داعش في السوق السوداء النوويّة … مسؤوليّة موسكو وواشنطن على المحكّ

5

جورج عيسى النهار 13/10/2015

الحرب العسكريّة التي تقودها دول التحالف وعلى رأسها  الولايات المتحدة ضدّ تنظيم “الدولة الاسلاميّة” ما زالت بعيدة عن تحقيق أهدافها. ولا يتوقّع للدخول الروسي أن يغيّر الكثير في هذا المجال خصوصاً قبل إقامة خطّة عمل وتنسيق مشتركين بين التحالف وروسيا، إذا كانت النوايا موجودة في الأساس، علماً أنّ الأمر مستبعد حتى الآن، لاختلاف الأجندات بين الطرفين.

لكن على رغم عدم إحراز واشنطن لتلك النجاحات الباهرة في حربها ضدّ “داعش”، إلّا أنّه يسجّل لوكالاتها الاستخباريّة نشاطها الدائم في فرض رقابة على الاسلحة الفتّاكة التي يستهدف التنظيم الارهابي الوصول إليها، خصوصاً أنّ هذا الاخير لا مانع لديه من تكرار محاولاته للحصول على أسلحة محرّمة دوليّاً.

غير أنّه تبيّن مؤخّراً ظهور “طموح” فوق العادة للتنظيم يتجلّى بوضع الموادّ النوويّة المشعّة ضمن بنك أهدافه التجاريّة. فوكالة “الاسوشييتد برس” نشرت خبراً يفيد بأنّ السلطات المولدافيّة بالتعاون مع مكتب التحقيقات الفيديراليّ الاميركي “أف بي آي” استطاعت أن تحبط أربع محاولات لبيع موادّ مشعّة الى المتطرّفين في الشرق الاوسط خلال السنوات الخمس الماضية. وعلمت الوكالة أنّ آخر محاولة تمّ إحباطها، جرت في شهر شباط الماضي عندما عرض بائع كمّيات كبيرة من عنصر السيزيوم-135 القاتل والقادر على تلويث مدن عدّة الى شارٍ من تنظيم الدولة الاسلاميّة. والعصابات الاجراميّة التي أنشأت ونشطت في السوق السوداء لتجارة المواد المشعّة، ألقي القبض خلال السنوات الماضية على التجّار الصغار فيها، بينما استطاع زعماؤها البقاء بعيدين عن أعين الاجهزة الامنيّة.

وما زاد الأمر سوءاً أنّ الذين أودعوا في السجون استطاعوا الهرب لاحقاً والعودة الى التجارة بحسب ما وجدته الوكالة. وفي حديثها مع بعض المسؤولين الأمنيّين والقضائيّين، تبيّن مدى الخطورة الذي ينتج عن انقطاع التعاون بين الروس والاميركيّين في هذا المجال، خصوصاً أنّ كمّية غير معروفة من المواد المشعّة دخلت في السوق السوداء آتية من روسيا بحسب المصدر نفسه.

وفي وقت لا يبدو فيه المحقّقون متأكّدين ممّا إذا كان المشتبه بهم الذين فرّوا نجحوا في بيع مواد مشعّة مميتة الى تنظيم الدولة الاسلاميّة، تذكر الوكالة أنّه عام 2011، حاول وسيط مقرّب من عقيد روسيّ تشتبه السلطات المولدافيّة بكونه ضابطاً في مصلحة الامن الفديرالية الروسية، ترتيب لقاء لبيع قنبلة مصنوعة من مادّة اليورانيوم-235 بالاضافة الى مخطّط لصناعة قنبلة قذرة الى أحد السودانيّين. ويقول أحد المحقّقين أنّ الوسيط الذي استطاع أن يهرب من السجن لاحقاً، شدّد على أن يكون الشاري متطرّفاً إسلاميّاً لكي “يمحو أميركا من الوجود”.

مولدافيا مرعِبة

كتبت مجلّة “الاتلانتيك” الاميركيّة مقالاً بعنوان:”لماذا يمكن لمولدافيا أن تكون الدولة الاكثر رعباً على وجه الارض؟”. وانطلقت المجلّة من الخطر الذي خلّفه سقوط الاتحاد السوفياتي مستشهدة بكلام للبروفسور في جامعة جون كينيدي في هارفارد، غراهام اليسون عام 1996، حين قال: “يشمل أرخبيل الاسلحة النوويّة الروسيّة مواقع فيها حوالي ألف طنّ من اليورانيوم العالي التخصيب ومئة طنّ من البلوتونيوم و30000 رأس حربيّ نوويّ. وجميع هذه الاسلحة معرّضة للخطر”. ونقلت عن مجلّة “الفورين بوليسي” تأكيدها أنّ حوالي مليوني قذيفة تحتوي على غاز للاعصاب تمّ اكتشافها في إحدى الغابات غرب سيبيريا.

