات عملية، لاسترداد الثقة المفقودة بين الجانبين، وحماية الأمن الإسرائيلي، وجعل السكان الفلسطينيين أكثر رخاءً وأقل سخطاً، وبالتالي أقل ميلاً للعنف. ويمكن للخطة «ب»، إلى جانب ذلك، المساعدة في حل الإشكالية التي تواجهها إسرائيل، والناتجة عن كونها دولة تعتبر أعجوبة فائقة التقنية، مندمجة تماماً في الاقتصاد العالمي، لكنها أكثر عزلة في الآن ذاته من أي وقت سابق. وفي الوقت نفسه، يمكن لإسرائيل أن توفر للفلسطينين مجالاً أوسع للتنمية، وتقلل من الدوافع التي تجعلهم يلجؤون للعنف، وتعمل على حفظ التعاون الفعال في مجال مكافحة الإرهاب، بين القوات الأمنية الإسرائيلية والفلسطينية.البداية تكمن في رؤية جديد للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، تعترف- رسمياً- بأن ليس كل المستوطنات متماثلة، عندما يتعلق الأمر بالمحافظة على حل الدولتين، وأن المستوطنات ستظل تحت حماية القوات الإسرائيلية، وأنه لن يكون هناك انسحابات من جانب واحد مثل الانسحاب الكارثي من قطاع غزة، وأنه سيتم استكمال ثلاثة أقسام متبقية من الجدار الأمني، لم تستكمل بعد، للحيلولة دون تسلل الإرهابيين إلى الأراضي الإسرائيلية.
لتخفيض التوترات مع إسرائيل، يمكن للبناء أن يستمر من دون توقف داخل الكتل الاستيطانية الثلاث الكبرى، الواقعة بالقرب من الخط الأخضر الذي كان قائماً قبل حرب 1967، والتي يقيم فيها 8 من بين كل 10 مستوطنين، وذلك على مساحة من الأرض تقل عن 5 في المئة من مساحة الضفة الغربية، وهذه الكتل متوافقة مع محصلة حل الدولتين، وفي التسوية النهائية ستصبح جزءاً من إسرائيل، على أن تتم مقايضاتها بأراض داخل إسرائيل، تصبح جزءاً من الدولة الفلسطينية.
لكن التوسع الاستيطاني بموجب الخطة، سيتوقف في المناطق الواقعة خارج الكتل الاستيطانية المذكورة، والتي يمكن في نهاية المطاف أن تصبح دولة فلسطينية منزوعة السلاح. ولن يتم بموجب الخطة تقنين وضع أي بؤر استيطانية أو مراكز استطلاع متقدمة- الاثنان يعتبران مخالفين للقانون بموجب القانون الإسرائيلي- بأثر رجعي، وسوف تتم مراعاة القواعد القانونية المنظمة لذلك بصرامة، لمنع البناء على الأراضي الفلسطينية الخاصة، والمحافظة على خيار دولة فلسطينية متصلة ببعضها.
وفي حين أن تنفيذ ذلك قد يكون أمراً صعباً بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو، خصوصاً إذا ما وضعنا في الاعتبار طبيعة ائتلافه الحالي الحاكم- إلا أن وزير دفاعه المتشدد «افيجدور ليبرمان» خرج مع ذلك، ليعلن تأييده للتوصل إلى تسوية مع إدارة الرئيس القادم دونالد ترامب، تسمح لإسرائيل بالبناء داخل الكتل الاستيطانية، وليس خارجها.
النقطة المركزية الأخرى في الخطة «ب»، هي تمكين الاقتصاد الفلسطيني من خلال تطوير قطاع خاص، من النوع الذي تميل إليه إدارة الرئيس ترامب، بدلاً من إرسال المزيد من المساعدات الأميركية للسلطة الفلسطينية. ويشار في هذا السياق، إلى أن اتفاق أوسلو المؤقت، قد قسم الضفة الغربية إلى ثلاثة أقسام: قسمان تعيش فيهما أغلبية من فلسطينيي الضفة، والبالغ عددهم في المجمل 2,7 مليون نسمة، ويخلوان تماماً من المستوطنات الإسرائيلية، والمنطقة الثالثة- وهي الأكبر- ويطلق عليها المنطقة (ج)، يحتفظ الإسرائيليون فيها بالسيطرة الكاملة (المنطقة ج تمثل 60 في المئة من أراضي الضفة، وتحتوي تقريباً على كل مواردها الطبيعية وأراضيها الزراعية).
