رسالة سياسية : اللجنة المركزية لحزب الشعب الديمقراطي السوري

127

أولاً: الأوضاع السورية

   تتوالى تباعاً فصول التلاعب الدولي والإقليمي بمصير سوريا وشعبها خدمة لأجندات الدول المتصارعة، وتحقيقاً لمصالح قوى الاحتلال والأطراف المتدخلة في الشأن السوري، وكان فصلها الأخير العملية العسكرية التركية في شمال شرق البلاد، التي عكست بوضوح الصراع الدولي والإقليمي على سوريا، والامعان في استباحة أرضها، وجعلها ساحة لحروب تقاسم النفوذ وتصفية الحسابات على حساب السوريين ووطنهم ومستقبلهم، والضرب عرض الحائط بمصالحهم في السيادة والاستقلال والحرية وبناء دولة الحق والقانون والمواطنة المتساوية . 

1-الأوضاع في شمال غرب سوريا:  

    لقد ازدادت وتيرة القصف الممنهج وحرب الإبادة من قبل الاحتلال الروسي وميليشيات الأسد على معظم ارياف ادلب وحلب وحماه واللاذقية، وتصاعد هذا القصف بعد اجتماع فرقاء أستانا في 10/ 12/ 2019، حيث يستهدف المدنيون وترتكب المجازر المتنقلة بحقهم، وتُدَمَّر البنى التحتية من مشافي ومدارس وغيرها، ويقضى على مقومات الحياة عن سابق عمدٍ وإصرار، وقد تم تهجير مئات الألاف من السكان. إن الهدف المباشر للروس هو السيطرة على الطريق الدولية m4 وm3 وتأمينهما. لكن موسكو لم تلتزم بكل الاتفاقات التي أبرمتها مع تركية حول المنطقة، إذ مازال هدفها السيطرة على ادلب عبر سياسة القضم التدريجي، غير عابئة بالكارثة الإنسانية التي ستحل بالمنطقة، لأن هدفهم مطابق لهدف النظام هو إعادة السيطرة على كل الأراضي السورية حتى لو كانت مدمرة وخالية من السكان، يساعدهم في ذلك موقف المجتمع الدولي المتواطئ، وخاصة الموقف الأميركي الذي ربما لا يمانع بعودة هذا المنطقة إلى حضن النظام، واغراق الروس واستنزافهم في الاعمال القذرة التي تعري مواقف موسكو وتحط من مكانتها السياسية والأخلاقية. كما يستخدم الروس ادلب الآن كرسائل نارية دموية للضغط على الأتراك في مناطق شرق الفرات. 
2-التدخل العسكري التركي في الشمال الشرقي من سوريا: 

 بعد تفاهمات أميركية روسية، وانسحاب القوات العسكرية الأميركية من المناطق الحدودية شمال سوريا افساحاً للطريق أمام القوات التركية. أعطى ترامب الضور الأخضر لأردوغان بإطلاق حملته العسكرية (نبع السلام) في 9/10/2019. سيطرت القوات التركية و”الجيش الوطني” على مناطق بين تل أبيض وعين عيسى بطول 100كم وعمق 32 كم، كانت تحت سيطرة ميليشيا PYD وتوابعها، وترك بقية المناطق للاحتلال الروسي والنظام كي يسيطرا عليها، وهذه كانت ضمن التفاهمات الروسية الأميركية، لكن ما أغضب الروس، عودة القوات الأميركية للتموضع في المناطق الشرقية الغنية بالنفط، والتي كانت موسكو تحلم بالسيطرة عليها. وقد أعلنت تركيا هدفين للعملية هما محاربة الإرهاب وتأمين حدودها وإقامة منطقة أمنه لعودة اللاجئين السوريين. لكن هذين الهدفين يخفيان مجموعة أخرى من الأهداف الأمنية والسياسية والاستراتيجية للدولة التركية أهمها:

1-تهيئة بيئة ديموغرافية صديقة لتركيا في الشمال السوري؛ وحاجز جغرافي بينها وبين ميليشيات pyd  

2-زيادة حصتها من الكعكة السورية من أجل زيادة نفوذها وتأثيرها في الصراع داخل سورية، وتكبير دورها في الحل السياسي. 

3-القضاء نهائيًا على مشروع كانتون الميليشيا الـكردية (pyd) في الشمال السوري. وإضعافها كورقة ضاغطة بيد خصوم تركيا، وحل إحدى قضايا الخلاف الرئيسة مع الأميركان.

4-تحسين شعبية أردوغان المتراجعة ودعم وضعه السياسي في الداخل التركي أمام خصومه السياسيين، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية وما يعانيه حزب العدالة والتنمية من انشقاقات وإرهاصات تكوين أحزاب جديدة.
  أما هدف الأميركان من ذلك، هو المزيد من خلط الأوراق في المنطقة، وإبقاء اللعبة مفتوحة، كي تمنع انقرة من تحقيق هدفها بالمنطقة الآمنة كما تريدها (444 كم طولاً وعمق 32 كم)، واغراق جميع الأطراف بصراعات جانبية من أجل استنزافها، وتستمر هي في إمساك عصا المايسترو وتبقى كلمتها هي العليا. وهناك هدف أميركي آخر تجاه تركيا، فعدا عن اغراقها في المستنقع السوري والعقوبات الاقتصادية التي تنوي فرضها عليها، هو إضعاف شعبية أردوغان لإسقاطه في الانتخابات القادمة بعد أن فشلت في أسقاطه عبر الانقلاب العسكري. كما يؤشر التوجه الأميركي الجديد بإعادة تموضع قواتها في المنطقة الشرقية حول حقول النفط والغاز، إلى مواصلتها فرض الحصار والعقوبات على نظام الأسد وحرمانه هو والروس من عوائدها المالية؛ بالإضافة إلى رفضها تمرير الحل السياسي الروسي في سوريا. وهذا يجعل سعي الروس الحثيث وراء اجتماعات اللجنة الدستورية وكأنه بلا قيمة، كما يؤشر هذا إلا إلى عدم نضوج الحل السياسي الدولي للقضية السورية وطول أمد التوافق عليه. كما أن بقاءها في قاعدة التنف يؤشر إلى مواصلة إحكام حصارها على إيران وقطع الطريق على مشروعها الذي يربط مناطق نفوذها في المشرق العربي.
  كما يأتي في نفس السياق تمرير قانون سيزر في مجلسي النواب والشيوخ الأميركي لمحاسبة نظام الأسد وداعميه، وما يمكن أن يحمله من عقوبات صارمة. لا شك أن مضمونه مهم جداً، لكن مفاعيله لن تأتي بكبسة زر. حيث سيعمل على خنق نظام الأسد اقتصادياً وعسكرياً ومعاقبة أي جهة دولية أو إقليمية أو شركات وحتى أفراد تتعامل معه، كما سيلاحق نظام الأسد وميليشياته لتقديمهم إلى العدالة.
تأتي قيمة هذا القانون في سياق عربي تقوده الجامعة العربية لإعادة شرعية النظام وعودته إليها. كما يأتي في سياق وضع داخلي سوري متهتك ويتجه نحو مزيد من البؤس. ويبدو أن الأسد يدرك ما يخبئه الروس له، لذلك نراه يتمرد عليهم لصالح إيران العاجزة عن تقديم الدعم له. وهذا يؤكد عدم وجود حل أو نصر عسكري. الآن يجري استخدام القوة الناعمة لحسم الصراع وهناك عدد كبير من الجهات والشخصيات ستكون تحت رحمة هذا القانون، وسيساهم ذلك أكثر فأكثر في الدفع نحو البدائل.  

