بيان: الأستانة وما بعد سقوط حلب: الأمانة العامة لإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي

171

بناءً على قرار دولي غير معلن غايته إجبار المعارضة على الدخول في التسوية السياسية التي تريدها الدول الفاعلة في الصراع الدائر في سورية، تمكن النظام وحلفاؤه من الميليشيات الإيرانية وبدعم من الطيران الروسي، أن يسيطر على حلب الشرقية، بعد حصار خانق دام خمسة أشهر، وبعد أن دمرها الطيران الروسي بشكل وحشي، وقتل الآلاف من سكانها وهجرهم بشكل قسري، في واحدة من أكبر جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي شهدتها البشرية ما بعد الحرب الكونية الثانية.

لقد صمدت حلب في وجه القصف الجنوني الروسي الذي استخدم كل أنواع الأسلحة المحرمة دوليًا في تدميرها، وصمدت في وجه الحشد الميليشاوي الشيعي الذي تدعمه وتقوده ايران إلى جانب قوات النظام التي كان دورها ثانويًا، لكن كان يمكن لحلب والمقاتلين المحاصرين داخلها أن يصمدوا أكثر، وأن يكبدوا الغزاة خسائر أكبر، لولا عاملين اثنين كان لهما دور مؤثر في النتيجة التي آلت إليها الأمور. أولهما تغير المعادلات الإقليمية الفاعلة لجهة الموقف التركي، الذي افرز معطيات جديدة بعد المصالحة التركية الروسية الصيف الماضي. من غير المعروف حتى الآن حدود وأبعاد هذا التغير وأثره على الثورة السورية. كذلك الصمت السعودي المطبق هو الآخر لم تعرف أسبابه وكوامنه بعد، وربما هو في جزء منه انتظار ما ستؤول إليه الأمور ما بعد الأستانة. أما العامل الثاني فيتعلق بتشتت قوى المعارضة وصراعاتها البينية المعلنة أو الخفية التي تخفي صراعًا على النفوذ، أو واجهة لخلافات الدول الداعمة وتباينات مصالحها وسياساتها.

بعد حلب أصبحت سورية تحت احتلال مباشر ومزدوج روسي وإيراني، وقد توهمت قوتا الاحتلال وخلفهما النظام، أنهم بتدمير حلب الشرقية وتهجير سكانها، أنجزوا نصرًا كبيرًا، وأنهم وجهوا ضربة قصمت ظهر الثورة السورية، وراح كل طرف منهم وحسب أهدافه يحاول استثمار ذلك سياسيًا. فسارعت موسكو بالدعوة لمفاوضات سياسية بين النظام والمعارضة في العاصمة الكازاخية الأستانة في محاولة ارتجالية لإنجاز حل يوافق رؤيتها، تفرضه كأمر واقع أمام الإدارة الأميركية الجديدة، التي لم تتضح سياستها بعد تجاه القضية السورية والصراع الدولي والإقليمي المحتدم عليها منذ سنوات، عله يفتح لها باب المساومات المغلق مع الغرب حول ملفاتها الكثيرة والشائكة معه.

يرجح أن التفاهم الروسي التركي لأخير قد يكون مؤقتًا ووليد الاضطرار، فتركيا التي أصبح وضعها الأمني هشًا، تريد مساعدة الروس في تبريد الخطر الكردي في داخلها وعلى حدودها الجنوبية، في حين أن روسيا تريد من تركيا أن تكون متكًأ لها في فرملة انزلاقها في المستقنع السوري، الذي غاصت فيه أكثر مما كانت تريد. من هنا فإن موسكو على عجلة من أمرها، وتشاركها تركيا هذا التوجه، في حين أن إيران والنظام يصران على الحسم العسكري، لكنهما غير قادرين على الوقوف في وجه الاندفاعة البوتينية ‘مرحليًا على الأقل ‘هذه العجلة الروسية، تعكس إرباكا  يدلل على عمق مأزقها أكثر مما تعكس ثقة بأنها أنجزت أهدافها. فالثورة التي خسرت حلب بفعل القصف الروسي، وكانت ولاشك ضربة موجعة، لكن الضربة التي لا تقصم ظهرك تقويك، دلائل هذا الإرباك أن الدعوة إلى اجتماع الأستانة  مازالت مبهمة، كذلك تجاهلها القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري، و تجاهلها أيضًا للمعارضة السورية التمثيلية، على الرغم من أن  روسيا عادت لتؤكد أن الأستانة هي محطة للبحث في الشأن العسكري والميداني، وأن المفاوضات السياسية ستتم في جنيف برعاية الأمم المتحدة ومرجعية القرار 2254 وجنيف1، وبما أنه لا يوجد من يأخذ تصريحات المسؤولين الروس على محمل الجد، لأنهم لم يصدقوا – كما بينت التجربة- بأي تصريح لهم يتعلق بسورية ، فإن الجميع ينتظر ما ستسفر عنه الأسابيع القادمة، وريثما تتضح مواقف الدول المعنية بهذا الصراع. سيكون من السذاجة إذا اعتقدت روسيا أنها تستطيع خلسة إنجاز حلها لهذا الصراع المعقد بعيدًا عن إرادة الغرب وأميركا وإرادة الشعب السوري، الذي ضحى بمئات الآلاف من أبنائه ثمنًا لحريته المنشودة!، وهي التي عجزت على مدار ثلاث سنوات من فبركة معارضة سورية تقبل برؤيتها للحل، وسنة ونيف من القصف المتواصل عن حسم الصراع بقوتها الهائلة التي أحضرتها إلى الميدان.

