بيان إعلان دمشق في الذكرى الخامسة للثورة: الثورة السورية تدخل عامها السادس

44

في الثامن عشر من آذار، تكون ثورة الحرية والكرامة التي خرج بها الشعب السوري على مستبديه، قد طوت عامها الخامس ودخلت سادسه وهي على عنفوانها الأول، لم ترهبها البراميل ولا التدمير والقتل والتهجير، كما لم تزعزع إصرارها على النصر…

تدخلُ مرتزقة الأرض والميليشيات الطائفية البغيضة من إيران والعراق ولبنان وغيرهم ثم تتويج ذلك بالاحتلال الروسي وقصفه الهمجي للمدنيين على امتداد الأرض السورية دعماً لنظام لم يترك سبيلاً للإجرام بحق هذا الشعب العظيم إلا ومارسه، لم يحبط إصرار شعبنا، كما لم يحبطه تجاهل المجتمع الدولي والدول الفاعلة فيه لمأساته، وتقديم مصالحها الخاصة وصراعاتها الدولية وحساباتها الآنية على فاتورة الدم السوري وحق الشعب السوري في الحياة والحرية.

في هذه الذكرى برزت معطيات وتحولات دراماتيكية في الظروف التي تحيط بالثورة، تستدعي الوقوف عندها ويمكن أن تتيح البناء عليها بما يخدم الثورة وغاياتها في دحر الاستبداد وطرد قوى الاحتلال ومنها:

أولاً: إن التدخل الروسي الذي مضى عليه خمسة أشهر ونيف، وتسبب بدمار هائل وهجرة كثيفة من المناطق التي طالها القصف، واستخدام الروس للهجرة القسرية سلاحاً للضغط على الأوربيين وابتزازهم، لهذا وغيره، حوَل القضية السورية إلى معضلة تؤرق المجتمع الدولي والإقليمي، كما أضحت سوريا مع ارتفاع وتيرة العنف بؤرة متفجرة، يمكن أن يتطاير شررها على نطاق واسع. من هنا فإن القوى الدولية الفاعلة وعلى الرغم من أن التناقض في مصالحها مازال قائماً، باتت تدفع نحو إسدال الستارة على هذه المأساة الإنسانية الفظيعة، وما صدور القرارين الدوليين 2254 و2268 سوى محطات ذات دلالة على هذا الميل.

ثانياً: إن حاجة المجتمع الدولي الملحة إلى الحل قبل أن تجد التناقضات في المصالح والرؤى بين الدول المعنية بالملف السوري طريقها إلى الحل، سوف يترك ولا شك نوعاً جديداً من التناقضات والتعقيدات للقضية السورية ينضاف إلى تعقيدها إذا لم يجر تداركه، كما أن بروز ظاهرة ما يمكن أن يدعى “احتكار الحل” من قبل روسيا وأمريكا اللتين أمسكتا بالقضية السورية، وتجاهلتا الأطراف الأخرى، سوف يزيد من حالة القلق لدى الدول الإقليمية والدول الأوروبية وهو ما يدفع إلى تقارب سعودي ــ تركي وتقارب خليجي ــ تركي ــ أوروبي.

ثالثاً: إن الحلول الأمنية التي انتهجها النظام السوري في مواجهة الثورة، ودوره الوظيفي المناط به في المنطقة والذي حماه حتى الآن، وتلاقيه مع مشروع الهيمنة والنفوذ الإيراني الذي يعيث تخريباً في المنطقة العربية، دفع نحو تدويل قضية الشعب السوري، واستنفر هواجس الإقليم وربط بين توتراته وحروبه وثوراته في اليمن وسوريا والعراق ولبنان وتركيا، واستدعى أحلافاً ومحاور، لذلك ونظراً للتعقيدات التي انطوت عليها القضية السورية، فقد أضحى من الصعب إنجاز حل سياسي في سوريا دون حل بقية الملفات المترابطة في المنطقة. فهل يكون القرار الروسي المفاجئ بالانسحاب من سوريا جزءا”من تسويات أخرى يجري إنضاجها؟!.

رابعاً: إن استغلال الروس للوضع السوري وحاجة النظام المتهاوي إلى حمايتهم ودعمهم، من أجل مصالحهم كما ادعوا على حساب الدم السوري علماً أنه لا توجد لهم في سوريا تلك المصالح التي يعتد بها ويمكن أن توازي الحماقات الكبرى التي يرتكبونها بقتل المدنيين العزل وتهجيرهم وتدمير الحواضر السورية، دون أن يستطيعوا حتى الآن تحقيق تغيير استراتيجي في موازين القوى على الأرض لصالح النظام، إضافة لما سببه تدخلهم من ضرر في علاقاتهم مع كل من تركيا ودول الخليج وأوروبا.. يطرح تساؤلات قد يجيب عنها المستقبل حول دوافع الدور الروسي وقد يتبين أنه كان دورا” ينطوي على قابلية التأجير.

