انقلاب آستانة والحل السوري المؤجل: سميرة المسالمة

53

بعض المصطلحات التي يستخدمها ديبلوماسيو دول الصراع على سورية، ومنهم محور روسيا وإيران وتركيا، ضبابية ومضللة واستفزازية، في آن معاً، ذلك أن سورية التي ترزح اليوم تحت احتلالات متعددة ومتنوعة ومتباينة الأهداف هي، بنظر شركاء آستانة، «دولة ذات سيادة»، على رغم أن جيوشهم (مع غيرهم) تصول وتجول فيها، وعلى رغم أن التصعيد في «مناطق الاقتتال»، التي شهدناها خلال عام كامل بأعنف مظاهرها، وبمستويات أشد من تلك التي شهدناها خلال سنوات خلت، يتناقض تماماً مع ادعاءاتها عمّا تعتبره مناطق «خفض تصعيد» متفق عليها ويجدر الالتزام بها.

وفي حين لا ينقص وصاية هذه الدول على مناطق نفوذها داخل الأراضي السورية، وحتى على التحكم بالقرار السياسي للنظام، من سيادة الدولة، فإن الدول المذكورة، لا سيما روسيا وإيران، لا تنكر أيضاً أن هذه المناطق مجرد محطة على طريق التسوية، حيث ستعود في نهاية المطاف لنفوذ النظام السوري، بعد انتهاء مفاعيل هذا «الإجراء الموقت»، أي أن لا شيء يمكن الاعتماد عليه في ظل اتفاقات آستانة على أنه الشكل النهائي لخارطة سورية، كما أنه لا يمكن الارتكان في شرح مفردات، ومصطلحات هذه الاتفاقات، إلى المفاهيم العامة المتداولة بين علماء «فقه السياسة»، فهي في بيانات اجتماعات آستانة «علم قائم بذاته ولذاته»، لا يصلح استخدام مفرداتها او تعميم مفاهيمها خارج التفسير الروسي، أو الفهم الإيراني، أو الإدراك التركي.

هكذا فإن اجتماعات آستانة تقدم نموذجاً جديداً من الاستهتار، في طرق تعاطي هذه الدول الراعية لما سمي اتفاقات «خفض التصعيد»، مع المأساة السورية، حيث هم الضالعون بأسبابها ومآلاتها ونتائجها، وحتى في استعصائها. ففي الوقت الذي يؤكد فيه شركاء مسار آستانة التزامهم -وفق بيانهم الصادر الثلثاء الماضي 15 أيار (مايو)- سيادة سورية واستقلالها ووحدة وسلامة أراضيها، فإنهم يعرفون أنه لم يعد يتوافر لسورية كل مقومات الحديث عن ذلك الاستقلال، بفعل وجودهم العسكري داخل أراضيها، سواء كان هذا الوجود بطلب من النظام/الحكومة، التي يسميها أنصار النظام (روسيا وإيران) بالشرعية، أو بطلب من المعارضة التي تراها (تركيا) الممثلة الشرعية للشعب السوري، وتحتضن أحد كياناتها «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة»، وتدعم فصائلها المسلحة التي تتشارك معها عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، وفق الأجندة التركية، التي ترى أن حماية حدودها من المشروع الكردي «الانفصالي» تبدأ من داخل الحدود السورية، وعلى عمق يتجاوز في بعض نقاطه 80 كيلومتراً، ما يبرر السؤال عن أي سورية مستقلة يتحدث هؤلاء؟

تستخدم روسيا وشركاؤها أدواتهم العنفية في فرض واقع ميداني جديد يسمح بتمرير مخططات تقاسم النفوذ الدولي على سورية، بما يترك الفرص متاحة لتسويات طائفية في دمشق وريفها وصولاً إلى حمص وحماه وطرطوس واللاذقية، ترضي من خلالها إيران، مع توافقات وتسويات قومية تبدد فيها مخاوف تركيا، سيما من وجود شريط كردي على حدودها، ونفوذ روسي يتحكم بمعابر سورية الجوية والبحرية، ويترك الباب مفتوحاً أمام تسويات من جهة مع الولايات المتحدة الأميركية، من باب الواقع السوري، ومن جهة ثانية مع الدول الأوروبية لإنهاء الملفات العالقة معها مقابل دور أوروبي على حساب الدورين الإيراني والتركي، وهو ما يجعل اتفاقات آستانة متحركة وقابلة للتغيير وفق مقتضيات المصلحة الروسية داخل سورية وخارجها.