3-الوضع في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام: 

لم تنقطع خلال الأشهر الماضية التظاهرات الشعبية التي عمّت معظم مناطق محافظات ادلب ودرعا وريف دير الزور وريف حلب؛ وجميعها تؤكد تمسكها بأهداف الثورة واسقاط النظام، وتندد بجرائمه هو والاحتلال الروسي وتطالب برحيل ميليشيا الأسد وإيران. وكانت أبرز هذه المظاهرات في إدلب ضد قرارات مجلس الأمن واللجنة الدستورية وتطالب بإطلاق المعتقلين، وفي حوران تركزت المظاهرات في درعا والصنمين والحراك والغارية وغيرها، وقامت مظاهرات في مناطق الشدادي بالحسكة وطالبت بوقف جرائم “قسد” وميليشيات إيران. 

وانطلقت مؤخراً في 8/ 11 /2019 مظاهرات حاشدة في بنّش وكفروما وكفرنبّل ومعرّة النعمان تحت عنوان جمعة (ربيع سوريا سيزهر) رداً على جرائم “هيئة تحرير الشام “، مطالبة برحيل عصابة الجولاني من مناطقهم وحل حكومة الإنقاذ؛ وقد ساندتها مظاهرات اعزاز ومنبج وتل رفعت، وقد أكدت جميعها على استمرار الثورة حتى اسقاط النظام، داعيةً لعودة النشاط إلى لجان التنسيق وضرورة اضطلاعها بإدارة النشاطات الثورية وبذل الجهود لتوحيد الرؤية وبث روح جديدة لاستعادة بريق الثورة وأهدافها. وفي كفر تخاريم: عمّت شوارع المدينة مظاهرات تندد بهيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ التابعة لها، وطردَ المتظاهرون عناصر الجولاني من الحواجز والمقار العسكرية، كما طردوا لجان جمع الزكاة من مكاتبهم، وأحرقوا سجلاتها، بعد أن ضاق الاهالي ذرعاً بسبب تحكم ” حكومة الإنقاذ” بقطاع الخدمات وفرضها الرسوم والضرائب على ابنائها ونهبها لعائدات الزيتون تحت مسمى (زكاة الزيتون).يعيش أهالي هذه المناطق التي أطلق عليها منطقة خفض التصعيد الرابعة مأساة إنسانية غير مسبوقة، حيث يكتوي المدنيون يومياً بجرائم احتلالات الروس والإيرانيين والنظام، اّلتي تسعى حثيثاً لضرب سبل حياتهم وأجبارهم على النزوح، وزاد عدد المهجرين منها عن المليون.

أما في درعا: فمنذ أن سيطر النظام عليها في تموز ٢٠١٨، لم يتمكن من إخضاعها، فمازالت قواته تتعرض لمقاومة شعبية متنامية تستهدف أجهزته الأمنية وعملائه من رعاة المصالحات، وتتعرض حواجزه لهجمات متنقلة. وفي مواجهة هذا الفشل لجأ النظام بمساعدة الروس إلى إطلاق خلايا “داعشية” جديدة لاستباحة المدينة بهدف كسر شوكة المقاومة، تحت ستار “مقاومة داعش”. وهو ما وفر للنظام الغطاء اللازم لتنفيذ سلسلة اغتيالات تجاوز عددها ال٢٠٠ عملية وأكثر من ٢٠ عملية تفجير مفخخات وعبوات ناسفة، وقد صدرت بيانات مفبركة تؤكد مسؤولية داعش عنها. والجدير بالذكر أن عشرات من معتقلي تنظيم داعش قد أطلق سراحهم مؤخراً من قبل ضباط المخابرات الجوية والفرقة الرابعة اللذين كانوا على صلة وثيقة بإطلاقهم وتدريبهم.  

 وعلى الطريق ذاته تسير ميليشيات “قسد”، حيث اغتالت الكاهن “حنا ابراهيم” راعي كنيسة الأرمن الكاثوليك مع والده بريف ديرالزور الشرقي، وتدبير ثلاثة انفجارات هزت مدينة القامشلي قرب كنيسة الكلدان اسفرت عن مقتل وجرح عشرات المدنيين، ليصدر بعدها بيان لوكالة “أعماق” الداعشية يعلن تبني التنظيم للعملية، وكأن هدف الرسالة احداث ضجة اعلامية للرأي العام الداخلي والغربي عن ازدياد مخاطر داعش واستهدافها للمقدسات المسيحية.    

    4-حال النظام 

يعيش النظام حالة من الاهتراء والتمزق في صفوفه، وفي حواضنه السياسية والاجتماعية. وتتجه هذه الحالة إلى المزيد من التدهور في ظل حالةٍ من الإفلاس شبه الكامل. وتخبط النظام في إيجاد مخارج لأزماته المزمنة، يحدث في ظل الصراعات الدائرة بين مراكز القوى وزعماء الميليشيات المحسوبة عليه، وبالتزامن مع الضغوط المالية التي تمارسها كل من روسيا وإيران لاستعادة اموالهما المهدورة من أجل حمايته. كل هذه التطورات دفعت النظام إلى بيع ما تبقى من سيادة البلاد ومواردها للروس وملالي طهران، والبحث عن مصادر مالية جديدة في جيوب مافياته من رجال المال والأعمال الذين كدّسوا ثروات خيالية من نهب المال العام وسرقة موارد الدولة والسوق السوداء وتبييض الأموال في مختلف المجالات والقطاعات المالية والاقتصادية.

