بيان حزب الشعب الديمقراطي السوري بذكرى انطلاق الثورة

38

ثورة العصر في عالم متخبط ومعاق، ويفتقر للقيادة
في الذكرى الخامسة للثورة، تبدو القضية السورية أشد صعوبة وأكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فبعد أن وضع الروس قدمهم الثقيلة على الأرض السورية كقوة احتلال، ثبتوا يدهم على الورقة السورية والملف السياسي، ليس في الشأن السوري وحده، إنما في مجمل قضايا المنطقة أيضاً. فأجروا تحولات ومعادلات جديدة في الوضع الداخلي، دفعت القضية السورية لتصبح إقليمية ودولية بامتياز، والصراع الجاري فيها ومن حولها سياسياً وعسكرياً صراعات الآخرين على أرضنا، وحروب بالوكالة تخوضها المليشيات الطائفية والمنظمات الإرهابية ووكلاء الأجهزة الدولية، بعيداً عن أهداف الثورة ومصالح السوريين وإرادتهم ومطامحهم بل في مواجهتها.
لم يكن ذلك براعة واقتداراً من الروس والإيرانيين، بمقدار ما هو نتيجة مباشرة لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية الانسحابية والمترددة والمتواطئة، والتي اتسمت بقدر كبير من النفاق والخذلان لقضية الحرية والديمقراطية في سورية، مثلما خذلت حلفاءها المقربين في المنطقة، وتركت فراغاً مغرياً للسياسات المأزومة وأحلامها الإمبراطورية وأوهام الحضور الدولي بسطوة القوة والعنف والهيمنة العسكرية والأيديولوجية بما يذِّكر بعصر الاستعمار. وكان للوضع العربي العاجز والمفوت دور في ترك أبواب التدخل الخارجي بشؤون المنطقة العربية مفتوحة ومشرعة أمام أطماع القيصر والولي الفقيه.
حمل العام الفائت معطيات يمكن أن نجملها فيما يلي:
1 – بدأت الثورة عامها الخامس بتصميم واضح على النصر. وشهد ربيع وصيف 2015 انتصارات لقوى الثورة في مناطق متفرقة من البلاد من جنوبها إلى شمالها، في اللاذقية وإدلب وريف حلب وسهل الغاب وغيرها من المناطق.
2 – اعترف النظام بهزيمته، وأعلن أنه لم يعد معنياً بسورية وشعبها، إنما بمنطقة يريد الدفاع عنها ويستطيع. وبدأ انسحابات أمام داعش وتسليمها مساحات واسعة ومواقع هامة ومستودعات أسلحة في تدمر مفسحاً المجال أمامها للتقدم نحو حمص ودمشق.وكان له هدف آخر، هو احراج المجتمع الدولي بالقول أن داعش تشكل الخطر الرئيسي في سورية، وأن عليه التعاون معه، في محاولة منه لتسفيه الأصوات التي تتعاطف مع الثورة.
3 – سارع الغزو الروسي لنجدة النظام ووقف انهياره. وعمل على مساعدته لتغيير ميزان القوى على الأرض أملاً في انعكاس ذلك على طاولة المفاوضات، كما ساعده على رسم معالم الكانتون الطائفي في الساحل وتأمين حمايته عبر القواعد البحرية والجوية التي أقامها. ورغم أن الغازي الروسي أعلن عن رغبته في محاربة الإرهاب وداعش التي أصبحت استثماراً رابحاً لكل الأطراف المعادية، إلا أن جهده الرئيس انصب على ضرب مواقع الثورة والجيش السوري الحر والتجمعات المدنية وخاصة الأسواق التجارية والمشافي والمدارس. وها هي تقارير منظمة العفو الدولية تزدحم بالفضائح والإدانة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الطيران الروسي.
4 – أنتج هذا الوضع تعقيداً في المشهد الإقليمي خاصة بعد الاشتباك الجوي التركي – الروسي، وتصميم ” عاصفة الحزم ” في اليمن على اقتلاع النفوذ الإيراني منه. إضافة إلى تفاقم الأوضاع السياسية والأمنية في كل من لبنان والعراق.
5 – للحضور العسكري الروسي المباشر والثقيل بالشأن السوري حضور مواز ومثيل في الملف السياسي. عمد الروس من خلاله – بنجاحات ملحوظة – إلى حرف العملية السياسية عن مسارها الصحيح ( بيان جنيف 1 لعام 2012 ) باتجاه ملاقاة رؤيتهم ورؤية إيران والنظام لهذا الحل. وعمدوا إلى تغيير الأولويات باتجاه ” محاربة الإرهاب “، وتقزيم عملية الانتقال السياسي من ” تشكيل هيئة الحكم الانتقالية كاملة الصلاحيات ” إلى ” حكم موثوق لا طائفي “، أي إلى شكل أقرب إلى المصالحة مع النظام، منه إلى ملاقاة أهداف الشعب ببناء نظام جديد وفق إرادة السوريين ومصالحهم. فكانت بيانات فيينا 1 وفيينا 2 خليطاً من الأفكار والآراء المتباينة للأطراف المؤثرة، وضعت بشكل ميكانيكي ومتجاور وغير قابل للتطبيق. وهنا سجل المجتمع الدولي وأصدقاء الشعب السوري الإقليميين والدوليين تراجعاً ملموساً عن مساندة الثورة.