إن التغييرات الميدانية التي أنجزتها اتفاقات آستانة وكان آخرها تسليم المناطق للنظام، في الغوطة والقلمون وريف حمص الشمالي، وعمليات التهجير القسري والتغيير الديموغرافي جميعها تبدو بمثابة إنجازات حقيقية لمحور روسيا، بالتعاون مع الطرفين المحليين المشاركين في التنفيذ، أي النظام المستفيد، والفصائل المسلحة» المحسوبة على المعارضة» المستسلمة، ولعل أهم وأخطر ما أنجزه مسار آستانة هذا لموسكو هو مؤتمر سوتشي، الذي فرض معادلة تسوية سياسية جديدة، أصبحت المعارضة السياسية أيضاً رهينتها، في مسارها التفاوضي الأممي في جنيف، وبهذا تكون موسكو حققت أمرين لازمين لتفريغ القرارات الأممية الصادرة عن مجلس الأمن حول الصراع السوري من مضامينها، خصوصاً في ما يتعلق بالانتقال السياسي، وإنهاء الحرب الدائرة في سورية على أساس بيان جنيف 1 والقرارات ذات الصلة.

لقد عملت روسيا بداية على تمرير القرار 2254 ليكون بمثابةً مرجعية أممية بديلة عن بيان جنيف1، وأجبرت المعارضة على تنفيذ التزاماتها المتعلقة بالقرار، من خلال بناء منظومة معارضة جديدة تستوعب أطيافاً قريبة منها كمنصة موسكو (هيئة التفاوض)، وفي حين تساهل المجتمع الدولي في التعاطي مع بنود القرار كاملة، والتي تتعلق بتنفيذ النظام لإجراءات بناء الثقة، ومنها موضوع اطلاق سراح المعتقلين، والالتزام بإيصال المساعدات لمستحقيها وفك حصار المدن، ما ترك الفرصة لروسيا بالتلاعب بالعملية السياسية برمتها، وقلب الطاولة على المعارضة، من خلال الانقلاب على مفاوضات جنيف السياسية، بمفاوضات آستانة العسكرية، حيث تم من خلالها نزع أسنان المعارضة السياسية، وإنهاء سلاح المعارضة العسكرية، لتتحول الفصائل إلى شرطة تنفيذية لاتفاقات دولية تعيد إنتاج النظام في مناطق خفض التصعيد تحت مسميات التسويات المحلية.

واليوم تتابع الفصائل المسلحة دورها المساند لمحور (موسكو، طهران، أنقرة) من خلال مؤتمر آستانة، وما يفرضه الواقع الميداني الذي صنعته تلك الفصائل بامتدادتها غير المدروسة على المدن، وإعلانها للمدن والمناطق «المحررة» كمناطق نفوذ تحت هيمنتها، من دون توفير البنية الخدمية اللازمة والضرورية لأهالي المناطق، ثم محاصرتها من قبلهم داخلياً، ومن النظام خارجياً، ما جعلها أي «المناطق المحررة» عبئاً على أهاليها، وسلاحاً بيد النظام يشد من خلال محاصرتها الحبل على رقاب السكان، ويخفف من أعباء التزاماته تجاه هذه المناطق، ليتمكن من التفرغ للقتال في مناطق أكثر أهمية له، مستفرداً بكل واحدة منها على حدة، نتيجة معرفته بواقع الخلافات الفصائلية في المعارضة وقدرته على الاستفادة منها في تأزيم العلاقة البينية بين المدنيين والمسلحين.

على ذلك فإن تأكيد بيان آستانة «الاسترشاد» بأحكام قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 لتعزيز عملية التسوية، من خلال تنفيذ توصيات مؤتمر سوتشي (عقد أوائل العام)، من أجل تهيئة الظروف لتسهيل بدء عمل اللجنة الدستورية في جنيف، تلك اللجنة التي تم تشكيلها في غياب المعارضة السورية، ووسط هيمنة الدول الراعية لآستانة، والشريكة في الانقلاب على مسار جنيف، لتصنع دستوراً لسورية «الدولة ذات السيادة»، وهي حقا السيادة المختطفة، بينما يحين موعد الحل السوري المؤجل أميركياً والمتفق عليه أوروبياً، وغير المستعجل طرحه أممياً، في انتظار ما تسفر عنه تفاهمات محور روسيا، لتقابلها تفاهمات محور الولايات المتحدة الأميركية، التي لن تكون لمصلحة أي من أطراف الصراع المحلية بل على حسابها جميعها نظاماً ومعارضات.

* كاتبة سورية

مشاركة