بيان: الثورة السورية في ذكراها السادسة، مازالت مستمرة: اعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي

96

    في الثامن عشر من آذار الجاري تطوي ثورة الشعب السوري العظيمة ثورة الحرية والكرامة عامها السادس وتدخل عامها السابع. ثورة قدمت من التضحيات ما لم يقدمه شعب آخر في صراع سياسي داخلي في مواجهة نظام مستبد طغياني من هذا النوع. لم يتورع عن قتل أكثر من نصف مليون، وهجر داخليًا وخارجيًا ثلاثة عشر مليونًا، ودمر أكثر من نصف البلاد وبنيتها التحتية، ولم يوفر سلاحًا ولا وسيلة قتل، إلا واستخدمها. ولم يترك ميليشيا أو دولة مستعدة للتدخل إلا واستقدمها. رهن البلاد، وأصبح هو رهينة بيد الدول التي تدخلت، وأصبحت دولًا محتلة بكل ما يعنيه الاحتلال. ومازال مصرًا على حلوله الأمنية والعسكرية  وعلى ادعاءاته الواهية  بالسيادة وكل ذلك من أجل الاحتفاظ بسلطة لم يعد قادرًا على حكم  سورية بموجبها. لكنه بالمقابل نظام محمي إقليميًا ودوليًا بحكم الدور الوظيفي الذي أنيط به في الإقليم، وحكم بغطائه الشعب السوري بقوة القهر أزيد من أربعة عقود، ولم يتوان حلفاؤه وحماته وغاضوا الطرف عن جرائمه لحظة عن تأجيل هزيمته في أكثر من محطة، والبحث عن حلول تخرجه من مأزقه، لكنها ثورة مازالت مستمرة، وستبقى كذلك مهما عظمت التضحيات.

   لقد سعى النظام إلى تدويل القضية السورية من سنتها الأولى، فتدخلت ايران بميليشياتها اللبنانية والعراقية والأفغانية وحرسها الثوري، وعندما عجزت، تدخلت روسيا بأساطيلها الجوية والبحرية وبعض التواجد لقطعات برية، ثم بذريعة محاربة الإرهاب  وقد سبقه داعش ثم النصرة، هناك تدخل أميركي تزداد وتيرته مع الإدارة الجديدة‘، وتدخل تركي وخليجي وأوربي بأشكال مختلفة منها العسكري المباشر أو غير المباشر، واصبحت سورية ساحة صراع دولي وإقليمي محتدم على النفوذ، الأمر الذي يجعل أي حل سياسي دبلوماسيا جاء أو معتمدًا الحروب  بالأصالة كانت أو بالوكالة. محكومًا بنتيجة هذا الصراع  بين هذه الدول.

    لم يستطع المجتمع الدولي ممثلًا بالأمم المتحدة، أن ينجز حلًا حتى الآن، ومن الصعب أن ينجزة وفقًا للإصطفافات الدولية القائمة، على الرغم من القرارات الأممية المتتالية بدءًا بجنيف1 لعام 2012 وحتى القرار 2254 لعام 2015 ومن مؤتمرات جنيف الثانية والثالثة والرابعة الفاشلة. وجل ما أحرزه المندوب الأممي في الجولة الرابعة التوافق المبدئي على جدول أعمال بسلاله الأربعة (الانتقال السياسي، الدستور، الانتخابات، والإرهاب) للجولة الخامسة المقررة في الثالث والعشرين من آذار الجاري. ومازال الفيتو الروسي والصيني، يشل مجلس الأمن الدولي  عن القيام بواجبه بحفظ الأمن والسلم الدوليين المنوطين به وفق ميثاق الأمم المتحدة، والذي استخدمته روسيا للمرة السابعة مطلع الشهر الجاري حيث طالب بمعاقبة المسؤولين بالنظام السوري عن جرائم الكيماوي. إن أطراف التفاوض والدول المعنية ماعدا روسيا باتت على قناعة بأن مسار جنيف برمته هو لتقطيع الوقت، والجميع ينتظر موقف الإدارة الأميركية الجديدة تجاه سورية والمنطقة ليرتب أوراقه وفقًا لها.

   إن روسيا التي تدخلت في سورية بناءً على طلب ايران والنظام، ولم يكن لها تلك المصالح الكبيرة في سورية التي تستدعي مثل هذا التورط، لكنها أرادته بشكل أساسي ورقة للمساومة مع الغرب لتسوية ملفاتها  الكثيرة العالقة معه ، واستخدمت من القوة نوعًا وكمًا فوق ما يتطلبه مستوى الصراع، فقتلت ودمرت وتحملت وزرًا أخلاقيًا وسياسيًا في نظر المجتمع الدولي كانت في غنى عنه، جل ما أنجزته تدمير حلب الشرقية وتهجير مئات الألوف من سكانها ، ولم يحقق نصرها ذاك تحولًا استراتيجيًا في مجرى الصراع، سوى أنه جعلها  قوة احتلال.

