(انسحاب داعش من تدمر (دلالات ومآلات

7

بعيداً عن الخلاف الذي نشب بين قائل بانسحاب داعش من تدمر في مسرحية شارك التنظيم والنظام في إخراجها وقائل بانسحاب قسري تحت وطأة القصف الروسي العنيف على المدينة الأثرية، فإن لهذا الانسحاب الذي يرجح القصف الصاروخي الروسي الكثيف وقوعه وفق الاحتمال الثاني ويرجّح عدم استهدافه أثناء انسحابه الاحتمال الأول دلالات يجب سبرها والتزوّد بها كعدّة في المرحلة المفصلية القادمة.

التنظيم الذي سيطر على تدمر العام الماضي يراد أن يترك له حيز جغرافي يتحرك ضمنه ويفرغ فيه قدرا من طاقته التدميرية بعيداً عن الدول التي ترعى الحل السياسي في سوريا. ولكنّ انسحابه من المدينة الأثرية يمكن أن يكون عملاً عسكرياً مترافقاً مع بدء التفاوض الجدّي الروسي الأمريكي لفرض واقع عسكري وسياسي جديد من قبل الروسي يظهر فيه نظام الأسد شريكاً حقيقياً في الحرب على الإرهاب واستمراراً في فرض رؤيته للحل البعيد جداً عن رؤية المعارضة السورية والثوار السوريين.

يكمن خلف السلوك السياسي الروسي بنية ثقافة سياسية تبلورت عبر قرون طويلة تمتدّ إلى عصور القبائل السلافية الشرقية القديمة التي استوطنت في المنطقة وهي بنية تتّسم بسمات جوهرية من أهمها النزوع نحو تكبير حجم السيطرة إلى ما خارج الحدود الجغرافية التي يقطنها الروس وهي سمة مطابقة لطموح تنظيم داعش إلى رفع رايته حيثما مكّنته قوته.

والسمة الثانية التي أكدتها استبيانات أجريت مؤخراً في روسيا الاعتقاد لدى عموم الروس أن العالم يكن لهم الكراهية ويناصبهم العداء وهي سمة يلزم عنها التحفّز الدائم لزرع الخوف في قلوب هؤلاء المتربصين بالأمة الروسية، وهو ما يشبه الموروث الإسلامي الذي يستلهمه تنظيم الدولة والذي فحواه أن المجاهدين ينصرون بالخوف الذي يملأ قلوب أعدائهم منهم.

لا شك أن هاتين البنيتين الفكريتين المشابهتين في بعض سماتهما نتيجة تراكمات تعود إلى عصور وليست وليدة اليوم.

فليس صحيحا ان داعش صنيع بحت للنظام، وإن كان النظام قد ساعد في إخراجه من قمقمه وأنه ينسّق معه وفق سقف تفاهمات معين، فالأسس التي يقوم عليها التطرف موجودة في التراث الإسلامي كما أن البنية التي تؤطر السلوك الروسي لم تأخذ شكلها الناجز بين يوم وليلة وإنما بدأ تشكلها منذ قرون القبائل السلافية أسلاف الروس المعاصرين.

وإذا استطردنا في تقصي وجوه الشبه نجد أن الوصم بالضلال لدى داعش مسألة في غاية البساطة لأن المدونة النصية التراثية المعتمدة لدى داعش بالغة الضيق ومحكمة لا يعتري فهمها اللبس، وكذلك الوصم بالخيانة الوطنية في الثقافة السياسية الروسية بالغ السهولة فلكي تكون روسياً حقيقياً يجب ان تتكلم الروسية وتفكّر بها وتتشوّف إلى ما يتشوّف إليه الوجدان الجمعي (الذي له الأولوية على الوجدان الفردي في الثقافة السياسية الروسية) وأن تفرح بذكرى الانتصارات على الأقوام الأخرى وأصحاب الأديان الأخرى حتى لو كنت منتمياّ إليها.