وتظهر بين الحين والآخر صراعات ومواجهات عسكرية، بين ميليشياته، وخاصة ما شهدته مدن الساحل خلال شهر تشرين أول المنصرم من حوادث وإجراءات أمنية مشددة لملاحقة بعض “الشبيحة” من آل “الأسد” والمقربين منهم تحت عنوان محاربة الفساد وتعقب الخارجين عن القانون، وخاصة العاملين منهم بالتهريب والسوق السوداء وتصريف العملات. فقد تم اعتقال اصحاب المستودعات الضخمة ومراكز لبيع السيارات والألبسة المستوردة ومصادرتها والذي امتد نفوذهم الى القطاع العام ومنع النظام من تحصيل فواتير الماء والكهرباء في اللاذقية، ومنع دخول موظفي التموين والجمارك إليها، وقد أدت هذه المواجهات إلى قتلى من المقربين من آل الأسد. 

كما تشهد المدن الساحلية تنامياً مخيفاً في معدلات الجريمة، كالقتل والسطو المسلح والسرقة والدهس وسرقة السيارات. ومثل هذه الفلتان الأمني يحدث في أغلب المدن السورية. وهنالك شبكات إجرامية تتاجر بالأعضاء البشرية، والشبهات تدور حول “جمعية البستان” التابعة لرامي مخلوف، حيث تقوم بسرقة أعضاء المرضى والجرحى الذين تعالجهم، وتبيعها إلى إيران عبر شراكة مباشرة مع “حزب الله”، حيث تم توثيق حالات عديدة في ذلك. كما توجد شبكات أخرى تتعامل مع ضباط روس، عبر مشفى تشرين العسكري حيث تنقل الأعضاء البشرية بشكل مباشر باتجاه قاعدة “حميميم من أجل نقل إلى موسكو.
و ألقيت مؤخراً، في عدد من احياء دمشق مناشير تندد بالنظام وطائفيته وجرائمه، وتطالب بإطلاق سراح المعتقلين (كلن يعني كلن) وشعارات (لا للطائفية، ذبحتونا …). وفي ريف دمشق ظهرة كتابات على الجدران في زاكية والغوطة الشرقية ودوما وكناكر ولقد تم فيها مهاجمة بعض الحواجز العسكرية. هذا يؤشر إلى بداية مقاومة شعبية وإلى أن بذور الثورة ما زالت كامنة في نفوس وعقول السوريين. كما تتصاعد بشكل كبير حالة التململ والغضب في أوسط الموالين للنظام. 

   أم اعلى الصعيد المالي والاقتصادي فقد فشلت محاولات النظام في إنجاح ما سمي “صندوق رجال الأعمال”، الذي اجبر الأسد أزلامه على تأسيسه. تمكن النظام من جمع مليار دولار إلا أنه لم يستمر بسبب الشروط التعجيزية التي فرضها عليهم، والخسائر الكبيرة التي تكبدها هؤلاء جراء دعم الصندوق، ولفشله ً في كبح انهيار الليرة، وانتهى الأمر إلى تجميد المشروع. كما لم تفلح مؤتمرات “فواز الأخرس” الثلاث وكان آخرها في دمشق في أوائل شباط ٢٠١٩ تحت شعار “البرنامج الوطني والتنموي في سوريا”، لم تأتِ بنتائج تذكر فيما يتعلق تشجيع الاستثمارات وتقديم الضمانات للمستثمرين، وانتهيت بالفشل بسبب الحقائق الكارثية التي آل إليها الاقتصاد السوري على يد النظام واعوانه.

 وعلى الصعيد النفطي: طردت القوات الأمريكية كافة المستثمرين المتعاقدين مع “قسد” لبيع النفط للنظام عبر شركة “القاطرجي”، بعد أن فرضت سيطرتها على آبار النفط في المنطقة ووضعتها تحت حراسة مشددة محذرة الجميع من مغبة تهريب النفط إلى النظام. كما توقفت حركة نقل البضائع في معبر “الشحيل” بين ضفتي الفرات والذي عبره ينقل النفط لمناطق النظام. كما خسر النظام أكثر من 100 ألف دولار يومياً بسبب تراجع التبادل التجاري بين ضفتي الفرات.  كما أطبق الروس سيطرتهم على معظم المرافئ السورية وعلى حقول الفوسفات وبعد أن بدأوا التخطيط لتحويل هذه المواقع إلى مشاريع إنتاجية لخدمة مصالحهم. وقد قاموا بتسريح ٤٠٠٠ عامل في مرفأ طرطوس باعتبارهم “بطالة مقنّعة”، ويقدمون خدمات مخابراتية للنظام، وكذلك قاموا بتسريح ١٢٠٠ عامل في الفوسفات. وقد أُجبر من تبقى من العاملين على توقيع عقود عمل جديدة غير معروفة المدة ولا الراتب وهو ما أثار ضجة بينهم، لكن شكواهم لم تحرك ساكناً لدى السلطة بعد أن أصبح الأسد عاجزاً عن التدخل. وقد وضع الروس مؤخراً يدهم على مطار القامشلي وتحويله إلى قاعدة روسية جديدة.

 5 -اللجنة الدستورية:

 لم يعد خافياً، أن قرار تشكيل اللجنة الدستورية هو قرار روسي تم تمريره عبر الأمم المتحدة. وبصرف النظر عن المشكلات الجوهرية التي تنطوي على عملية تشكيلها وتركيبتها وأهلية أعضائها لإنجاز المهمة المطلوبة منهم، ومسألة شرعية تمثيلهم، فان مباركة الأمم المتحدة لهذه الخطوة يؤشر إلى إعادة خلط للأوراق بغرض الإطاحة ببيان جنيف لعام 2012، ونسف قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ذات الصلة وخاصة القرار 2254، الذي يؤكد بوضوح على تشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات تتولى إطلاق عملية سياسية يقع الدستور ضمن مندرجاتها. أما تجريدها من سياقها فهدفه حرف العملية السياسية عن مسارها والقفز على مسألة الانتقال السياسي خدمة لأجندة الروس الساعين لتأمين مصالحهم، وفرض رؤيتهم للحل السياسي الذي يحاولون عبره إعادة تأهيل وشرعنة النظام. إن التوجه الدولي بخصوص اللجنة الدستورية، سبق أن تم تجريبه على امتداد الأعوام الثلاثة المنصرمة في مساري جنيف وآستانة، ولكنه لم يفضِ إلى مفاوضات حقيقية بين الأطراف المعنية، وبالتالي فإن اللجنة الدستورية لن تكون أحسن حالاً. وهذا ما عكسه الأسد في مقابلة متلفزة حين قال: إن وفده في اللجنة الدستورية لا يمثل النظام، بل مدعوم فقط من (الحكومة السورية) ومن اجوائها! … وأنه لن يلتزم بنتائج عملها لأنها لا تعكس إرادته بل هي مجرد ترجمة لمساري أستانا وسوتشي اللذان أقراها. وهذا ينطبق على الموقف الإيراني منها. لقد أثار تصريحه عاصفة من النقد اللاذع لدى الاعلام الروسي، ولقد علق أحد كبار الدبلوماسيين بالقول: إن تصريحات الأسد لا قيمة لها. 