6 – جاء سيل اللاجئين الذي بدأ يعبر سياج الموت وأمواجه باتجاه أوروبا طلباً لمكان آمن، ليضيف إلى القضية تعقيدات أخرى. وعوضاً عن بحث القضية من جذورها وقطع مسبباتها، تلهى العالم بالشأن الإنساني، وأبعدت أوروبا عن دورها السياسي ومسؤولياتها الدولية بمعالجة قضية خطيرة قابلة لمزيد من التفاقم والانفجار في منطقة على تماس مع حدودها التاريخية والجغرافية. وهكذا، حقق النظام والروس هدفهما الرئيسي، فأغرقا الدول الأوربية ومجتمعاتها بمصاعب أمنية وإغاثية مفاجئة، عبر القصف العشوائي المتعمد للسكان، وبمنتهى القسوة والوحشية.
7 – جاء مؤتمر الرياض لقوى الثورة والمعارضة السورية في إطار عزم دولي لعقد مؤتمر جنيف 3 والبحث عن حل سياسي على قاعدة الوضع الجديد في المنطقة. وأنتج المؤتمر ” الهيئة العليا للمفاوضات ” التي سمت وفدها المفاوض، وذهبت إلى جنيف تلبية لقرار مجلس الأمن الدولي 2254 لعام 2015، دون أن تنخرط في المفاوضات التي عُلِّقت بسبب عجز الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عن تحقيق التزامات النظام وحلفائه وفق البنود 12 و13 و14 من القرار وخاصة ما يتعلق بوقف القصف الجوي ورفع الحصار عن المناطق المحاصرة وإطلاق سراح المعتقلين. مما أكسب الهيئة تأييداً شعبياً وولاءاً من الفصائل المقاتلة لأدائها الجيد وتمسكها بمواقف الثورة وأهدافها.
8 – غير أن أخطر تجليات العام الماضي كانت في تسريب الأفكار والمخططات التقسيمية من السر إلى العلن. وبرزت من خلال ذلك أجندات أعداء الشعب السوري من إسرائيل إلى إيران إلى روسيا مروراً بعصابات النظام والميليشيات الطائفية التي استقدمها لحمايته والدفاع عنه. هذه الأجندات تريد أن ترى سورية دويلات طائفية ومذهبية وإثنية، أو كانتونات متجاورة ومتناقضة المصالح والأهداف ومتعادية. بدأ ذلك بأعمال التهجير والتغيير الديمغرافي الذي أنتجته براميل النظام والقصف الروسي، وساعدت عليه الهدن والمصالحات المحلية التي تمت في غير منطقة بتوجيه وإشراف إيراني مباشر. وتتابع بدعم حزب PYD وميليشياته ” قوات حماية الشعب الكردي ” في شمالي البلاد من قبل النظام والروس والأمريكان وتعزيز سلطته على المنطقة تحت ستار محاربة داعش. فسلوكها في الشمال السوري، وخاصة في منطقة الجزيرة وتل أبيض، التي مارست فيها تهجيراً عنصرياً، يستهدف بالدرجة الأولى تطهير هذه المناطق من سكانها الأصلين، مما يجعلها أداةً لتنفيذ الأجندات الدولية المشبوهة التي تعمل على تقسيم سوريا، أو على الأقل تحويلها إلى كانتونات من شأنها أن تعقد الحل السياسي في سوريا، وهذا يصب في خدمة النظام والمشاريع الروسية والإيرانية. وهذا يفسر أيضاً دور الراعي الروسي لمشروع تفتيت سورية والمنطقة، ليسوق ” سورية الفيدرالية ” على لسان مساعد وزير خارجيته مؤخراً.
الثورة السورية اليوم مستفردة ومحاصرة. وهي بحاجة إلى دعم أصدقاء الشعب السوري، مثل المملكة العربية السعودية ودول الخليج وتركيا وبعض الأصدقاء العرب والأوربيين . وعلى السوريين أن يتكلوا على الله وعلى أنفسهم، ويعيدوا النظر بمساراتهم السياسية والعسكرية بكل ما تستوجبه من تغييرات ملموسة في التكتيكات والعمل اليومي والعلاقات البينية ومع الآخرين. ومن المؤكد أن الثورة وطاقات الشعب الكامنة ستجيب على هذه التحديات في إطار المواجهة المستمرة من أجل سورية المستقبل. فالنظام مات وانتهى وبقي بعض فلوله، وليس لإرادة الآخرين ومصالحهم أن تتقدم على إرادة شعب عظيم، مازال أبناؤه يتظاهرون بين ركام المدن الشهيدة في المعضمية وداريا وغوطة دمشق وحلب وغيرها من المدن والمواقع، ويرفعوا راية الحرية والكرامة من قلب الحصار، وينتزعوا إعجاب العالم واحترامه.
دمشق في 15 / 3 / 2016
اللجنة المركزية
لحزب الشعب الديمقراطي السوري

مشاركة