رياض الترك: ذاكرة الثورة السورية بقلم ألان كافال

290

ترجمة عبدالحميد الاتاسي

بعد خروج الرفيق العزيز رياض الترك من سوريا واستقراره في احدى ضواحي باريس. أجرت معه صحيفة ” اللوموند ” الفرنسية لقاء هاما ومطولا في مكان اقامته ونشرته بصيغة مقال على صفحاتها بتاريخ 19 / 10 / 2018 . 

وفيما يلي الترجمة العربية الكاملة للمقال 

 رياض الترك: ذاكرة الثورة السورية

    بقلم  ألان كافال

  شيوعي حاربه حافظ الأسد, ومناضل عنيد ضد الديكتاتورية في عهد بشار , “ابن  العم” متمرد منذ شبابه كان قد أمضى أكثر من عشرين عاما في السجن. هذا المعارض السوري الشهير, استسلم في أواخر تموز 2018 , إلى خيار طريق المنفى إلى باريس. 

   الجسم منهك,  لكن العين بقيت  يقظة. رياض الترك 88 سنة, عشرون عاما قضاها في  السجون السورية, أقدم معارض سياسي في البلاد. ألقابه,” شيخ المعارضة “, أو أكثر مودة “ابن العم”, تشهد على ميله إلى البقاء سهل المنال و الوصول اليه , قريبا من الناس ,ومن الشارع  الذي انطلقت منه انتفاضة 2011. 

وهذا الهياج واللهيب الشعبي (الذي شهدته البلاد), كان هذا المناضل الشيوعي القديم قد تنبأ به حتى قبل مظاهرات تونس أو  القاهرة. وكان أكد في آذار 2005 : “أن  النار تضطرم تحت  الرماد“. وشرح واثقا من نفسه, لصحفيين أمريكان: ” أن هذا المجتمع  الصامت يريد الخلاص من  حكومته.” 

     والرجل, في أوساط المثقفين السوريين, هو صرح,  ضرب من ذاكرة حية لمعركة سياسية لا تقبل التنازل. و هو الأقل شهرة, بين السوريين الذين تظاهروا مطالبين بتغيير النظام, لكنه عرف كيف يحافظ على القرب و المشروعية لدى الشباب  الثوري, هذا الشباب الذي رفض فورا الوجوه التقليدية من المعارضة, التي انتقدت لترددها وعدم ثباتها, وميلها إلى التسويات أو لجهلها بالحقائق على الأرض. 

 متخفيا طيلة سنوات الحرب, امتلك  رياض الترك, الفعل أو الكلمة الفصل, والموافقة دوما على جسارة وتهور الجيل الجديد. و بقي أيضا في سوريا حتى النهاية, حتى الإخفاق. 

  “سوف أصفق لشبيبتنا “

  وعلى سؤال صديقه الصحفي علي الأتاسي الذي كان سأله عام 2012 ماذا سيكون أول شيء يفعله فيما إذا انتصرت الثورة, كان  جوابه: ” إذا بقي مكان  صغير على رصيف سوف أجلس فيه أشاهد وأصفق لشبيبتنا. وهذا سوف يكفيني.” 

وكان يقول أيضا أن المنفى سوف لن يكون له ( و يقصد خياره), و كان قدر له أن يموت منذ  زمن بعيد خلال تعرضه للتعذيب في عام 1959. والمدة التي عاشها منذ ذلك الحين ليست سوى ” فائض أو زيادة “. وكان قد نذر على نفسه عدم مغادرة سوريا. لكن الحرب, أو على الأقل احدى مراحلها الحاسمة, قد انتهت. واستسلم الرجل المسن إلى الرحيل, في أواخر تموز ( 2018).

   القرار كان صعبا, ومعقدا. تحملت شبكات سرية على عاتقها مسؤولية القيام بإنجازه. وغادر مخبأه في دمشق باتجاه الشمال, نحو جرابلس. ثم هبط نحو الجنوب حتى خرائب مدينة حماه, قبل أن يصعد عبر  الحقول المحروقة نحو ريف حلب.