إن جوهر القضية السورية هو التغيير السياسي، والخلاص من نظام التوحش والاستبداد والفساد، وإقامة الدولة المدنية القائمة على المواطنة والقانون والمؤسسات. بدون ذلك لا يمكن الحديث عن نظام ديمقراطي ولا عن دستور ولا عن فصل سلطات.  وعندما تتفاهم الأطراف الدولية حقا، على صوغ الدستور سيكون هناك قرار حاسم بوقف القصف والقتال، واستعادة الاستقرار وتحقيق الانتقال السياسي، وتكون كل المعادلات قد تغيرت. والخلاصة أن الوقت لم يحن بعد لصوغ الدستور الجديد، وذلك لعدم توفر إرادة دولية لا سيما الأمريكية منها، وإلى حين توفر هذه الإرادة، فإن اجتماعات اللجنة ستعقد لتقطيع الوقت لا أكثر ولا أقل.    

6-الأوضاع الاقتصادية والمعاشية: 

  لقد هوت الليرة السورية بشكل متسارع، وتواصل انهيارها أمام العملات الأجنبية، وقد وصلت إلى حدود 1000ليرة سورية للدولار الأمريكي، على الرغم من كل الإجراءات التي اتخذها النظام لإنقاذها، وحملته الإعلامية التي شنها هو وحلفائه حول قدرته على احتواء الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد. وبعيداً عن الأسباب البنيوية والمزمنة للأزمة الاقتصادية وتداعيات الصراع على مدى السنوات الماضية، فإن التسارع الأخير في انخفاض قيمة الليرة السورية يعود إلى عوامل مستجدة أهمها: 

1-توقف الينك المركزي عن تمويل المستوردات بشكل كامل، وترك المستوردين، ليتدبروا أمورهم عبر شراء الدولار من السوق السوداء، بسعر يقترب من ضعف السعر الرسمي، 

2-تسبب اندلاع الثورة في لبنان إلى انخفاض حركة تنقل الشاحنات بين البلدين كما حُرِمَتْ مافيات النظام وازلامه من السحوبات البنكية التي كانت تمد النظام بالدولار. وكذلك حرم اندلاع الثورة في العراق النظام من المساعدات الضخمة التي كان يتلقاها من الحكومة العراقية. وكذلك توقف الدعم الإيراني بسبب العقوبات الأميركية عليها. 

3-كما أن إعادة تموضع القوات الأميركية ومرابطتها حول حقول النفط، وإصرارها على تفكيك شبكات بيع ونقل النفط للنظام، قد أدى إلى ارتفاع فاتورة النفط المستوردة بالدولار. 

4-العقوبات الأميركية والأوروبية. وتقاسم موارد سورية من نفط وفوسفات وموانئ ومطارات ومعابر وغيرها بين قوى الاحتلال المختلفة. 

5-إطلالات الأسد الاعلامية ورميه مسؤولية التدهور الاقتصادي والمعيشي على الإرهاب و “المؤامرة الكونية” واعترافه يعجزه عن تقديم أي شيء لتحسين الوضع المعيشي الذي كان له أصداء سلبية على الوضع الاقتصادي والنقدي والمعاشي على السوريين. 

وكان رئيس وزراء النظام، قد اعترف بأن خزينة النظام باتت شبه فارغة من العملة الأجنبية، وإن إيرادات النفط والسياحة صفر، وتوعد بمحاسبة الفاسدين، وذلك في تبرير لإجراءات شملت تجميد حسابات بعض التجار، والضغط عليهم لإيداع المبالغ المطلوبة منهم بالدولار، ودار الحديث عن جمع نحو 150 مليون دولار من أبرز رجال الأعمال المقربين من النظام مثل: آل مخلوف وحمشو وقاطرجي، وسامر الفوز وغيرهم كثر، وهذا ما أدى إلى إيقاف الحركة في سوق الأعمال بصورة مؤقتة. 

 انعكس تهاوي الليرة بشكل مباشر على أسعار جميع المنتجات والسلع في السوق، والتي باتت تتغير يومياً، تبعا لتغيّر سعر الصرف. في هذا الجو يسود نوع من الشلل العام لحركة الأسواق، ويعاني التجار وأصحاب المحال التجارية من حالة الجمود في الأسواق بسبب الغلاء الجنوني المصحوب بفوضى التسعير، وانخفاض القدرة الشرائية لدى أكثرية المواطنين واقتصارهم على تأمين الضروريات الملحة. إن متوسط الرواتب لا يتجاوز 40 ألف ليرة أي 57 دولار بسعر صرف 700 ليرة للدولار، بينما أصبح المواطن بحاجة إلى 200 ألف ليرة كي يؤمن احتياجاته الأساسية. وبذلك أصبح 83% من السوريين تحت خط الفقر. 

وانعكس انخفاض قيمة الليرة بصورة على المواد الأساسية. فبعد أزمات المحروقات والخبز والحليب. ارتفعت الأسعار بين 25 و40 % على كافة السلع والأدوية والخضار والفواكه والدخان واللحوم والدواجن وقد انخفض استهلاك اللحوم بنسية 50% لارتفاع أسعارها. ويعجز السوريون الآن عن تلبية الحد الأدنى من مستلزمات عيشهم في ظل بطالة تصل نسبتها إلى 50%. وهنالك تخوف كبير من هبوط قيمة الليرة بشكل متسارع، ومؤشرات الواقع المعيشي باتت خارج قدرة السوريين على التحمل أكثر من ذلك، وهذا ما ينذر بتداعيات مأساوية إن لم نقل كارثية، في ظل إصرار النظام على تدمير حياة السوريين، ورهن بلادهم لقوى الاحتلال كي يستمر في السلطة. 

