خوذ البطاركة السوريين وأناشيد النصر للأسد

84

  ريكاردو كريستيانو

القدس العربي:27/8/2019

كان الحر لاهباً في الخامس عشر من شهر آب/ أغسطس في إيطاليا، ولا شك أنه لم يكن أقل لهيباً في معرة صيدنايا، المدينة القريبة من سجن صيدنايا (المسلخ البشري للنظام السوري)، حيث يوجد أيضاً دير مار أفرام السرياني، إلا أن الأجواء التي اجتمع فيها المطارنة والبطاركة السوريون كانت مريحة ومكيفة بدون أي شك. هذا لم يؤثر إيجاباً بشيء على بطريرك السريان الأرثوذكس أفرام الثاني، وبطريرك الروم الأرثوذكس يوحنا العاشر، وبطريرك الروم الكاثوليك يوسف العبسي، وكذلك رؤساء كنائس دمشق الحاضرين. فجميعهم قرروا تكرار شكواهم وتألمهم لتناقص عدد المسيحيين المطّرد في سوريا.

معهم كل الحق في ذلك، لكنهم لم يتساءلوا أبداً عن السبب، فإذا كان النظام قد انتصر بمنظورهم، فلماذا يستمرون في التباكي دون الإشارة ولو بكلمة واحدة إلى مصير الآخرين؟ أي مصير السوريين المعتقلين أو المختطفين من تنظيم داعش والذين لا يعرف عنهم شيء، أو ملايين السوريين المجبرين على الفرار إلى الخارج والذين إذا عادوا كانت السجون أو معتقلات الموت بانتظارهم، وكذلك ملايين السوريين المهجرين والنازحين داخل سوريا الذين لا يستطيعون العودة إلى بيوتهم. كل هؤلاء لم يرد ذكرهم ولو بكلمة، شأنهم شأن من قتل على يد النظام، وفقاً لابن عم الأسد نفسه.

«إن المسيحيين مكون أساسي أصيل من مكونات النسيج الوطني لهذه المنطقة» ومعهم كل الحق في ذلك، لكن كنا نأمل بأن يذكروا ملايين المعذبين وآلاف المغتصبات في سجون النظام السوري باعتبارهم أيضاً من مكونات النسيج الاجتماعي الوطني.

لقد صلى البطاركة «من أجل عودة الأسقفين المخطوفين: بطرس يازجي ومار غريغوريوس يوحنا إبراهيم».

أمر لا غبار عليه ويحظى بموافقة الكثيرين، ولكن ماذا عن رجال الدين المسيحيين الآخرين المختطفين في سوريا، بمن فيهم الأب باولو دالوليو؟

أليس من حقهم أن يُذكروا في صلاة أو بكلمة على أقل تقدير وحتى ولو لم يكونوا من الأساقفة؟

قد لا يوافق الأب باولو على أن يُذكر اسمه من قبلهم، والمقطع الثاني من البيان الصادر عنهم قد يوضح إمكانية رفضه لذلك: «عبّر الآباء المجتمعون عن اعتزازهم بانتصار سوريا قيادة وجيشاً وشعباً على جميع أشكال الإرهاب الذي يهدف إلى إضعافها وتجزئتها، مؤكدين على تكاتف الشعب المخلص والتفافه حول دولته ومؤسساتها الشرعية». لكن ما هي هذه المؤسسات الشرعية؟ أهي المؤسسات المنبثقة عن انقلاب عسكري جرى قبل نصف قرن، وعن الأجهزة المخابراتية التي لا تُعدّ ولا تحصى. لم ترد في البيان أي كلمة عن إدلب وعن ملايين المهجرين، ولا عن القرى التي دمرها القصف العشوائي أو المستشفيات والمحاصيل التي أحرقتها «المؤسسات الشرعية» وجيشها النظامي.

إن هدف البيان الوحيد هو الالتفاف على رسالة قداسة البابا فرانسيس الموجهة إلى الأسد حول مدينة إدلب والمهجرين والنازحين والمعذبين والمغتصبين في السجون والمسعفين. إن خوذ البطاركة صلبة شأنها شأن كل الخوذ، لكن يبدو أن صلابتها موجهة ضد رسالة البابا فرانسيس.

يمكننا أن نستثني فقط الجملة الأخيرة الواردة في البيان والتي يبدو وكأنها كتُبت بقلم آخر ومن منظور مغاير وفكرة مختلفة حول معنى كون الإنسان مسيحياً، فهذه الجملة خففت من وطأة ما ورد إذ يُقرأ في البيان: «هناك حاجة لرؤية مستقبلية لدولة وطنية تقوم على أسس الديمقراطية وحكم القانون والمساواة في المواطنة واحترام التنوع»، أي على أسس لا يمكن أن تتوفر طالما بقي نظام الأسد والمسؤولون عن الجرائم ضد الإنسانية. إنها الجملة الوحيدة التي تعترف وتذكّر برسالة قداسة البابا من أجل سوريا وتدافع عن هذه الرسالة التي غيرت العالم. هذه الجملة بالذات توضح الجهد الهائل الذي بذله البابا لإنقاذنا أيضاً من الكنائس المحلية المنغلقة على نفسها، وعن خضوع السلطة الدينية للسلطة الدنيوية والسياسية.

ترجمه من الإيطالية: سامي حداد أستاذ الأدب العربي في جامعة نابولي ـ إيطاليا

مشاركة