 مسار ” لا عقلاني صاعد هابط ” عبر بلاد مهجوره, حتى الوصول إلى  مدينة ادلب والانتقال منها إلى تركيا. “ في هذه الرحلة الطويلة كان المدنيين معرضين للموت وللإغتيال, كما يقول. والذين ساعدوني قاموا بذلك مخاطرين بحياتهم. ولا أدري ان كنت أستحق ذلك.”  سوف لن يرى رياض الترك مرة أخرى مدينته حمص, التي ولد وكبر في دار الأيتام فيها, والتي أصبحت بين شباط 2012 و أيار  2014 , “عاصمة ” الثورة التي كان دعا  إليها بكل جوارحه.

نهاية  الرحلة

 رياض الترك, 88 سنة, شيخ المعارضة السورية , يصل إلى فرنسا بعد عشر سنوات من التخفي في بلده 

    بعد تركيا, تأتي فرنسا  كنهاية للرحلة. التي لم يكن أحد يعتقد بأنه يستطيع الخروج منها حيا. في شقة أنيقة تطل نوافذها على ضاحية هادئة في شمال باريس تحيط به و تطوقه ابنته  خزامى برعايتها. يجلس رياض الترك على طرف كنبة دون أن يفقد شيئا من حيويته.

   ويقول في الحوار معه :” إن النظام السوري لم يعد قائما”, مشيرا بنفس الوقت إلى أن حلفاء دمشق وكذلك أعداءها يعزون له النصر. ويوضح “إن كان المقصود بالنسبة للنظام السوري بشار الأسد, نعم هو موجود دوما, لكن  النظام كسلطة ديكتاتورية , مستندة على بنية دولاتية, وجيش ومؤسسات, فهو في حالة انهيار كامل.”

  تكتسي نظرات المعارض القديم بريقا وحيوية و يضيف: ” إن الجيش السوري قد تحول إلى تجميع من عصابات ومن لصوص. وما بقي اليوم من الدولة ليس سوى جهاز نظام آخر: هو نظام الاحتلال الذي أقامه الروس والإيرانيين بعد تدخلهم في سوريا.” ويسجل أن  سلطة آل الأسد, قد تحللت إلى مزق مافيوية واقعة  تحت وصاية أجنبية, و عدو حميم.

      ولد رياض الترك في نفس السنة التي ولد فيها حافظ الأسد – والد بشار – في منتصف حقبة الانتداب الفرنسي, عام 1930. وشهد عن قرب الصعود الذي لا يقاوم للأسد بعد إمساكه بالسلطة عام 1970. كما عرف أجهزة السلالة الحاكمة المستبدة في سوريا ومحركها الخفي: منظومة السجون (أو أقبية الحبس والاخفاء) الهادفة بطريقة حاذقة إلى تحطيم جزء من السكان من أجل جعل الجزء الآخر يعيش في الخوف, والصمت والخنوع. في هذا الجحيم تحت الأرض والذي التهم وبدد خلال ما يقارب الخمسين عاما من الديكتاتورية, حياة مئات الألوف من السوريين , ألقي  برياض الترك فيه , في احد أيام خريف عام 1980.

      وكان رياض الترك قد عرف السجن, كمناضل, في سن مبكرة, مرتين  تحت أنظمة حكم مختلفة. وأثناء دراسته في المرحلة الابتدائية والاعدادية في حمص, والحقوق في دمشق,  التحق بالحزب الشيوعي ( القريب من السوفييت, والمعادي لفرنسا فيشي , والمطالب بالاستقلال), الذي جذب آنذاك سوريين من جميع الطبقات والديانات, وأصبح رياض أحد الوجوه فيه.

 قيام الجمهورية العربية المتحدة التي وحدت مصر مع سوريا بين أعوام 1958 و 1961 , ترافق مع قمع شرس للشيوعيين, وتعرض رياض الترك خلالها لتعذيب وحشي طوال خمسة عشر شهرا.

