رؤية عبد العزيز ساخدينا للتعددية الدينية في الإسلام

46

مناف الحمد

يقدم عبد العزيز ساخدينا، في كتابه “الجذور الإسلامية للتعددية الديمقراطية”، رؤيةً متميزةً للتعددية الدينية في الإسلام، يقول إنه يستنبطها من روح القرآن. وعلى الرغم من أنها رؤية جدلية، وقد لا يكون من السهل الإقرار بكلّ أبعادها، إلا أننا لا نستطيع أن نخفي إقرارنا بجدّتها. وهي رؤية جديرة بأن تؤخذ في الحسبان، وأن تكون موضع أخذ ورد؛ لما تنطوي عليه من إمكان فتح آفاق جديدة في فهم النصّ.

قبل الولوج في ما استخلصه (ساخدينا) ينبغي الإشارة إلى الافتراضات التي يقول: إنها قد حكمت منهجه التأويلي للنصّ، وهي:

-لا ينبغي أن يفرض المؤوّل رأيًا على النصّ.

-إن التقصيّ المعجميّ كافٍ لفهم خصائص المصطلحات.

-يجب أن يستند سبر طبقات المعاني إلى التمييز بين العام والخاص، وبين الصريح والضمنيّ، والحقيقيّ والمجازيّ، وليس إلى مجرد مقارنة الآيات التي تتحدث عن موضوع واحد.

-لا بد من منح منهج النبيّ وأصحابه، في تفسير الآيات، اهتمامًا خاصًا.

وبعد أن يحدد افتراضاته تلك، يشرع في تفصيل رؤيته التي تقوم على قناعة لديه بوجود جذر إسلاميّ للتعددية الدينية، يعزّز مفهوم التعاون بدل الصراع.

ويبدأ بالتدليل على ذلك بالاستشهاد بالآية الكريمة:

“كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم” (البقرة، آية 213).

والآية تشير -في رأيه- إلى ثلاث حقائق:

– وحدة الجنس البشري.

-خصوصية الأديان التي جاء بها الأنبياء.

-دور الوحي في حلّ الخلافات التي تحصل بين المجتمعات المؤمنة بالكائن المتسامي.

ولا يعتقد (ساخدينا) أن الفعل “كان” الذي جاء في صيغة الماضي، في الآية، يشير إلى مدلول زمانيّ، وإنما هو مجرد رابط يصل بين الموضوع والمحمول، من دون مضمون زمانيّ؛ الأمر الذي يعني أن الناس ما يزالون أمة واحدة.

وهم كذلك؛ لأن وحدانية الله توحّد المجتمعَ المسلم مع كلّ الناس؛ وعلة ذلك أن الله خالق كل البشر. وقد أودع فيهم خالقهم فطرة، هي كفيلة بوضع أساس للإجماع بين أممٍ لديها التزامات روحية متغايرة. وبالاستناد إلى آيات أخرى منها:

“إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا والنصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ“ (البقرة، 62).

يستنتج أن البشر إنما يُحاكَمون يوم القيامة على أدائهم الأخلاقي، بغضّ النظر عن انتمائهم الديني. أما فكرة الخلاص المقصور على أتباع دين واحد، فهو يفنّدها بالقول: إن الخلاص في جوهره متوقف على معيار السلوك المتبنّى وفقًا للإيمان بالخالق؛ وبما أن كل الأديان مهتمة بالخلاص، فإن الاعتراف بها يعني الاعتراف بدعوتها إلى الخلاص. وقد حُجب اعتراف الإسلام بشرعية مناهج الأديان الأخرى، للخلاص بأطروحة إلغاء الوحي القرآني كلّ تجارب الوحي السابقة له.

ويزعم (ساخدينا) أن جذر فكرة الإلغاء هذه كامن في المواجهة التي حصلت بين المجتمع الإسلاميّ الباكر مع الأديان الأخرى، وأنها وليدة سياق تاريخيّ، وليست فكرة منصوصًا عليها في النصّ المقدس، وأن التناقض الظاهر بين الآية السابقة، والآية:

“وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (آل عمران، الآية 85) يجب حله؛ لكي يتحقق مفهوم العدالة الإلهية، وخصوصًا أن القرآن -كما أشرنا آنفًا- لم ينصّ على أنه مبطل الكتب السابقة.

وفي محاولة حلّ هذا التناقض، يؤوّل (ساخدينا) كلمة الإسلام في الآية بالقول: إنها تعني الخضوع لله، ولا تعني الإشارة إلى دين محدد. ويشفع تأويله هذا بدليل فحواه: أن الآيتين السابقتين لهذه الآية استخدمتا الفعل “أسلم” بمعنى خضع بالمعنى اللغويّ، وليس بالمعنى الاصطلاحيّ الذي يشير إلى دين الإسلام:

“أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ” (آل عمران، آية 83).

“قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ على إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ موسى وعيسى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” (آل عمران، آية 84)

ويجد مستندًا لزعمه هذا لدى قدماء ومحدثين، فمن القدماء المعتزلة الذين عدّوا أهل الكتاب مسؤولين عن سلوكهم الذي ينتهجونه وفقًا لتعاليم دينهم التي ظلّت معترفًا بها على الرغم مما أصابها من تحريف. ومن المحدثين (رشيد رضا) الذي لم يعدّ إيمان المسيحيين واليهود بنبوة محمد شرطًا للخلاص. ومنهم “الطباطبائي” الذي رفض الفكرة القائلة: إن الخلاص حكر على مجموعة خاصة تعتنق دينًا معينًا، وقال: إن أي شخص يتبنى اعتقادًا ما، ويسلك سلوك الأتقياء مستحقّ لمكافأة الله له، ولحمايته له من العقاب.

فهْم رضا والطباطبائي يمثل -في نظر ساخدينا- الروح القرآنية التي ترفض أيّ تقييد للخلاص بدين معين؛ فالله خلق نظامًا أخلاقيًا عامًا، واستعدادًا فطريًا للقدرة على تمييز الخير من الشر مزروعًا بقدرته في البشر قبل أن يرسل الرسل. وإن حصر الخلاص، في اعتقاد معين، مناقضٌ لروح الديمقراطية المنبثقة من الاعتراف بالتعددية بكلّ أشكالها، والتي نواتها احترام حقوق الإنسان المختلف دينيًا، وثقافيًا، وإثنيًا.

وقد عثر (ساخدينا) -كما يقول- في التراث التشريعيّ الإسلاميّ على حالات مثالية لعلاقة المسلم بالآخر قائمة على تقدير كبير للتنوع، والحاجة إلى تأويل النصوص في ضوء المصلحة العامة. ففي كتاب (الطبري): “اختلاف الفقهاء” وفي الفصل الموسوم بـ “كتاب الجهاد وكتاب الجزية وأحكام المحاربين” يمكن العثور على روح تعددية، في ما يتعلق بمعاملة أهل الكتاب؛ فالطبري لا يجعل اعتناق الإسلام شرطًا لتجنب الحرب، وفي هذا تأييد ضمني لاعتراف القرآن بالفاعلية الخلاصية لأديان أهل الكتاب.

أما الآية: “قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ” (التوبة، آية 29)، فقد كانت ضرورية عندما شكّل أهل الكتاب تهديدًا فعليًا للمسلمين.

واختلاف الفقهاء في موضوع الجزية واضح فيه سعيهم لاجتراح تأويلات تناسب السياق التاريخيّ، بما يحقق العدل والسلام، فالإمام مالك رأى أن أخذ الجزية مسموح من عبدة الأوثان، وفي هذا ضمان ممنوح من الدولة الإسلامية بحمايتهم من جهة، وعدم قسرهم على ترك دينهم من جهة أخرى. أما الشافعيّ فقد ناقش حال شخصٍ، والداه ليسا من أهل الكتاب، ولكنه كان معارضًا لعبادة الأوثان، قبل أن يوحى بالقرآن، ففي مثل هذه الحال يعود للإمام اتخاذ القرار في أخذ الجزية منه. والأمر المهم الواجب استخلاصه من هذه الأمثلة هو ضرورة فهم العلل الكامنة وراء مثل هذه الأحكام التي يدلّ تنوعها على استجابات مختلفة للسياق التاريخي؛ لأن أي تطبيق غير مدروس لها -بحسب ساخدينا- من دون كشف غاية واضعها، والتحقق من الظروف الموضوعية التي أحاطت بإصدارها سوف يقود إلى تقويم خاطئ.

لا شك أن هذه الرؤية للتعددية الدينية القائمة على ضرورة جدل الصلة بين النصّ والواقع ليست رؤية جديدة، وصاحبها لا يدّعي أنه يخترع منهج تأويل النصوص في ضوء المتغيرات، وإنما يسترشد بمحاولات سابقة لمحدثين، وقدماء، ولكن الجدّة تكمن في محاولة تفكيك مفاهيم راسخة في العقل الجمعيّ المسلم حول الخلاص، وإمكانه غير المقتصر على اتباع دين معين، وصولًا إلى تكريس التعددية الدينية التي أصبحت حجر الزاوية في العلاقات بين البشر والشرط لأيّ سعي لإقامة دولة مدنيّة تعدديّة ديمقراطيّة.

“جيرون”

مشاركة