خامساً: مما لا شك فيه أنه كان للقرار الروسي بالانسحاب من سوريا وقع المفاجأة على جميع الأطراف، تماما كما تدخلهم، وستكون له تداعياته، ويمكن ملاحظة أنه قبل هذا القرار، ركزت التحليلات السابقة على المغريات التي دفعت بالروس إلى التدخل وهي ما تزال صحيحة، لكن الدور الأكبر كان لأمريكا في التشجيع على هذه المغامرة الروسية. إلا أن الأهم وبحكم تعقيدات الواقع السوري، وتطورات الثورة فقد تأكد الخبراء العسكريون الروس ميدانيا، من أن محاولتهم لإنقاذ نظام متهاوي هي محاولة مستحيلة، خاصة وأن الروس مددوا عملياتهم ثلاثة أشهر بعد انتهاء الأولى في وقت لا يحتمل فيه الاقتصاد الروسي تكاليف حرب مفتوحة.

أما ما بعد القرار فقد اتضحت رغبة روسية بالمساومة مع الغرب خلال قمة الأوربيين مع بوتين وخلال مؤتمر باريس ربما حول العقوبات أو أوكرانيا أو تمدد الأطلسي شرقاً أو قضايا أخرى. لكن المؤكد أنه سيكون لهذا القرار ما بعده من مفاعيل تجعل الوضع السوري مختلفاً عما قبله، وبانتظار التطبيق العملي لهذا القرار واتضاح مدى التزام الروس بالانسحاب. فإنه من المفيد الأخذ بجانب الحذر لجهة الاستنتاج؛ فهل سيبقى الروس على تمسكهم السابق برأس النظام؟ وفي حال عدم تمسكهم، ما هي التداعيات داخل النظام وكيفية مواجهته للمعارضة بدون الروس؟. بذات الأهمية سوف تتضح قوة الموقف الأوروبي في مواجهة التفرد الأمريكي الروسي بالقضية السورية، كذلك انعكاسه على موقف إيران التي ظهر ارتباكها كما لو أنها فعلا تفاجأت.  وفي المرحلة التالية هل سيخف الضغط على تركيا؟ وكيف سيتطور الموقف السعودي ؟.

سادساً: على الصعيد الداخلي فإنه وبناء على قرار مجلس الأمن رقم 2268 والهدنة المؤقتة والهشة التي أعلنت، وشكلت إيذانا” للدخول في الحل السياسي وعلى الرغم من التدخلات السلبية لبعض الأطراف الفاعلة وتهديداتهم بالفيدرالية أو التقسيم، فقد أنبأت عن ظاهرتين إيجابيتين حملتا معان ودلالات ورسائل، ولا يمكن المرور عليهما عفو الخاطر. فأولهما عودة الوحدة على نحو أفضل بين الفصائل العسكرية المعتدلة والقوى السياسية الديمقراطية ممثلة بهيئة المفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض وتفويضها بالحل، وهذا أفشل إلى حد بعيد التدخلات التي سعت إليها بعض الأطراف. وثانيهما: أنه وعلى الرغم من كل العنف والجرائم التي ارتكبها النظام وحلفاؤه، فإن اليأس لم يدخل إلى نفوس السوريين الذين خرجوا للتظاهر في كل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وأكدت لافتاتهم وشعاراتهم على أهداف الثورة وإسقاط النظام، لقد أعادوا للثورة ألقها الأول وأكدوا للعالم أنهم لن يتراجعوا عن الحرية والكرامة التي ثاروا من أجلها، وفي هذا السياق من المفيد التأكيد، أن هيئة التفاوض المنبثقة عن الرياض، كانت وما زالت موفقة في إدارة المفاوضات وتمسكها بأهداف الثورة والتزامها القرارات الدولية جنيف1 والقرار رقم 2254 بالأخص الفقرات 12 و13و14 والقرار 2268، لكن تبقى الخشية قائمة من محاولات الفصل بين المسارين العسكري والسياسي، إذا ما تطورت الهدنة إلى وقف دائم لإطلاق النار من طرف واحد، دون أن يتقدم الحل السياسي والوصول إلى هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات. تماماً كما يثير الريبة، تجاهل الإشارة إلى هيئة التفاوض المنبثقة عن مؤتمر الرياض، الذي تعمده التفاهم الروسي الأمريكي بالقرار 2268، ومثل ذروة التراجعات في الموقف الدولي منذ فيينا عن قرار جنيف1.

إن تطورات الأحداث، توحي بمحاولات أكثر جدية لإنجاز حل سياسي للقضية السورية من غير المؤكد نجاحها لكن رسالة السوريين واضحة لا لبس فيها كررتها حناجرهم بعد خمس سنوات من التنكيل والقتل، ومفادها أن أي حل، لا يتضمن تحقيق أهداف الثورة ورحيل الأسد وزمرته محكوم بالفشل، أما نحن في إعلان دمشق  فإننا نرى أن النظام قد انتهى وما تبقى منه فلول تدعمها ميليشيات طائفية، وبالأهمية ذاتها، يجب أن يتضمن الحل عنصرين أساسيين هما وقف القصف الهمجي للمدنيين، لما يسببه من قتل ودمار وتهجير، كما والنص الصريح على خروج كافة القوى الأجنبية الغازية من الأراضي السورية وضمان عودة آمنه للاجئين.

 

تحية لأرواح الشهداء

عاشت سوريا حرة وديمقراطية

                                                دمشق في 17 / 3/2016

                                              الأمانة العامة لإعلان دمشق

                                               للتغيير الوطني الديمقراطي

 

مشاركة