هذه التجربة, بعيدا عن اضعافه, قوت من قناعاته وعناده. فلم يتحمل خضوع قيادة حركته لسلطة  حزب البعث,  القابض على السلطة ( منذ انقلاب 1963), والفارض نفسه  كحزب وحيد مصمم على امتصاص كل شكل من أشكال التنظيم السياسي. فيقوم رياض مع بعض الرفاق, بعملية  انقسام من أجل تكوين الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي حيث يشغل فيه منصب الأمين الأول. 

    مصمما على اسماع صوته, ينتقد التدخل العسكري السوري ,عام 1976, في لبنان الغارق في الحرب الأهلية, وانحياز دمشق إلى جانب الميليشيات  المسيحية التي أقسمت على تخليص بيروت من الفدائيين الفلسطينيين. 

     و تحت قبضة حافظ الأسد ممارسة النقد في سوريا ليس لها الحق لا في التعبير ولا في الوجود, والمعارضة الشيوعية فيها محجمة ومقموعة. والحزب ممنوع. ومع نهاية العشرية (السنوات العشر من حكم الأسد) يقود الإخوان المسلمين انتفاضة في شمال البلاد سرعان ما يتم قمعها في الدم. ويرفض رياض الترك ادانة العنف الإسلامي. و يسجن في 28 تشرين أول 1980. دون محاكمة ودون دعوى قضائية. وتعتقل زوجته الدكتورة أسماء الفيصل التي تمارس التطبيب كمهنة وتسجن ويطلق سراحها لاحقا بعد عدة سنوات. وهو سوف لن يرى النور قبل 30 أيار 1998.

الصراع ضد الجنون

البقاء على قيد الحياة في السجن السوري, هو صراع ضد الجنون. كما يروي في الفيلم الوثائقي ابن العم الذي كرسه له علي الأتاسي, بعد إطلاق سراحه بسنتين, ويضيف في السجن الانفرادي ” ينبغي قتل الوقت من اجل أن لا يقوم هو بقتلك “. وعلى السجين (المعارض) سلوك نظام انضباط ذهني – عقلي حديدي يسكب الشخصية على الضد مما هي عليه. ينبغي عليه ” نسيان العالم الخارجي“, والتخلي عن كل أمل في الخروج اليه. 

   و في حساء العدس الذي كان يقدم له كزاد – طعام – يومي كل يومين, كان يلتقط الحبات  السوداء من الحساء ويستعملها ليرسم بها على الأرض أشكالا هندسية على طريقة ماندالاس تسمح له بالانهماك برسمه ومقاومة  التفكير بأية أمور أخرى.

    في عام 2012, في فيلم وثائقي جديد لعلي الأتاسي تحت عنوان ابن العم أون لاين أنجز باستعمال سكايبي, يلاحظ المعارض القديم : ” في أيامي كان لحراس السجن الحق بفقدان أو القضاء  على نسبة 10 بالمائة من المساجين دون ان يكون الحراس ملزمين بتقديم أي شرح أو تبرير لذلك .” في الحرب التي شنها بشار الأسد في   2011, والتي اتصفت بالدموية و الجنون الاجرامي:” السجون, لم تعد أبدا سجون بل مسالخ! “

     بعد ثمانية عشر عاما,  أطلق سراح رياض الترك, أثناء زيارة رسمية لحافظ الأسد إلى  باريس. وكان سفراء فرنسا في دمشق قد اعتادوا, على التوالي , في كل مقابلة لهم مع الرئيس , الاستفسار عن وضع السجين. وبعد استرداد رياض حريته أباح لمراسل صحيفة اللوموند: ” أتكلم كطفل يبدأ باكتشاف العالم, والعالم  قد تغير لدرجة كبيرة …وما يدهشني هو صمت  المجتمع.” 