وتقول “الاتلانتيك” أنّ الولايات المتّحدة أنفقت الميليارات لكي تساعد #روسيا على تحديث منشآتها النوويّة وتحسين وضعها الامني ومساعدتها في تدمير آلاف الرؤوس النووية قبل أن يتوقّف التعاون بينهما عام 2011. وتفيد بأنّ سرقة رأس نووي تبقى صعبة على عكس الموادّ المشعّة المستخدمة في قنابل قذرة والتي يسهل الوصول إليها ونقلها من مكان الى آخر.

وتشهد تلك البلاد نشاطاً ملحوظاً للعصابات الاجراميّة. فموقع “وورلد نومادز” يشير الى أنّ 400000 امرأة تمّ الاتجار بهنّ منذ نيل تلك الدولة استقلالها عن الاتحاد السوفياتي عام 1991، بالاضافة الى أنّ #مولدافيا هي نقطة “شحن” للمخدّرات في طريقها الى أوروبا الغربيّة.

مشكلة مع جارتها تراندسنيستريا

جمهوريّة ترانسدنيستريا التي أعلنت انفصالها عن مولدافيا عام 1992 بعد حرب قصيرة هي دولة موالية لروسيا. وأصدرت أوامرها بالتجنيد الاجباري منذ شهرين بحسب صحيفة “التيليغراف” البريطانيّة مع تصاعد التوتّر بين #الكرملين والغرب، خصوصاً أنّ مولدافيا محسوبة أكثر على هؤلاء. وفي ترانسدنيستريا قوّة روسيّة لحفظ السلام مؤلّفة من ألف عسكري. موقع “سلايت” يذكر أنّ روسيا احتلت القرم لأنّها تريد “دولة عصابة مطيعة” كما هي الحال مع جارة مولدوفيا التي تزدهر فيها الاعمال “المشكوك بنزاهتها”. وبحسب مجلّة “الايكونوميست” التي اعتبرت ترانسدنيستريا دولة فاسدة، إنّ مجموعة من صواريخ أرض جو من طراز إيغلا يقدّر عددها بحوالي السبعين اختفت فجأة في تلك الدولة منذ حوالي عقد بدون أن تُعرف وجهتها.

الاحتقان الروسي الاميركي

يؤثّر التوتّر بين الدولتين على التعاون الامني في مكافحة تهريب الموادّ المشعّة التي تستخدم في صناعة القنابل القذرة. ويحتمل لتخفيض التعاون الى مستويات متدنّية أن ينعكس سلباً على مولدافيا وترانسدنيستريا اللتين تشكّلان تربة خصبة لتهريب المواد الخطيرة وخصوصاً أن “داعش” سيعمد حكماً الى استغلال أيّ ثغرة أمنيّة أو استخباريّة ناتجة عن العلاقات المهتزّة بين واشنطن وموسكو. وهو بالفعل استغلّ الامر في شباط الماضي حيث كاد يستحصل على بعض المواد المشعّة. ويبقى غامضاً موضوع استحصاله على موادّ كهذه في عمليّات أخرى غير مكتشفة داخل مولدافيا أو خارجها، خصوصاً أنّ وزيرة الخارجيّة الاستراليّة جولي بيشوب كانت نقلت عن أعضاء حلف شمال الاطلسي في حزيران الماضي شكوكاً تشير الى أنّ التنظيم وضع يده على موادّ مشعّة، مع مخاوف من إمكانيّة تحويلها الى سلاح نووي.

لكن من جهة أخرى، يبقى الخلاف الاميركي الروسي في  سوريا مضبوطاً الى حدّ ما لأن لا استراتيجيّة واضحة للبيت الابيض في ذلك البلد، على عكس  اوكرانيا التي كانت تعتبر أكثر حيويّة للغربيّين من المسألة السوريّة حتى وقت قريب، قبل استفحال أزمة اللاجئين. لذلك من غير المرجّح أن تنقطع العلاقات نهائيّاً بين الدولتين خصوصاً في معضلة أمنيّة حسّاسة تتعلّق بحيازة المنظّمات الارهابيّة لأسلحة فتّاكة.

تقع مولدافيا وترانسدنيستريا بالقرب من البحر_الاسود. ويبدو أن أسواق الاسلحة والمواد الحربيّة في هاتين الدولتين اتّخذت اسمها من اسم البحر الذي تجاوره. وبما أنّ “داعش” تمدّ أذرعها الى أوروبّا الشرقيّة كما يبدو، لتصنع قنابلها القذرة المشابهة لأفعالها وأخلاقها، لا مفرّ للدولتين من ترسيخ تعاونهما على هذا المستوى لمراقبة السوق السوداء، شمال البحر الاسود لمكافحة التنظيم ذي العلم الاسود والعقل الاسود قبل فوات الأوان.

مشاركة