أعلن الرئيس الروسي عن الاتفاق مع تركيا على وقف لإطلاق النار في كافة الأراضي السورية، اعتبارًا من الدقيقة صفر ليوم 30/12/2016، ويستثني داعش وفتح الشام باعتبارهما مصنفتان كتنظيمين إرهابيين من قبل الأمم المتحدة، وأنهما سيكونان ضامنين لتنفيذ هذا الاتفاق، كما وقع عليه ثلاثة عشر فصيلًا معارضًا. إن أي وقف لقتل السوريين شيء جيد ومطلوب، وهو فرصة أمام قوى الثورة لمراجعة وترتيب أوضاعها، كما أنه سيفتح مجالًا لعودة الفعاليات الشعبيه، أقله في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، لكنه أيضًا يمكن أن يفتح الباب أمام صراع جديد بين قوى المعارضة المسلحة كما سيؤدي إلى بروز اصطفافات وانشقاقات جديدة قد تكون مؤذية للثورة. سيكون الاتفاق الروسي التركي اختبارًا صعبًا لضامنيه، فهل ستستطيع موسكو ضبط حليفيها إيران والنظام؟. فإيران كانت غائبة عن هذا الاتفاق، ومرجح أنها ستحاول إفشاله، بخاصة وأن كل الخروقات التي سجلت في وادي بردى والغوطة الشرقية، نفذتها ميليشيات تابعة لإيران بمساعدة طيران النظام. كما أن هذا الاتفاق، قد يخلق مشكلة في التمثيل السياسي للمعارضة، فقد أصدرت الفصائل الموقعة بيانًا، تعلن فيه عن نيتها تشكيل وفد مفاوض سيكون حاضرًا في الأستانة دون أن يتطرق لهيئة المفاوضات المنبثقة عن الرياض. وهذا التصرف يصب في خانة التسريبات عن أن مؤتمر الأستانة سيحاول الاتفاق على تشكيل مجلس عسكري من المعارضة المسلحة والنظام، يكون موازيًا لهيئة الحكم الانتقالية كاملة الصلاحيات التي نصت عليها القرارات الدولية، ويتحكم بمؤسستي الأمن والجيش اللتين يحرص عليهما الروس وغيرهم.

بعد حلب كما قبلها، فإن الثورة السورية العظيمة باقية ومستمرة حتى إنجاز أهدافها في الحرية والكرامة وحتى اسقاط النظام، الذي قتل أبناءها، وهذا ما أكدته المظاهرات  الأسبوعية التي تلت إعلان وقف إطلاق النار وعمت الكثير من المناطق مدللة على أن الثورة ستبقى حية ، قد تتبدل أشكالها ووتيرة فعالياتها لكنها باقية، وهذه رسالة واضحة لكل قوى الثورة السياسة والعسكرية بألا تجري خلف الأوهام التي تظهر في طريقها، وألا تخضع مشروع الثورة لأجندات الدول التي تتغير باستمرار،  وأن تعيد النظر بآليات عملها ورص صفوفها  وتدقق في تحالفاتها وفقًا للتغيرات في المواقف الدولية والإقليمية،  فالطريق مازال طويلًا لأن  هذا الصراع بات منذ زمن بعيد صراعًا إقليميا ودوليا ساحته سورية، كما أن كل التحالفات والاتفاقات التي تشهدها المنطقة في هذه المرحلة هي اتفاقات مرحلية وهشة، وغير مرشحة للصمود في وجه التجاذبات الدولية وصراعات النفوذ.

تحية لأرواح الشهداء

عاشت سورية حرة وديمقراطية

دمشق في 19 /1 / 2017                                         الأمانة العامة لإعلان دمشق

للتغيير الوطني الديمقراطي

مشاركة