    تضطرب, ” مملكة الصمت ” (الوصف الذي كان أطلقه رياض الترك على سوريا), بعد وفاة عدوه, الذي لم  يتوقف رياض عن نعته علنا “بالديكتاتور “. وفي حزيران 2000, تضع أزمة قلبية نهاية لثلاثين عاما من حكم حافظ الأسد. ويعتقد رياض الترك الذي بقي حيا بعد وفاة جلاده: “أن حافظ ما زال يحكم من قبره. ويبقى المسبب الرئيسي لجرائم اليوم.” و يضيف أيضا بخصوصه ” الله وحده والمؤرخون سوف يكون بإمكانهم أن يحكموا “.

    وأثناء انتخاب بشار, الابن الثاني ( لحافظ الأسد), طبيب العيون المتكون في لندن, رئيسا (يصرح رياض الترك في مقابلة له مع صحيفة اللوموند :” سوف لن  أذهب للتصويت له“) , شخصية ذات مظهر مضحك (باهت). لا شيء يؤهله لاستلام السلطة. لكن بعد وفاة شقيقة الأكبر باسل, أصبح هو الخيار الثاني بالنسبة لمعسكر السلطة.

   و يقتضى الأمر, بسبب صغر سنه, تعديل الدستور بسرعة لكي يصعد و يتسلم مصير البلاد: كثيرون في الغرب أرادوا الاعتقاد أن هذا الطبيب ابن ال35 سنة, والمتزوج  من سورية – بريطانية متميزة, أسماء الأخرس, سوف ينفخ على سوريا رياح التجديد. ويدعو بشار المجتمع المدني السوري إلى التعبير عن نفسه. وها هو ” ربيع دمشق “. لكن رياض الترك ليس غر ولا مغفل.

الأنتليجنسيا السورية

   الارتعاش السياسي الذي استولى على الأنتيليجنسيا السورية ومجموعات المعارضة           حجب خطأ حقيقة التوريث العائلية للحكم. و لم يكن قد مضى سوى ثلاث سنوات على اطلاق سراح رياض الترك, حتى توجه له  تهمة ” المساس  بالدستور “, على أثر تصريح له في لقاء أذاعته  قناة الجزيرة في آب 2001, يتحسر فيه على غياب اصلاح حقيقي, ويجلد  ” نظاما  وراثيا “. فيعتقل وقد بلغ 71 عاما, ويعاد  مجددا في الشهر التالي إلى السجن, حتى نهاية عام 2002.

   و الإصلاحات التي وعد بها بشارالأسد, في السنوات اللاحقة, لم تأت سوى بخصخصة (تحويل إلى قطاع خاص ) بعض قطاعات الاقتصاد. ولم يستفيد من لبرلة النظام سوى شبكة رجال الأعمال المقربين من القصر الرئاسي. ويستمر صوت رياض الترك عاليا داخل معارضة مجسدا فيها شكلا من ثبات الموقف ومن شخصية ” أخلاقية ” مناقبية .

  في آذار 2011, تشتعل مدينة درعا, على أثر تعرض صبية يافعين للتعذيب لإرتكابهم ذنب كتابة ( خربشة ) شعارات معادية للنظام على جدران  مدرستهم . فتتحمس سوريا, ويسمع صدى الشعارات التي سرعان ما أخذت تدعو إلى اسقاط النظام. وفي مقابلة  مع صحيفة الحياة في 29 تموز 2011. يصرح المعارض القديم ,مفعما بالحماس, ومدركا أن جيله سوف لا يمكنه  قيادة الثورة: ” أن الثورات لا تصنع بالتصريحات والمقابلات التلفيزيونية, ولكنها تصنع بالفعل على أرض الواقع, وهذا الفعل له  اليوم, طعم وشكل وروح الشباب! “.