أوجه التشابه هذه تستثمر من قبل الروسي ما دام التنظيم بعيداً عن حدوده لترويع الفرقاء من التنظيم، ولكبح الرغبة الأمريكية بانتشار قيم الليبرالية والتعددية في العالم ولإثبات أن صراع الحضارات الهنتغتونية واقع وأن نهاية التاريخ الفوكايامية وهم.

مطلوب روسياً في الفترة الحالية بقاء التنظيم في حيّز معيّن جغرافي في سوريا ليس فقط لإبعاد خطره، وإما لأن بنية ثقافته السياسية وسلوكه المتشابهين في بعض الأبعاد مع الثقافة السياسية الروسية والسلوك السياسي الروسي أداتان صالحتان للاستخدام من قبل حليف النظام الأسدي وهو بصدد البحث عن حل سياسي مع نظيره الأمريكي -الذي يمثل في الذهنية الروسية عدواً يحمّله الروس مسؤولية كبيرة في سقوط دولتهم العظمى- فوجوده يمثل ورقة تثبت أن نظام الأسد شريك فاعل في الحرب على الإرهاب من جهة ووجوده يثبت عجز قيم الديمقراطية والليبرالية الغربية عن الانتشار لأنها ليست إلا أداة للهيمنة الأمريكية في المنظور الروسي من جهة أخرى.

ومن الطريف أن أحد المحللين الروس يعقد مقارنة بين أوباما وأبي بكر البغدادي يخرج منها بنتيجة أن الرجلين متشابهان في رؤيتيهما وسلوكهما إلى حد التطابق فالاثنان يريدان هيمنة سلطتهما القضائية على العالم وفرض رؤيتيهما بالقوة، والاثنان يقتلان الناس بدون  وجه حق، والاثنان مسكونان بروح دينية قوية تبشر بالخلاص النهائي. ولا ينسى هذا المحلل الروسي وهو بصدد تعداد أوجه الشبه هذه أن يؤكد على اسم أوباما الثلاثي لكي يلفت النظر إلى اسم حسين ذي الإيحاء العربي الإسلامي النافر ويتناسى هذا المحلل أن هذه السمات نفسها تجعل هذه الصورة الداعشية مطابقة للأصل البوتيني.

ليس المهم فيما إذا كان النظام وداعش قد نسقا للانسحاب من تدمر ففي الإطار الأكبر حليف يتحرك في الشأن السوري باستلهام ثقافة سياسية شبيهة بثقافة داعش وهي لا يمكن أن تنسجم مع حل سياسي يساعد في تحقيق تطلعات السوريين في دولتهم الديمقراطية التعددية لأنه خصم حضاري في نظر نفسه لهذه القيم التي يستخدمها أوباما -شبيه البغدادي-ونظراؤه من الغربيين للهيمنة على العالم فلا مانع من إفساح حيز للصورة الداعشية لكي تعيق طموحات الأصل الأمريكي.

إن الممكن الواقعي اليوم ونحن بصدد التفاوض مع النظام هو الحرص على وقف المأساة السورية ومنع القضاء على جوهر الثورة السورية التي لا يأبه لها الأمريكي الذي لا يعنيه إلا خطر الإرهاب، ويصرّ الروسي على إجهاضها لأن بنيته الفكرية التي ذكرنا بعض خصائصها والتي أخرجها من القوة إلى الفعل صعود بوتين إلى السلطة بنية صلبة عصية على التصدّع، وقد وجدت في الحدث السوري فرصة أكثر من مناسبة لتظهير فعلها الذي لا يقبل بسقف الثورة السورية الذي ينظر إليه الروسي كسقف أكثر من عال.

مهما كان ضعف قوتنا كمفاوضين فإن مجرد امتلاك معرفة بذهنية حليف النظام الأقوى يمثّل أداة من أدواتنا لمقاومة ما يحاك من خطط لفرض واقع لا يقل بشاعة عن الواقع الذي ثار شعبنا عليه.

رئيس التحرير

 

 

 

 

مشاركة