هذا الانتصار المرحلي المكلف في حلب، حاولت استثماره سياسيًا عبر تسويق حل بعيدًا عن مسيرة جنيف ومرجعياتها يتوافق ورؤيتها، بعد أن اتفقت وتركيا على إعلان وقف لإطلاق النار بتاريخ 29 /12/2016، لم يلتزم به النظام ولا الميليشيات الإيرانية، ولم تحترمه روسيا الضامنه التي استخدمت طيرانها كلما تعثرت حرب النظام في جبهة من الجبهات. لقدعقدت مؤتمرات أستانا 1 و2 و3 للفصائل المسلحة دون نتائج، فالفصائل المعارضة ترفض بحث قضايا سياسية في الأستانة، إلا أن الروس يسعون إلى دفعها إلى القبول بمجلس عسكري انتقالي مشترك بديلًا عن هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية. التي نص عليها جنيف1،  ولعل موقف الإدارة الأميركية شبه المتجاهل لمسيرة أستانه، بدد الطموح الروسي بإمكانية أن تفضي مسيرة أستانة إلى نتائج يعتد بها.

    تمر إيران في هذه المرحلة في أكثر الموقف  خطورة وحرجًا. فبعد عقد ونيف من الدلال وغض الطرف الأميركي عن سياساتها التدخلية والتوسعية في المنطقة سواءً بسبب الخدمات التي قدمتها للأميركان إبان غزوهم لكل من أفغانستان أو العراق، أو نتيجة لتلهف إدارة آوباما بانجاز الاتفاق النووي، تبدو الإدارة الأميركية الجديدة مصممة على قطع أذرعها الميليشاوية المنتشرة في دول المنطقة ومنها سورية، ووقف تدخلها في الإقليم وباتت تعتبرها الداعم الأكبر للإرهاب في المنطقة وتهديد استقرارها. كما أن ايران قلقة من التقارب التركي الروسي خاصة وأن القوات التركية أصبحت في مواجهة مباشرة مع ميليشياتها في منطقة الباب. إلا أن العامل الأهم هو التحرك الإسرائيلي، فبعد أن  صمتت ست سنوات  تجاه ما يجري في سورية دون أن تكون بعيدةً عنه، أبلغ  نتنياهو بوتين، بأنهم لن يسمحوا باستبدال الميليشيات الإيرانية  بداعش على حدودهم. والسؤال الذي يطرح نفسه هل ستواجه إيران هذا التطور وكيف؟، بعد أن تكلفت ما تكلفته في سورية ولبنان واليمن والعراق، أم أنها ستؤثر الحفاظ على نظامها المأزوم، وتتجرع السم مرة أخرى، وما هو تأثير انسحابها على تطورات القضية السورية.

بغض النظر عن التهديدات الحذرة التي يوزعها المسؤولون الإيرانيون، واستنادًا إلى براغماتية السياسة الإيرانية، فإن الموقف الإيراني سيحدده التوافق الأميركي الروسي من عدمه. فإيران لا تستطيع خوض مواجهة من هذا النوع وهي مكشوفة استراتيجيًا، ويرجح أن تختار الانسحاب وعدم المواجهة لا في اليمن ولا في سورية، لكنها قد تعاند في العراق نظرًا لوجودها الثقيل وامتدادها الشيعي فيه. الثورة السورية ستكون مستفيدة من هكذا تطورات إذا تخلصت من عدو محتل وطامع  كالعدو الإيراني.

    لا يبدو أن حلًا سياسيا تحت اليد أمام القضية السورية، على الرغم من أن تداعياتها باتت مشكلة للإقليم ودول اللجوء، تقتضي استعجال الوصول إلى مثل هذا الحل، إلا أنه يتطلب توافقًا دوليًا وإقليميًا واصطفافات جديدة وتحالفات جديدة  وراسخة بين الدول المتدخلة،  غير متوفر حتى الآن. وإلى أن يحين آوانه، على المعارضة السورية ذات التمثيلية، أن تعيد ترتيب أمورها، وأن تتجاوز مشكلاتها الداخلية بتقديمها الخيار الوطني الجامع على مصالح القوى السياسية أو حتى الأفراد، كما أنها والمعارضة المسلحة غير مضطرة للخضوع للضغوط التي تمارسها الأطراف الخارجية عليها، وألا تخشى تسويق  الروس لمنصات المعارضة الأخرى لأنها خلبية، فجميع الأطراف بحاجتها أكثر مما هي بحاجتهم، فلا أحد يستطيع انجاز حل بدونها. وسوف يكون خطأً قاتلًا أن تنجر الفصائل المسلحة أو بعضها خلف الخدعة الروسية بالقبول بمجلس عسكري بديلًا عن هيئة حكم انتقالية، لأنه سيشكل طيًا للمرجعيات الأممية، ونسفًا للعدالة الانتقالية، وفرصة أمام نظام الاستبداد لإعادة انتاج نفسه.

تحية لأرواح الشهداء

عاشت سورية حرة وديمقراطية

دمشق في 17 /3/2017

الأمانة العامة لإعلان دمشق

           للتغيير الوطني الديمقراطي

 

 

تحميل (DOCX, 18KB) الى جهازك لتصفحه لاحقا

مشاركة