ويذهب رياض الترك إلى لقاء الشباب المتظاهر, ويكرر اللقاءات,  والخروج متخفيا نحو المناطق التي غادرها النظام حيث تتنظم فيها لجان محلية ثورية.” ويؤكد في مقابلة لصحيفة الحياة أنه “لا يرى أي سلبية في غياب القيادات السياسية بالمعنى التقليدي للكلمة عن هذه الثورة, لا يشكل مشكلة, وعلى العكس, هو ظاهرة جديدة وإيجابية تشترك فيها معظم الثورات العربية وتسجل لها على الصعيد  العالمي بعد أن كانت الثورات في الماضي ترتبط بزعامات كاريزمية, وتيارات أيديولوجية, أو حتى بانقلابات عسكرية.”

العنف يولد العنف

    مع ذلك, الحرب وشيكة تتحضر. وسقوط نظام بشار الأسد يبدو قريبا مثلما هو ضروري. وعملت السنين على جعل شعر ” ابن العم ” أبيضا و وجهه نحيلا, أما فكره و روحه فهي مع الشباب الذي يستشهد في الشوارع. وينتحب رياض لرؤيتة صور الغلام الصغير من درعا حمزة الخطيب مخصيا وممثلا بجسده  تجوب وسائل  التواصل الاجتماعي. وترعبه المذابح المرتكبة من قبل النظام وعملاؤه. و يحلل الأمر بأن العنف يولد العنف. 

   والحال ” لقد استخدم النظام ترسانة كاملة : من الآسلحة الثقيلة والأسلحة الخفيفة, والحرب  النفسية, وهدم المنازل , والاغتصاب ….., كما يقول في الفيلم الوثائقي ابن العم أون لاين, في عام  2012 . ومثلما كانت أحسنت القول أم كلثوم وهي تغني: إنما للصبر  حدود”.

    بعد ستة سنوات, فترة المنفى, في هذه الضاحية شمال باريس, هي أيضا فترة الشك. ”  في عام 2011 , حين كنت أعود إلى حمص, مدينتي التي ولدت فيها, لكي أشجع  الشعب على التظاهر, كنت من بين أؤلئك الذين كانوا يتحدثون عن الدفاع الذاتي  كعمل مشروع, كما يتذكر. لكن لم نكن نعلم إلى أين هذا الدفاع الذاتي سوف يقودنا. و يضيف, اليوم, أتساءل فيما إذا بدعوة الشعب إلى الرد على  عنف النظام , لم أكن غير مسؤول. ” 

    ثورة تغرق في العنف هي بحاجة إلى مقاتلين, و بالنسبة لثوريين  علمانيين أمثال رياض الترك, هامش المناورة في عام 2012, كان ضيقا: ” كنا أمام  مأزق معضلة – أمام  خيارين -. كان يلزم تحريك قوى الشارع, بما فيها الإسلاميين,  ووضعهم في 

مواجهة العنف الغريب للنظام, لمعاكسته, والتغلب عليه. بنفس الوقت, كان هناك خطر وضع  المبادئ الديمقراطية للثورة جانبا والخضوع كليا لرؤية الإسلاميين الضيقة.”

     تدويل النزاع

      لا يتذكر المنفي الجديد على وجه التحديد اللحظة التي جرى فيها الانقلاب, حين وضع الإسلاميون اليد على الصراع المسلح تحول إلى” طغيان /استبداد “. ” كنا في حالة من الاستعجال, وفكرنا أن دعوة الإسلاميين آنذاك لا تشكل بالضرورة  مشكلة. وكنت شخصيا من بين أكثر المتحمسين. ولقد أخطأت. علينا الآن الاعتراف بخطئنا, حين أهملنا (ضربنا صفحا ) عن  بعض الانتهاكات المرتكبة من قبل مجموعات إسلامية….”

   كما كان قد بدأ وانطلق آنفا التداخل أو التشابك حين اشتركت قوى خارجية في النزاع السوري. ” و لقد فاجأتنا , سرعة تدخل  الدول الأجنبية في هذه الثورة, ومدها التمرد بالسلاح خدمة  لمصالحها الخاصة, كما يتذكر رياض الترك. وهذا الدعم لم يكن هدفه مساعدة الثورة, ولكن بالأحرى خلق قوى داخل  سوريا تعمل لخدمة هذه الدول : تركيا , العربية السعودية, قطر, ودول أخرى  أيضا…..”  