ومفتاح تحقيق التقدم الاقتصادي للفلسطينيين، اليوم، يكمن في التطوير السكني، والاقتصادي، والزراعي، والصناعي، وهي جوانب تطوير غير مسموح بأي منها، من دون الحصول على إذن مسبق من السلطات الإسرائيلية، وهو إذن لا يمنح أبداً. فوصول الفلسطينيين إلى الأراضي، والماء والكهرباء، والخدمات التعليمية، والصحية، والمصرفية.. بل وحتى أجهزة الصراف الآلي، محدود للغاية، في حين يستفيد المستوطنون الإسرائيليون من كل هذه الخدمات، بل وتوجد لديهم شوارع وطرق خاصة بهم، غير مسموح للفلسطينيين باستخدامها.
وليس هناك ما يدعو للدهشة إذن من أنه في الوقت الذي ينمو في الاقتصاد الإسرائيلي بوتيرة صحية، نجد الاقتصاد الفلسطيني في حالة فوضى، وترتفع فيه نسبة البطالة.
يجب أن يكون هناك دعم إسرائيلي سياسي واسع النطاق، لاتخاذ خطوات ملموسة، لتحسين هذه الظروف القاسية التي يعاني منها الفلسطينيون، ومنها على سبيل المثال، زيادة عدد عمال اليومية الفلسطينيين الذين يعملون داخل إسرائيل، لزيادة التحويلات المالية التي يرسلها هؤلاء لعائلاتهم، والتي يمكن استثمارها في الضفة الغربية.
ومن هذه الخطوات أيضاً، توسيع نطاق منح تصاريح البناء، في المنطقة (ج)، مع زيادة فرص الحصول على الماء والكهرباء وغيرهما من الخدمات الأساسية للفلسطينيين، في مختلف مناطق الضفة الغربية لتحفيز النمو. كما يمكن أيضاً، في إطار تلك الخطوات، الربط بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية، من خلال نظام سويفت الذي يستخدم للتعاملات فيما بين البنوك.
يقدر البنك الدولي أن هذه الخطوات يمكن أن تضيف ما نسبته 35% من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني، وزيادة عدد الوظائف المتوافرة للفلسطينيين بنسبة مكافئة. وبالإضافة لذلك، فإن «المناطق الصناعية المؤهلة» المدعومة من قبل الولايات المتحدة، والتي تنتج منتجات تحتوي على مكوّن إسرائيلي نسبته 10% على الأقل، والتي تدخل الولايات المتحدة من دون خضوع للضرائب، والموجودة في مصر والأردن، يمكن أن تتأسس أيضاً في الضفة الغربية، لتعزيز التعاون العملي بين المشروعات الإسرائيلية والفلسطينية، وخلق فرص للتوظيف.
ما يلزم التأكيد عليه في هذا السياق أن الخطة (ب) ليست بديلاً عن الحل السياسي، وهي مصممة في الأساس، بغرض تغيير الظروف السائدة، بحيث تصبح المفاوضات التي قد تبدو غير عملية الآن، ممكنة بمرور الوقت، بالإضافة بالطبع لمساهمتها الفاعلة في تخفيف التوتر السائد بين الطرفين.
ومن خلال البدء بالخطة (ب)، يمكن للرئيس الأميركي المنتخب، أن يمهد الطريق فيما بعد للتوصل إلى صفقة نهائية، تبدو الآن بعيدة المنال.
*السفير الأميركي السابق لدى الاتحاد الأوروبي، ونائب وزير الخزانة في إدارة بيل كلينتون ومسؤول ملف الأبعاد الاقتصادية لسلام الشرق الأوسط
**مستشار في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى والمساعد الخاص لباراك أوباما (2009-2011)

“الاتحاد”

مشاركة