حلب: عصارة الألم السوري وموعد النصر القريب

32

 

كنت أتحسّس طريقي بصعوبة في الظلام الدامس الذي خيّم على الفناء والدرج القديم المتهالك المفضي إلى سرداب فسيح في بيت جدّي القديم.

كنت أبحث عن مخطوطات وكتب سبق لي أن شاهدت عناوينها منذ زمن طويل في المكان نفسه، ولم أحسن آنذاك بسبب صغر سنّي تقدير قيمتها.

كان الغبار قد تراكم على الكتب الملقاة على الأرض وأعشاش العنكبوت قد غطّت الجدران ولم تنفعني كثيراً النافذة التي تطلّ على الحارة الضيقة فاستخدمت ضوء الهاتف الجوّال لكي أتصفّح عناوين الكتب وأتخيّر ما أحتاجه منها.

بينما أنا منهمك في عملي هذا، وإذا بشاب وسيم أنيق يمثل أمامي مبتسماً ابتسامة ذهبت بشعور الخوف الذي اعتراني في لحظات.

كان الحوار بيننا عفوياً ومباشراً ودون مقدمات:

  • أنا: أهلاً وسهلاً بأستاذي القديم.
  • الشاب: كيف حالك يا طالبي النجيب، لا زلت شغوفاً بالمعرفة كما عهدتك دائماً.
  • أنا: كان لك فضل في تكريس هذا الميل عندما جعلتني أعشق مادتك، مادة الفلسفة.
  • الشاب: ألفيت عندك ميلاً للبحث كان من الظلم عدم رعايته وتطويره، ولكنني جئت اليوم بسبب شوقي لرؤياك ولكي أفضي إليك بآخر ما استنتجته.
  • أنا: تفضّل كلي آذان صاغية.
  • الشاب: تذكّر كل ما تلقيته مني من نظريات وما تعلّمته بجهدك الشخصي بعد افتراقنا، وقم باطّراح كلّ ما رسخ في ذهنك من قناعات لكي تنظر إليها من جديد، وضع إلى جانبها صورة الدمار في حلب وأسواقها القديمة التي انطلقت منها شرارات الإضرابات في خمسينيات القرن الماضي مطالبة بالعدالة والحرية.
  • استحضر يأبني الحان القدود الحلبية التي تغالب أصوات القنابل والصواريخ، وصور رجالات حلب الذين مثّلوا انبثاق الوعي بالهوية السياسية الوطنية وتباشير النهضة في سورية رشدي الكيخيا ومعروف الدواليبي وناظم القدسي وغيرهم
  • تذكّر أحاسيسك وأنت تتجول في أحياء الجديدة والمنشية وخان الحرير وتقلّب نظرك في الجدران القديمة التي لا يزال يفوح منها عبق الحضارة الضاربة في القدم.
  • انظر ما اقترفته آلة الإجرام بحق هذا التراث الذي يقضّ مضجعها صموده واستعصاؤه على الفناء.
  • عصارة الألم السوري لم تجد وعاء يسعها ويمثلها وينبّه شعوب الأرض كلها إلى علقمها وازورار أصحاب القرار في العالم عنها إلا مدينة الحمدانيين، فهي الأجدر والأقدر على التعبير عن وجع كلّ السوريين، وهي التي تستطيع دون غيرها أن تحيل الدمار إلى عمران وأن تخرج الحياة من الموت.
  • أنا: ما امضّ وأقسى ما تستحضره يا أستاذي.
  • الشاب: فلسفة جديدة يجب أن يعاد بناؤها لمجرد تأمل حلب المصبوغة بالدم، وإعادة نظر في كل تراث الإنسانية الفكريّ والسياسيّ وحتى الجماليّ والفنيّ.
  • اسمح لي الآن أن أغادرك بعد أن قدّمت لك نصيحتي.
  • أنا: تريّث لو سمحت ثمّة سؤال يحيّرني منذ لحظة مثولك أمامي.
  • الشاب: ما الذي يحيّرك؟
  • أنا: كنت قد درّستني منذ عشرين عاماً وقد انصرم من عمري أربعة عقود الآن أما أنت فلا زلت شاباً كما عرفتك منذ ذلك الزمان.
  • الشاب: أنا العقل الذي يعود على نفسه كلّ لحظة ليجدد سقايتها ورعايتها وشبابها، أنا لا أشيخ يا بنيّ، ولأنني لاحظت علامات الهرم عليك لأنك استغرقت واستهلكت بعضاً من طاقتك بانشغالات أربأ بك عنها قصدت زيارتك اليوم في هذا السرداب وبين الكتب والأبحاث.
  • تذكر يا بني الطفل الحلبي الذي يئنّ تحت أنقاض بيته المدمر بدون ذنب جناه وأعد النظر في كلّ ما تعرفه.
  • إلى اللقاء.

ألقيت الكتاب الذي كنت اتصفّحه أرضاً وأغلقت باب السرداب (المكتبة) وعدت أدراجي أتحسّس من جديد درجات الدرج القديم.

من جرائمكم سيولد فكر جديد وفلسفة جديدة ومفهوم للحزن جديد وللحب وللجمال وللحق.

من جرائمكم سيولد جيل جديد يعرف معنى الجريمة، ويعرف معنى الشرّ معرفة لم تكن جزءاً من تكويننا وفهمنا نحن للعالم ومواضيعه.

من جرائمكم سيبزغ معنى جديد لحبّ الأب لطفله ومفهوم جديد لانفطار القلب على فراق الأحبة، ومن أشلاء أطفالنا سنجمع ضلوعنا المحطمة ونبني منها جسراً نعبر من خلاله إلى الحرية والنصر والحياة.

رئيس التحرير

مشاركة