   أسلمة الصراع المسلح, والتدخل الأجنبي حرفا مسار الثورة. وأخذت تتحول إلى حرب أهلية ضاعفها نزاع عالمي بالوكالة. والأمل الذي تولد مع انتفاضة الأشهر الأولى قد انطفأ. 

    و اعتبارا من عام 2013, لم يغادر رياض الترك دمشق أبدا, ” سجين”  في شقة سرية . ومنظمته , حزب الشعب الدديمقراطي السوري لديها سبل تواصل في معظم المقاطعات   السورية. ورغم عزلته, تصل الأخبار إلى الثوري, الذي يمتلك أيضا قنوات تواصل مع المعارضة في  الخارج.

  و بالنسبة  لرياض الترك حياة التخفي ( السرية ) هي رفيق قديم. يعرف التعايش معها, أحيانا على حساب زوجته  وبناته المنفيات في أوروبا وفي أمريكا الشمالية. ” منذ أن التحقت بالحزب الشيوعي السوري في سنوات 1950 , الحياة السرية أصبحت تقليدا. الناس من أبناء جيلي يعرفون أهمية السرية في مواجهة هكذا نظام. ان الثوريين الشباب لم يعرفونها و دفعوا ثمن  ذلك غاليا.”

   و يفلح رياض الترك في الإفلات من يقظة رجال المخابرات عبر شكل جديد من التخفي. في أحد الأيام, يدخل  رجال مسلحين من قوات النظام إلى مخبئه. ويكتشفون أشهر معارض في البلد يخرج من الحمام (الدوش ) ورغوة  الصابون ( شامبوان ) تغطي شعره, فلا يعرفونه, ويعتذرون على ازعاج الشيخ المسن ويغادرون.

    سلسلة من مدن ميتة

    و اذا تمكنت سلطة الأسد من المحافظة على وجودها في الوسط (المركز) في دمشق, لكن في الأماكن الأخرى تتفتت البلد تحت  القنابل. أقنية كاملة من شبكة رياض الترك تخمد أو تنطفىء. ” رفاقنا في حلب لجؤوا إلى تركيا, و رفاقنا في دير الزور أتوا ليقيموا في دمشق. والرفاق في درعا والسويداء تسربوا نحو الأردن ….” , كما يروي أيضا أن لائحة طويلة من أسماء قرى وقصبات, ومراكز محافظات أصبحت أيضا أسماء معارك, وتشكل اليوم سلسلة من  مدن ميتة.

    و تأخذ الشقة السرية بدورها أجواء قبر. ” كانت في حي شعبي على مرتفعات دمشق, كما يصفها. ومن خلال النوافذ كانت تشاهد الواجهات في الجهة الأخرى من الطريق, و أبعد من ذلك التلال. و مر خط الجبهة زمنا طويلا بالقرب منا, كما  يتذكر. وكنا نسمع على الدوام أصوات المعارك وقصف الطيران والمدافع“. 

    ويلحق بالمعارض المرض. وينخفض بصره. و يضعف تقدم السن جسمه الذي كان قد أهمل (أسيء له) من جراء حياة قضاها قياسا للظروف  التي كانت أقوى منه. وتوفيت زوجته , التي لم يراها منذ بداية الانتفاضة, في كندا عام  2017. و لكي لا يلفت انتباه جلاوزة النظام,  لم يقم بتنظيم مراسيم  العزاء التقليدية. وعاش  حزنه وحيدا في مدينة في حالة حرب. وهو الذي كان النضال, دوما  له الأولوية عنده , ينتهي بالإمتثال لرغبات بناته اللاجئات في الخارج. ويصمم على الرحيل.

