رحيل مصطفى طلاس

502

يخطئ من يظن أن مصطفى طلاس كان مجرد رجل مشغوف بالنساء، وبممارسة هوايات تافهة، ويعمل في أوقات الفراغ كوزير للدفاع كما عبرت مرة إحدى الصحف الإسرائيلية.

فوراء هذه الصورة، وهي واقعية طبعًا يثوي معنى آخر أراد صانعه حافظ الأسد أن يرسل من خلاله رسائل عدة:

فالجيش المترهّل الذي لم يخض منذ حرب تشرين إلا حروبًا لا تنفع إلا في امتلاك أوراق سياسية لصالح التشبث بالسلطة، والذي يُعدّ أنموذجًا لتكريس مفهوم الهزيمة في العقول كان مطلوبًا؛ لكي تكتمل صورته المترهلة هذه أن يؤتى بشخص عديم القيمة من بيئة متواضعة عانى أشكال الحرمان كلها ليكون على رأسه.

فهي رسالة للسوريين أولًا فحواها: أن قدرة حافظ الأسد على اللعب بالمؤسسة العسكرية على هواه قدرة لا حدود لها، وأن التناقض بين خطاب الصمود، وبين المعطيات الموضوعية التي تجعله خطابًا مطابقًا تناقض مفضوح لا قبل لأحد بالاحتجاج عليه مهما تجلت سورياليته وبالغًا ما بلغت درجة سخريته بالعقول.

ورسالة لمن يفترض أنهم الأعداء ألا تخشَوا شيئًا، فرمز المؤسسة العسكرية يقاتل على جبهات أخرى أكثرها اشتعالًا مخادع الحسناوات.

وقد كان طلاس متقنًا لدوره أيما إتقان، فقد كان رجلًا واضحًا لا يخفي وضاعته سواء في خطابه السوقيّ، أو في سلوكه المعلن الذي قد يخجل منه مراهقون.

ورسالة لمن يتهم النظام بالطائفية أن أكبر مسؤول في المؤسسة العسكرية ليس من أبناء الطائفة، وهو ما ينفع في المحاجات اللفظية مع متهميه بالطائفية.

لا نجانب الصواب إن قلنا إن طلاس من بين أركان النظام كان الأكثر انسجامًا مع نفسه؛ لأنه لم يحارب مع النظام لأجل مصلحة طائفية كما يفعل ضباط النظام من أبناء الطائفة، ولم يعلن انشقاقه مدعيًا صحوة الضمير كغيره ممن رفل في نعيم السلطة، وخاض إلى أذنيه في مستنقع الفساد، بل ظل مخلصًا لأولياء نعمته حتى الرمق الأخير.

وقد كان في مجالسه الخاصة صريحًا في التعبير عن انتهازيته، فطبقًا لما حدثني به وزير دفاع سابق كان الأسد وطلاس تحت إمرته قبل انقلاب حافظ الأسد، والذي عاتب طلاس على تبعيته المطلقة للأخير الذي يعرف كل مساوئه، فبرر طلاس ذلك بأن هذه التبعية اتفاق أبرم مع الأسد منذ استيلائه على السلطة، وهو ملزم بحفظ العهد معه، ولم ينكر ما اتهم به محدثه الأسد من خيانة، وحرق للقاعدة الأخلاقية في سورية وفق خطة مدروسة ومنهجية.

التوتر الجنسي الذي كان طلاس يعانيه، والذي دأب المتحدثون عنه على جعله موضع تندرهم، أو استيائهم ربما كان تعويضًا عن معاني رجولة سحقت بموافقته ورضاه؛ للفوز بوضع مغر لم يكن يتشوف إليه حتى في أحلامه.

نجلا طلاس -للمفارقة- معارضان أحدهما أعلن انشقاقه باكرًا في صحوة ضمير مفاجئة، ونحن لا نستطيع أن نخفي ارتيابنا في أمره والذي يروج له مثقفون نخبويون ربطتهم به صداقة مشبوهة قبل الثورة، والآخر يغدق في الوعود، ويبعثر أموالًا منهوبة من قوت السوريين على أتباعه من مدّعي الثورية ومتحذلقي السياسة.

هذان النجلان ربما فهما أيضًا أن المعطيات الراهنة تتطلب سياسة شبيهة بسياسة والدهما تتمثل في مجاراة التحولات من أجل الفوز بمكتسبات، والاحتفاظ بأخرى.

إن أرواح أعداد لا تحصى من السوريين وقّع طلاس على قرارات إعدامهم بلا شفقة، ولا رحمة لا تكفّ عن استصراخ ضمائرنا ألا تطلبوا من الله الرحمة لروحه، ودعوه لمصيره الذي اختاره بإرادته.

رئيس التحرير

مشاركة