7- المواقف الدولية من القضية السورية 

    يبدو أن كلما ضاقت السبل أمام ترامب في الداخل الأميركي واشتدت المعركة السياسية ضده، يلجأ إلى تغريداته حول سحب القوات العسكرية الأميركية من سورية، ومن ثم يتراجع عنها تحت ضغط أركان إدارته. يعطي هذا الأمر انطباعاً بأن استراتيجية الولايات المتحدة تجاه الصراع في سورية تتسم بالغموض وعدم فعاليتها على مجريات القضية السورية. إن هاجس أميركا منذ بداية الثورة هو أمن إسرائيل، وليس وقوفها إلى جانب حقوق السوريين في الحرية والكرامة. لذلك فقد اكتفت بإدارة الصراع وعملت على تطويل أمده، والإمساك بخيوطه واستنزاف جميع المتدخلين الآخرين.  فغضت الطرف عن التدخلات الإقليمية والدولية في سوريا. وبعد أن آتت هذه الاستراتيجية أُكلها بخراب سوريا دولة ومجتمعاً، بات المطلوب منها تحجيم الأدوار الإقليمية وفي مقدمتها الدور الإيراني، الذي قام بما كانت ترغبه هي وإسرائيل في سورية، وبعد ان أصبح يشكل خطراً على أمن إسرائيل.
    في الواقع لا تزال الولايات المتحدة الأميركية المتحكم الرئيسي في الملف السوري. فهي تدير خيوط اللعبة وتوزيع الأدوار والحصص على القوى الفاعلة فيه، وكان أخرها في شمال شرق سورية عندما توافقت مع الروس والأتراك على الانسحاب من الشمال السوري، لكنها عادت لتُمَوْضِع قواتها في الشرق حول آبار النفط والغاز.  فتركت أميركا أطراف استانا يتقاتلون على التركة بعد تهميش دور أوروبا والعرب فيها.  

لقد أصبح شركاء استانة في مواجهة بعضهم، يتنافسون ويتسابقون على الحصة الأكبر من الغنيمة، والسباق إلى منبج وعين العرب مثالان على ذلك. السؤال الآن هو كيف سيحل شركاء أستانا تناقضاتهم، هل يدخلون في صراع عسكري دموي يدفع السوريون ثمنه، أم سيتفاهمون على اقتسام غنائم حربهم؟ يرجّح أن يلجأ الروس إلى الخيار الثاني، على الرغم من أن الرئيس بوتين لم يُخف يوما رغبته في إخراج الجميع من سورية، والاستئثار بها كلها.
  لقد حقق التدخل العسكري الروسي في سورية منذ أيلول 2015هدفه المباشر في الحفاظ على نظام الأسد ومنع انهياره، وتعمل موسكو الآن بكل قوتها على إعادة شرعيته العربية والدولية. كما وفر لها هذا الاحتلال مسرحاً لعرض أسلحتها وممارسة قدراتها العسكرية، وأعطى موسكو الفرصة لإظهار نفسها كشريك إلى جانب الولايات المتحدة في إدارة الأزمات العالمية. كما أن روسيا تعمل على تعزيز دورها ليس على الساحة السورية فحسب، بل في منطقة الشرق الأوسط كمركز قوى منافس للولايات المتحدة. ونتيجة سياسة الولايات المتحدة الابتزازية تجاه حلفائها، تحسنت صورة موسكو الإقليمية بشكل ملحوظ ووقعت صفقات أسلحة وعقود اقتصادية مع عدد من دول المنطقة، واتفقت مع السعودية على خفض إنتاج النفط وبالتالي زيادة نفوذها في أسواق الطاقة العالمية، ويساعدها في ذلك احتلالها للساحل السوري، وإقامة قواعدها الجوية والبحرية عليه، حيث ضمن لها نقل الطاقة إلى البحر المتوسط.
  لقد بنى الروس استراتيجيتهم السورية على أنهاء الصراع الداخلي بإخضاع الشعب السوري عبر القتل والمجازر وتدمير مقومات الحياة والتهجير، ومن ثم العمل على حل سياسي يلبي مصالحها عبر إعادة تأهيل الأسد ونظامه. ومع ذلك لم تستطيع موسكو إلى الآن أن تترجم نجاحها العسكري لصالح نظام الأسد إلى عملية سياسية تنهي الصراع، وذلك لتمسكها بمسار أستانا وسوتشي بديلاً عن مسار جنيف وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن التي هي وافقت عليها. فما زال المجتمع الدولي يرفض القبول والاعتراف بالأسد لثقل ملفه الإجرامي، كما أن موسكو لم تتمكن من اتخاذ التدابير اللازمة لتعزيز العودة الطوعية والأمنة والكريمة للاجئين. وتفتقر موسكو وحدها إلى القوة الاقتصادية لإعادة بناء سوريا. وبالتالي فإن ضعف قدرتها على المساهمة بإعادة الإعمار وعودة اللاجئين، بالإضافة إلى فشلها في تقديم حل سياسي مقبول من المجتمع الدولي سوف يحرمها من الاعتراف الدولي الذي تسعى إليه لتعزيز مكاسبها في سوريا.
                                                        ثانياً: الأوضاع الإقليمية     

طغت على أخبار الوضع الإقليمي أحداث الموجة الثانية من الربيع العربي، التي حولت خريف هذا العام إلى ربيعٍ سياسيٍ صاخبٍ بإرهاصاته الثورية. انتصرت الثورة في السودان وصار حكم البشير في ذمة التاريخ، وأرغم الشعب الجزائري الرئيس بوتفليقة على الاستقالة، وهو يواصل ثورته بإصرار وصمود منذ شباط 2019 لتحقيق كامل اهدافه. ومن ثم اندلعت انتفاضتان شعبيتان عارمتان في كلٍ من العراق ولبنان على نظام النهب والفساد والمحاصصة الطائفية. فالربيع العربي الذي انطلقت موجته الثورية الأولى قبل حوالي تسع سنوات في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا لم يكن لحظةً عابرة نشأت من مؤامرة كونية كبرى أو تدخل خارجي أو نشاط إرهابي كما ادَّعت وتدَّعي الأنظمة وقوى الثورة المضادة؛ إنما هو مرحلةٌ تاريخية تتراكم أسبابها الداخلية والموضوعية في كل المجتمعات العربية منذ عقود، قد خلفتها أنظمة التسلط والاستبداد والنهب والطائفية والإقطاع السياسي. ومن طبيعة الأمور أن نرى هذا الربيع في موجاته الأولى والثانية بأشكال وأنماط وصيرورات ثورية مختلفة نظراً لاختلاف الشروط الموضوعية والذاتية بين دولة عربية وأخرى.