    تبع ذلك شهر من التحضيرات المحمومة, قام بها أشباح. و توجب  مغادرة العاصمة, واجتياز خطوط الجبهة, والانتقال من تكسي جماعية إلى أوتوبيس صغير, وإلى عربات المهربين. حسب الخارطة المجزأة لسوريا وضمن المساحة الذي تتقاسمها ميليشيات, وطائرات مطاردة وجنود, و شبكات خارجة على القانون, جاهزة  ومستعدة  أيضا, للقيام باجتياز بلد في حالة حرب لمعارض تجاوز عمره الثمانية والثمانين.

      كما فرض النزاع على الأرض جغرافيا جديدة, طرق لا تتطابق اطلاقا مع المسارات أيام  السلم . البلد المعروف والمحبوب يتحول إلى خارطة مجعدة. و يكتشف المنزوي من دمشق لدى اجتيازه هذه الحقول من الخراب سوريا التي ليست اطلاقا تلك التي تخصه. أنقاض مدن, ميليشيات عراقية أو لبنانية , جنود روس , و تفرض حقيقة  سبع سنوات من الحرب نفسها كبديهة فيزيائية / طبيعية.

 ” من المعروف نظريا أن القوى الأجنبية كانت هنا, وأن  سوريا كانت محتلة, لكن رؤية هذا الواقع والانقسام بأم عينيه , هو شيء آخر, كما يروي رياض الترك. أنت سوري, لكن هذا البلد ليس لك (لا يخصك). أنت أجنبي في بلدك. أنت لا تساوي أكثر من طلقة رصاصة من بندقية. هذه هي قيمتك الحقيقية. وعلى طول هذه الطريق , أنت مهان.”

زمن النقد الذاتي 

   الحصيلة ( أو النتيجة الختامية) التي يعرضها المعارض القديم هي حصيلة اخفاق.  يرن كالوصية السياسية لإنسان سوف لن يرى وصول جهد حياته إلى غايته أو نهايته.

  ” لقد أخطأنا في الاعتقاد بأن سقوط النظام كان حتميا. وأضاف اعتقادنا في هذا المصير هو في أساس أخطاء الثورة. وينبغي الآن أن ينظم نقد ذاتي. جماعي. وعلني. بدونه,  سوف لا يمكننا الانتقال إلى مرحلة جديدة من النضال السياسي.”

   وعلى طول الطريق (التي سلكوها  من دمشق حتى الحدود التركية) , كان من العسير على رياض الترك أن يميز بين القوى المتناوبة إن كانت من قوات النظام الإضافية أم من  فصائل المعارضة. هم رجال مسلحين يقفون على الحواجز, والشعب المضطهد يريد العبور, متحملا وزر الابتزاز المالي من كلا الطرفين.

    ومن ثم كان الدخول إلى ادلب المحاصرة, منطقة النفوذ الأخيرة للثوار المتمردين, الملاصقة لتركيا والتي اصبح مصيرها  بين أيدي الرئيس الروسي بوتين و نظيره التركي رجب طيب أردوغان.

    وبمجرد اجتياز الحدود, أخذ سفير فرنسا في أنقره على عاتقه, تنظيم انتقال رياض الترك نحو فرنسا.” وفي لحظة اجتياز الحدود التركية, والخلاص من الأخطار وبتركي وراء ظهري هذا البلد الذي لم يعد ابدا خاصتي, سلوت في البداية.  ثم فارقني هذا الشعور. وما احسست به حينئذ تختصره قصيدة عربية.” كتبت أبياتها في القرن  العاشر, في بغداد, وأخذ المعارض ينشدها بصوت واضح, يرن صداه في السكون  الذي لف المكان ,و يقول الشريف الرضي فيها: 

ولقد مررت على ديارهم    وطلولها بيد البلى نهب /   

 ..فوقفت حتى ضج من لغب   نضوي ولج بعذلي الركب / 

وتلفتت عيني فمذ خفيت   عنها الطلول تلفت القلب….

 و تضيء وجه رياض الترك ابتسامة غريبة نقرؤ فيها كل آلام المنفى.

آلان كافال  19 / 10 / 2018 

ترجمة المهندس : عبد الحميد الأتاسي

مشاركة