1-الوضع اللبناني 

لم يفاجئ الشعب اللبناني بانتفاضته الحاشدة بشكل غير مسبوق، الطبقة السياسية الحاكمة فحسب، وإنما فاجأ العالم العربي إن لم نقل العالم كله. شملت انتفاضة 17 تشرين الأول كاملَ أرجاء لبنان. ومن الملفت في هذه الانتفاضة أنها عابرة للمذاهب والمناطق والطبقات، فلا تشمل فقط الجياع والفقراء وإنما تشمل البرجوازية الصغيرة والوسطى والطلاب وأساتذة الجامعة والفنانين والصحفيين والأدباء وغيرهم. وكذلك تشمل معظم مكونات الطيف اللبناني من مسيحيين ومسلمين سنَّةً وشيعة ودروز وعلويين. وانخرط فيها الرجال والنساء بشبابهم وشيوخهم وأطفالهم، وما هو بارز في هذا السياق ذلك الدور الرئيس والأساس الذي لعبته وتلعبه المرأة اللبنانية في مسار وصيرورة هذه الانتفاضة. وكذلك علينا أن نلحظ التطور غير المسبوق لدور لمجتمع المدني اللبناني بمؤسساته ونقاباته وجمعياته والذي يحاول أن يشكل نداً مقابلاً للسلطة السياسية، لمراقبتها ومنع سلطنتها وتحكمها بالدولة ومصادرتها سيادة الشعب التي هي مصدر كل السلطات. ولذلك فالانتفاضة اللبنانية لا تتسم فقط بوجهها الاجتماعي الواضح، إنما هي انتفاضة حرية وكرامة، وفي آن هي وطنية ديموقراطية حينما رفعت العلم اللبناني رمزاً وراية وحيدة لها، وحينما كانت شعاراتها الرئيسية، تطرح مسألة تغيير النظام اللبناني القائم على الإقطاع السياسي والمحاصصة الطائفية، لصالح نظام المواطنة والتنوع الثقافي والدولة المدنية الحديثة.
  في الواقع يعاني لبنان منذ سنين طويلة من أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة وخانقة؛ استفحلت في السنوات الأخيرة لتطال كل جوانب حياة الشعب، الرازح تحت نير اقتصاد ينخره الفساد والنهب. تقارب ديون لبنان الخارجية المائة مليار دولار، ويكاد يوازي هذا الدين الأموال التي نهبتها الطبقة السياسية الحاكمة. ولذلك لم يأت من فراغ شعار الانتفاضة (كلُّنْ يعني كلّنْ)، أي أن الحساب يجب أن يطال الجميع.  فلا يوجد في لبنان على أرض الواقع مشاريع منجزة لتجديد البنية التحتية، فمعظمها لا يزال على الورق وحجر الأساس، وانخفضت نسبة النمو إلى تحت الصفر. ويعيش لبنان أسيراً لأزمتي الكهرباء والنفايات المزمنتين وتلوث البيئة وتدهور الخدمات بشكل عام. وتعاني شريحة واسعة من اللبنانيين من الفقر وصعوبة تأمين ضروريات الحياة اليومية وعدم القدرة على التداوي والاستشفاء ودفع الأقساط الجامعية والمدرسية. أما أزمة البطالة فهي لا تشمل فقط العمال والحرفيين وسكان الريف إنما تطال عدداً هائلاً من الخريجات والخريجين الجامعيين. ولقد وصل الأمر إلى أن يتظاهر الشباب أمام أبواب السفارات احتجاجاً على وضعها قيوداً جديدة للهجرة إليها. ولكن الشعرة التي قصمت ظهر البعير وأدت إلى اشتعال الانتفاضة، انخفاض قيمة العملة وعدم توفر الدولار في السوق، وعجز طبقة التجار والصناعيين عن تأمينه لاستيراد البضائع والمواد الأولية، وارتفاع أسعار معظم الحاجيات وزيادة الضرائب على المواطنين. وفي سياق أسباب الانتفاضة يجب ألا ننسى سبباً رئيسياً وأساسياً آخر، وهو اختطاف سيادة الدولة اللبنانية وسياستها الخارجية من قبل إيران وتوابعها. وهذا ما أسهم في عزلة لبنان العربية والدولية وتدهور اقتصاده وقيمة عملته.
    ورغم سلمية ومدنية الانتفاضة اللبنانية ورغم حياد الجيش الذي وقف موقفاً وطنياً واضحاً متسلحاً بعقيدة (حماية الدولة والمواطنين)، فإن الطبقة السياسية الحاكمة وقوى الثورة المضادة المتضررة بالتغيير أخذت تدفع عناصرها لتندس بين المتظاهرين لإثارة الشغب والفوضى بهدف إفشال الانتفاضة، ولم تتورع عن إرسال بعض المجموعات الميليشياوية بقمصانها السود وعصيها وسكاكينها للاعتداء على المعتصمين في الساحات وضربهم وحرق خيمهم. وتعاملت أطراف السلطة المعادية للحراك الشعبي على المستوى السياسي مع المنتفضين بأسلوب المراوغة والتجاهل وعدم الإصغاء على قاعدة ” إذن من طين وإذن من عجين”، مراهنة على الوقت وعلى انقسام قوى الانتفاضة وتفككها. ولكن الجماهير أصرت على تكملة المشوار وتمكنت من دفع الحكومة اللبنانية إلى الاستقالة. لكن السلطة ماتزال مستمرة إلى الآن في المناورة، وأخذت تستخدم الأساليب الميليشياوية في قمع الانتفاضة وتدخل على الخط أحياناً بعض العناصر المخابراتية متواطئة مع الميليشيات فتلجأ إلى خطف المتظاهرين وتعذيبهم وتغييبهم قسرياً ولم يخلُ الأمر من القتل العلني وربما العمد كما حدث مع الشهيد علاء أبو فخر، أو إطلاق النار على المتظاهرين في جل الديب ومزرعة يشوع وزوق مصلح والنبطية وبعلبك وغيرها من الأماكن.
  يرفض حزب الله وحركة أمل والتيار العوني وحلفائهم من قوى 8 أذار تشكيل حكومة مستقلة من خارج الأحزاب، وأخذوا يروجون في إعلامهم أن تقديم مثل هذا التنازل يجردهم من سلطاتهم وهيمنتهم مُطَعِّمين ذلك بأنه يعتبر (مكسباً للأميركيين وخسارة لجبهة المقاومة وإيران). في كل الأحوال، لن يكون بعد 17 تشرين الأول كما قبله في لبنان. فلقد فتحت انتفاضة اللبنانيين الطريق إلى تأسيس جمهوريتهم الثالثة. لقد أنجزت الانتفاضة إلى الآن منجزات هامة فحققت مطلبها باستقالة الحكومة ومنعت تشكيلها برئاسة محمد الصفدي وربحت معركتي نقابة المحامين ونقابة أطباء الأسنان ومنعت المجلس النيابي مرتين من عقد جلساته بهدف التشريع لبعض القوانين لعدم شرعيتها الدستورية في ظل حكومة مستقيلة. ويمكن القول إن الشعب امتلك بنضاله حق الفيتو وكرَّس على أرض الواقع بقوة ولأول مرة قضية الدولة المدنية ونبذ الطائفية السياسية. إن صيرورة الانتفاضة اللبنانية مليئة بالمصاعب والتحديات الجسام. ولكنها تعتبر حلقة مرموقة من حلقات الشعوب العربية على طريق التحرر من ثالوث التخلف والاستبداد والطائفية. 

2-الوضع العراقي 

  من الملفت وجود الكثير من الأهداف المشتركة وأوجه التشابه بين الانتفاضتين العراقية واللبنانية. فعناوينهما العريضة: الثورة على فساد الطبقة السياسية، وعلى الفقر والبطالة والمحاصصة الطائفية، وعلى اختطاف سيادة الدولة من قبل الدويلة وولية نعمتها إيران. ولقد أشارت إيران نفسها علناً على لسان ولي فقيهها إلى هذا التشابه ويبدو أنها أخذت تتلمس بداية انحسار نفوذها في البلدين، وهي التي كانت تظن أن بغداد وبيروت صارتا من توابعها إلى الأبد. فهاتان الانتفاضتان الشعبيتان في مضمونهما العميق بالإضافة إلى كونهما اجتماعيتين بامتياز فهما ضد التدخل الإيراني. ولم تُخفِ الجماهير العراقية في شعاراتها هذا المضمون: “العراق حرة حرة وإيران برا برا”.
  وكذلك الانتفاضة العراقية تتسم بوجهيها الاجتماعي والوطني الديموقراطي. ومن الملفت فيها أنها متركزة أكثر في وسط العراق وجنوبه من بغداد إلى البصرة مروراً بالناصرية والديوانية والسماوة والعمارة والحلة والنجف وكربلاء. وراح بعض المحللين السياسيين يعتبرها ثورة شيعية على إيران والقوى الموالية لها في العراق. 

   ورغم ما يمتلك العراق من ثروات نفطية هائلة، وثروة مائية ضخمة وغابة تمور تعتبر الأولى في العالم، فهو يعاني من الفقر والعوز ومن نقص في الكهرباء ومياه الشرب. وتشتري البصرة والمحافظات الجنوبية حاجتها من الكهرباء من إيران؟ ينخر الفساد والنهب الدولة العراقية في كل مستوياتها. وعلى سبيل المثال، فكان قد ضاع تريليون دولار في عهد وزارة نوري المالكي ولم يعثر على أي أثر لها، تقول بعض التقارير والتسريبات أن جزءاً كبيراً منها ذهب للسلطات الإيرانية والنظام السوري. استمرت أمور الفساد على حالها في عهد حيدر العبادي والآن في عهد عادل عبد المهدي. وليس هنالك من يحاسب المرتشين والمختلسين. في الواقع إن تدخل إيران في العراق ليس سياسياً وعسكرياً فحسب وإنما صار اقتصاد العراق احتياطاً استراتيجياً لدولة الولي الفقيه، تقوم باستنزافه لصالحها وخدمة استراتيجيتها التوسعية في المنطقة، وهي تعتمد عليه كثيراً في ظروف العقوبات الأميركية الخانقة.
  منذ الواحد من تشرين الأول والانتفاضة العراقية يشتعل أوراها ويزداد زخمها رغم ما يسقط فيها من شهداء وجرحى يومياً وفي كل المدن. فالمتظاهرون يتعرضون يومياً لإطلاق النار بالرصاص الحي، والقتلة والقناصون ضائعة هويتهم ما بين القوى الأمنية وميليشيات الحشد الشعبي. ومن المؤسف في هذه الانتفاضة المقدامة أن يكون تضامن المحافظات الغربية السنية معها متواضعا وخجولاً إلى حدٍ كبير، والصوت الكردي غائب تماماً عن المشهد. وبالإضافة إلى ذلك، يبدو أن انتهازية الطبقة السياسية والأحزاب العراقية الحاكمة ضاربة أطنابها وتتخوف خروجها من السلطة. ولم يكن مضمون اجتماع قاسم سليماني مع بعض القوى السياسية خارج هذا الإطار وما تسرب منه يفيد أنه قد اتخذ القرار بقمع الانتفاضة وردعها باي ثمن وبكل السبل. ومن الملفت وقوف المرجعية الدينية الشيعية في النجف إلى جانب المنتفضين العراقيين ودعوتها إلى نظام انتخابي جديد من اجل التغيير.

3-وضع اليمن والخليج

يبدو أن اليمن صار هما خليجياً إلى حد كبير وعلى وجه الخصوص صار هماً سعودياً وإماراتياً ويبدو أن الدولتين عدا عن خوفهما على أمنهما القومي، فكل واحدة منهما أخذت تؤسس لنفوذ سياسي واقتصادي لها في هذا البلد. ما زال الصراع العسكري في اليمن بين التحالف العربي الذي تقوده السعودية والإمارات وبين الحوثيين على حاله، وحتى الآن لا تبدو في الأفق نهايات لهذا الصراع. ولكن ما استجد على الوضع اليمني اندلاع صراع داخلي آخر كامنة بذوره منذ عام 1994 حينما شنت، قوات اليمن الشمالي بقيادة الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح، هجومها على اليمن الجنوبي لتوحيدهما بالقوة. فيبدو أن المجلس الانتقالي في الجنوب استغل انشغال القوات الحكومية اليمنية بحربها مع الحوثيين، وكذلك استغل ارتباك السعودية عقب العدوان الإيراني الأخير على معاملها النفطية، ليشن هجوماً، لم يكن منتظراً، على قوات الحكومة الشرعية في عدن ويحتل مواقعها العسكرية. فقد اتهمت الحكومة اليمنية علناً دولة الإمارات العربية بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي، ويبدو أنه لا دخان بلا نار. بادرت السعودية إلى دعوة الحكومة اليمنية والمجلس الجنوبي للتفاوض في الرياض، وتوصلت المفاوضات إلى اتفاق يتقاسم الجنوبيون السلطة مع الشماليين بالتساوي. 

لا نستغرب أن يأتي اتفاق الرياض سريعاً حول اليمن، فهناك أجواء سياسية خليجية جديدة تشكلت بعدما ضربت إيران المنشأت النفطية السعودية، وبعدما تبين عدم جدية الولايات المتحدة في توجيه أي رد عسكري ضدها واكتفائها بالعقوبات الاقتصادية فقط. فضمن هذه الأجواء بدأت السعودية ودول الخليج الأخرى تبحث عن تهدئة مع الإيرانيين، وهناك جهود باكستانية وروسية وعمانية في هذا السياق؛ وكذلك راحت تبحث عن حلفاء اخربن وتأتي زيارة بوتين إلى السعودية والتمرين البحري الصيني/السعودي المشترك في هذا الإطار. ويبدو أن الولايات المتحدة لا ترغب بملاكٍ إيراني مع جيرانه العرب، إنما لا تزال تحلم باستعادة شُرطيِّها على المنطقة كي تبقى في حمايتها وتحت نفوذها. 

4-الوضع الإيراني

عاد الشعب الإيراني لينتفض مجدداً ضد استبداد نظام الولي الفقيه، وتتزامن انتفاضة الإيرانيين مع زخم ما يجري من أعمال ثورية في العراق ولبنان. خرج الإيرانيون بكامل شعوبهم وقومياتهم في 15 تشرين الثاني إلى الساحات في أكثر من 154 مدينة كبرى وصغيرة، وهم يهتفون بسقوط الديكتاتور. كانت شرارة الانتفاضة رفع أسعار البنزين وشعارها الرئيس موت الديكتاتور وحرق صور الخميني مؤسس النظام ووريثه خامينئي. فالشعب بحسه العميق يعي تماماً أن السياسي والاجتماعي لا يفترقان ولم تكن قصة البنزين سوى المدخل إلى الهدف الرئيسي وهو الثورة على النظام لتغيير السياسي والاقتصادي والثقافي في المجتمع الإيراني.
  يطالب الإيرانيون بصرف ثروات وواردات بلادهم عليهم وليس على غيرهم؛ فقد سئموا من (تصدير الثورة) ومن تبديد أموال وطنهم على التسلح النووي وأذرع ولاية الفقيه التوسعية في كل من لبنان والعراق وسورية واليمن وفلسطين، وبعض البلدان الأخرى في كل من أسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. وهنا علينا ألا ننسى، أن الإيرانيين يريدون الخروج من السجون التي يضرب بها المثل بهمجيتها وبربريتها ويتوقون إلى الخلاص من أعواد المشانق في ساحات المدن.
  وفي الواقع ليس هنالك من فروق كبيرة بين الانتفاضة الإيرانية والانتفاضات المشتعلة في المنطقة فجميعها مجدول فيها التغيير السياسي على التغيير الاجتماعي والثقافي. كلها تطالب بالحرية والكرامة وحقوق الإنسان، والدولة المدنية القائمة على المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية والخروج من المجتمع الذكوري إلى مجتمع تساوي الجنسين. ويبدو واضحاً في جميع انتفاضات الشرق الأوسط أن المرأة تُفَعِّل دورها السياسي والاجتماعي بكد يمينها.
                                                                    ثالثاً: استنتاجات

1-لقد أصبحت القضية السورية الآن بمآلاتها، ومن قبلها الثورة السورية بمختلف مراحلها، مثالاً يحتذى، بمعنى أنها اشاعت أجواء الثورة والتمرد واستمدت منها الساحات الأخرى زخم الحضور الشعبي الواسع، وعزيمة وإصرار الثوار وبسالة تضحياتهم، ليس فقط في محيطها في ثورتي العراق ولبنان، بل في كل مكان حتى في إيران وقبلها السودان والجزائر، وباتت سوريا مساحة لقراءة التجربة كنموذج للدراسة والتمحيص على مدى سنواتها التسعة، وذلك بسبب تنوع مخاضاتها، واصبح أي حراك شعبي باللاشعور الجمعي فيه محاكاة للواقع السوري، مستفيداً حكماً من تفاصيل المأساة السورية بإخفاقاتها وأخطائها وانتصاراتها أيضاً، والدليل هو ابتكار أفكار جديدة واستخدام أساليب عمل تسعى لتحاشي الأخطاء التي ارتكبتها الثورة السورية. وبالتالي أصبحت القضية السورية هي المركز، وثورتها موجودة ضمناً، وهناك بالطبع علاقة جدلية بينها وبين باقي الساحات. 
2-لقد أكدت ثورات الموجة الثانية من الربيع العربي مشروعية ثورتنا، وما أنجزته هذا الثورات مهم جداً، وفي مقدمتها تقدم الخطاب الوطني كإطار جامع لمكونات الشعب، وسحب سلاح الأنظمة والميليشيات ذات التوجه الطائفي والمذهبي والمحاصصة من التداول وتعريته، وهو أهم انجاز في العراق ولبنان وحتى إيران أيضاً. وكذلك الرفض المطلق للتدخلات الخارجية لمنعها من تفعيل أجنداتها الخاصة، وهذا شكل ضربة كبيرة لكل من “حزب الله” و “حركة أمل” وحليفهم ميشيل عون، وللحشد الشيعي وميليشياته في العراق، وكذلك لنظام الأسد وملالي طهران.
وأصبح المطلوب الآن الوقوف مطولاً عند قراءة هذه الظواهر لما لها من انعكاسات نوعية في سورية في تفكيك لحمة نظام الأسد، واستعادة اللحمة الوطنية، التي سيكون لها أثراً ايجابياً على مستقبل الثورة السورية، وإعادة التركيز على حق الشعب السوري في الحرية والكرامة، وتسليط الضوء على الواقع المعاشي والاقتصادي، وفضح وتعرية فساد وتسلط مافيات السلطة على حياة الناس ولقمة عيشهم.                                       

   دمشق 21 / 12/ 2019
                                                                          اللجنة المركزية
                                                                    لحزب الشعب الديمقراطي السوري                                                       

مشاركة